محمد وزوجته في شقتهما في باريس. المصدر: مهاجر نيوز
محمد وزوجته في شقتهما في باريس. المصدر: مهاجر نيوز

قدم إلى فرنسا عام 2006 ولم يكن تجاوز الـ 16 عاما من عمره. محمد شاب مصري يعيش في فرنسا منذ 15 عاما، سعى أثنائها ليندمج ويحقق حياتا كريمة. وجد عملا ودفع ضرائبه وتزوج وغدى أبا لطفل فرنسي، ويدير حاليا وزوجته شركة صغيرة، لكنه لم يستطع إلى الآن تسوية وضعه الإداري ومازال معرضا لخطر الترحيل.

لم تعطه بلده أي فرصة للبقاء، لذا قرر محمد المغادرة. بعمر 16 عاما، انطلق من ميناء الإسكندرية وصولا إلى إيطاليا ومن ثم فرنسا، وجهته الأخيرة حيث استقر. كانت رحلة الهجرة شاقة وصعبة، 10 أيام في البحر وكأنها رحلة إلى الجحيم، وصل في نهايتها المراهق إلى مستقره وبدأ بالسعي ليحقق حياة كريمة.

محمد موجود في فرنسا منذ 15 عاما، يعم ويدفع ضرائبه، اندمج وتزوج، لكن خوفا واحدا رافقه كظله طيلة الوقت، الخوف من الترحيل. حاول الشاب الثلاثيني على مر الأعوام تسوية وضعه الإداري، لكن محاولاته لم تفض إلى أي نتائج. هذا ما رواه لنا.

فور وصولي إلى فرنسا، قضيت أياما في العراء، لم أكن أعرف أحدا. وعلى الرغم من ذلك من لم تكن الأيام كلها قاسية علي، تلقيت المساعدة من أناس كثر. جاءتني عائلات فرنسية بوجبات طعام في الصباح، وعرض علي آخرون أماكن للمبيت واعتنوا بي.

لم أبحث في تلك الفترة عن وسيلة لتسوية وضعي الإداري، لم أكن على دراية بالإجراءت، كنت في الـ 16 عمري وقدر معرفتي في هذه الأمور متواضع جدا.

أكثر ما أخافني حينها هو رجال الشرطة، لا سيما أثناء تفتيشهم الحافلات وعربات المترو بحثا عن متسلل لم يدفع ثمن بطاقته، كنت أخاف أن يكتشفوا أمري، لذا كنت أرتدي كلما صعدت ثيابا نظيفة وأمشي على نحو غير مثير للشبهات، وبذلك لم يوقفني أحد. 

لم أكن تعلمت الفرنسية بعد، أجدت قليلا من الإنكليزية، لذلك سعيت إلى تعلم اللغة قبل أي شيء آخر وتعلمتها من الصحف ومحاولات الحديث مع الناس. 

”عملت بجد وإخلاص“

عندما بلغت الـ 18، بدأت العمل على نحو غير نظامي نظرا لعدم امتلاكي أوراقا شرعية. عملت في قطاع البناء والتجديد مع أني لم أكن أعرف شيئا عن تلك المهنة. شعرت في هذا العمر أنني أكثر نضجا وباتت لدي ثقة أكبر في نفسي، لذا قررت تسوية وضعي الإداري والحصول على بطاقة إقامة.

ذهبت إلى محافظة الشرطة وتقدمت بطلب لكنه قوبل بالرفض. أخبروني أن هناك شروطا محددة للحصول على بطاقة، مثل التواجد على الأراضي الفرنسية لعشر سنوات على الأقل أو حيازة عقد عمل أو عقد زواج، ولم أكن قد حققت أيا من هذه الشروط.

بحثت وقصدت جمعيات إنسانية، جميعهم قالوا إن الأمر معقد. وصلني بعدها قرار بوجوب مغادرة الأراضي الفرنسية. لم أغادر، بقيت في فرنسا أعمل بكد وإخلاص على نحو غير شرعي ريثما أجد حلا.

استأجرت بعد أعوام شقة في الدائرة الباريسية التاسعة بفضل بعض الأصدقاء، كانت المرة الأولى التي أحوز فيها على عقد إيجار نظامي بالإضافة إلى إيصال إيجار.

بطاقة الإقامة الوحيدة التي حصل عليها محمد بداية هذا العام، لمدة ثلاثة أشهر. الحقوق محفوظة
بطاقة الإقامة الوحيدة التي حصل عليها محمد بداية هذا العام، لمدة ثلاثة أشهر. الحقوق محفوظة

”هل دخلك مصرح به؟“ لا، أنا أعمل على نحو غير شرعي

تمكنت أيضا من فتح حساب مصرفي. أذكر أن موظف البنك طلب مني بطاقة الإقامة، قلت له إنها ليس بحوزتي بعد فقال: سأفتح لك حسابا وعندما تصلك بطاقة إقامتك أرسل إلي نسخة. 

بعد الشقة والحساب المصرفي بقي التصريح الضريبي، جل ما أردته هو تسهيل أموري الإدارية. اتصلت بمكتب الضرائب في المنطقة التي أسكن فيها فكان سؤالهم الأول "هل دخلك مصرح به؟" قلت: لا، أعمل على نحو غير شرعي. أخبروني أنه علي الحصول على كشوف رواتب حتى يكون لدي رقم ضريبي.

بدأت التفكير مليا بعد الاتصال، كان علي الحصول على كشوف للرواتب. تمكنت من تدبرها أحيانا وفشلت أحيانا أخرى، فأنا لم أكن موظفا شرعيا. على كل حال، أصبح لي رقم ضريبي وتمكنت من التصريح عن ضرائبي. 

”وظفتني زوجتي وهي من تدفع لي راتبي الشهري“ 

بقيت على هذا الحال، أي العمل والمحاولة إلى أن التقيت بفتاة فرنسية في شهر تموز/يوليو 2019، وقعنا في الحب وتزوجنا. نعم، يمكنك الزواج من دون أوراق شرعية. تستطيع البلدية أن تطلب من المدعي العام إجراء تحقيق في الزواج إن شكّت بصدقه، لكنها لم تطلب أمرا كهذا في حالتنا لأننا تزوجنا عن حب وكان هذا واضحا.

القرار الثاني الذي تلقاه محمد، بوجوب مغادرة الأراضي الفرنسية. الحقوق محفوظة.
القرار الثاني الذي تلقاه محمد، بوجوب مغادرة الأراضي الفرنسية. الحقوق محفوظة.


أنشات زوجتي شركة صغيرة نديرها سويا. الشركة باسمها وهي المسؤولة الأساسية فيها بما أنني لا أحمل أوراقا شرعية. وظفتني في الشركة (مع أنه أمر غير قانوني) ودفعت لي راتبي ومدتني بكشوف منتظمة لرواتبي. يسير العمل على نحو جيد وحققنا أرباحا في السنة الثانية من بدء المشروع. 

في شهر كانون الثاني/نوفمبر عام 2019 اشترينا شقة، وحتى في هذه سعيت إلى طرق غير اعتيادية لاقتراض المال من المصرف، بما أن إقامتي غير شرعية. حصلت وزوجتي على ”ائتمان بائع“ وهو ائتمان يخولنا الدفع للبائع مباشرة ضمن جدول زمني محدد، قبل البائع بدوره وبذلك تم الأمر.

” أشعر أني فرنسي، ولكن علي خوض الحروب باستمرار “

اليوم، أنا أب لطفل فرنسي ومتزوج من فرنسية وأملك شقة في فرنسا وأدفع ضرائبي كاملة وسجلي الإجرامي نظيف، ومع ذلك ليست لدي أوراق شرعية. 

أشعر أني فرنسي، ولكن علي دوما المحاربة لتحصيل حقوقي. كلما طلبت الإقامة أو فحص ملفي الموجود لدى السلطات المختصة، أقابل بالرفض إما بحجة أنني لا أكسب ما يكفي أو أن حياتي الزوجية غير كافية لتسوية وضعي أو أمور أخرى. كما أنه وصلني في شهر تموز/يوليو الماضي، قرار ثان بوجوب مغادرة الأراضي الفرنسية .. أنا متعب حقا.

المرة الوحيدة التي حصلت فيها على تصريح إقامة لمدة ثلاثة أشهر كانت من منتصف كانون الثاني/يناير حتى منتصف نيسان/أبريل هذا العام. وقتها حكمت المحكمة لصالحي وأمرت المحافظة بإصدار تصريح إقامة مؤقت ريثما يتم فحص ملفي. وبعد انقضاء المدة، رُفض الطلب وعدت من حيث بدأت. 

لم أستطع فعل شيء على الرغم من وجود أخطاء من قبلهم. فعلى سبيل المثال كتبوا في الوثيقة أنني جزائري وأن لدي عائلة في روسيا، وأنا لم أذهب إلى هناك قط. 

ولد طفلنا الأول هذا الصيف، أنا الآن رب عائلة.

انتظر اليوم إشعار جلسة الاستماع الخاصة بي في محكمة مونتروي، سأطلب من المحكمة مباشرة الحصول على تصريح إقامة. أتمنى كسب القضية، فأنا لا أعرف ما الذي يمكن فعله أكثر.

 

للمزيد