في ساحة دفن المسلمين، في مقبرة كاليه الشمالية ، وضع على بعض القبور أرقاما فقط للتعذر عن معرفة هوية المتوفين. المصدر: فرانسوا داميان بورجري
في ساحة دفن المسلمين، في مقبرة كاليه الشمالية ، وضع على بعض القبور أرقاما فقط للتعذر عن معرفة هوية المتوفين. المصدر: فرانسوا داميان بورجري

منذ كانون الثاني/يناير لهذا العام ومع استمرار محاولات عبور بحر المانش وتزايدها، توفي ثمانية مهاجرين أو اختفوا في شمال فرنسا أثناء سعيهم الوصول إلى المملكة المتحدة. في منطقة غراند سانت في كاليه، يعمل فريق من المتطوعين على تحديد هويات المهاجرين المتوفين وتنظيم مراسم دفن لهم.

هناك، وسط مقبرة في مدينة كالية شمال فرنسا وفوق تلة رملية معزولة، ساحة افترشتها قبور تبدو بسيطة، استبدلت اللوحات الرخامية فوقها بقطع خشبية كتب عليها اسم المتوفى وتاريخ الوفاة، بعض القبور يتيمة التاريخ فيما خلت الحروف فوق قبور أخرى وباتت أرقاما.

في هذه المساحة، قبر بهزاد باقري بارفين، المولود عام 1988 في إيران. وجد ميتا على شاطئ سانغات في با دو كاليه، يوم 18 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بعد محاولته الوصول إلى إنكلترا بحرا. ولكن عندما تحدثت الصحافة المحلية عن وفاته في ذلك اليوم، كان مجرد مهاجر ذو ملامح إيرانية، يتراوح عمره بين 20 و40 عاما، مجهول الهوية، فنادرا ما يحمل من يحاولون العبور أوراقهم الثبوتية معهم.

قبر بهزاد باغهيري بارفين، المولود عام 1988 في إيران. وجد ميتا على شاطئ سانغات في با دو كاليه، يوم 18 تشرين الأول/أكتوبر 2020، بعد محاولته الوصول إلى إنكلترا بحرا. المصدر: فرنسوا داميان بورجري.
قبر بهزاد باغهيري بارفين، المولود عام 1988 في إيران. وجد ميتا على شاطئ سانغات في با دو كاليه، يوم 18 تشرين الأول/أكتوبر 2020، بعد محاولته الوصول إلى إنكلترا بحرا. المصدر: فرنسوا داميان بورجري.


”مجموعة المتوفين“ (groupe décès) كما يطلق عليها افرادها، تأسست عام 2017 وتعمل على تحديد هويات المهاجرين المتوفين، والاتصال بأسرهم من أجل إعادتهم إلى بلادهم أو تنظيم مراسم دفن وفق تقاليد المُتوفى إن تعذر إرساله.

وتتضمن المجموعة نحو عشرين متطوعا من منظمات عدة مثل سيكور كاثوليك Secours catholique ويوتوبيا Utopia 56، وسكن المهاجرين l’Auberge des migrants، والصليب الأحمر، وأطباء العالم Médecins du monde، ومركز النساء اللاجئات Refugee Women’s Centre بالإضافة إلى مدنيين داعمين للمهاجرين.

للمزيد >>>> صور "صادمة" أثناء إخلاء الشرطة مخيما للمهاجرين وسط العاصمة باريس

تقول المنسقة في جمعية "سيكور كاثوليك"، جولييت ديلابلاس، إن عمل المجموعة معقد وحساس لاسيما في ظل تأزم الأوضاع في كاليه وتزايد عدد وفيات المهاجرين، لذا كان من الضروري التنسيق مع الجمعيات، إلى جانب الحفاظ على مركزية القرار والإجراءات.

”المحقق كولومبو“

يتولى الأمر فريقان، يضمان ناشطة مدنية من كاليه، مهمتها التواصل مع السلطات بالإضافة إلى فريق آخر مؤلف من شخصين يحاولان التواصل مع أقارب المتوفى في كاليه ومع عائلته. ويعمل الفريقان على إيجادهم مهما كلف الأمر. فعلى سبيل المثال، عندما عملت ”مجموعة المتوفين“ على تحديد هوية المهاجر الإيراني بهزاد الذي توفي على شاطئ سانغات. لم تكن بحوزتهم سوى صورة له، نشرتها الصحافة المحلية، تظهر ملامحه العامة، طوله وبشرته ولون شعره، مرفقة ببعض المعلومات البسيطة عنه أفصحت عنها الشرطة.

تقول إحدى المتطوعات في ”مجموعة المتوفين“، مريم غويري، "شعرت في ذلك الوقت وكأني المفتش كولومبو. كنا نبحث عن إبرة في كومة قش، يضاف إلى ذلك أن تجول واختفاء المهاجرين في المنطقة يزيد من صعوبة وتعقيد عملنا. كيف يمكن تحديد هوية المتوفى وهناك نحو 800 مهاجر منتشرون في المنطقة ربما تنطبق عليهم المواصفات ذاتها".

وبينما تحاول المجموعة جاهدة إيجاد أدلة تساعدها على تحديد هوية المتوفى، يخبرهم الضابط المسؤول عن نيته إقفال القضية لأنه على وشك الذهاب في عطلة. فتضاعف الضغط على المجموعة وخشيت ألا تتوصل إلى نتائج ملموسة، وأن يدفن المهاجر وعلى قبره إشاره X أي مجهول الهوية.

للمزيد >>>> محاكمة شرطي بلجيكي في قضية مقتل طفلة مهاجرة لم تتجاوز عامها الثاني

يؤكد المنسق في جمعية يوتوبيا 56، سيولي ميدرياني، أن هذا بالضبط ما تعمل المجموعة على منعه، أي احتساب المتوفين كأرقام وطيهم في خانة النسيان.

وأضاف، أن سرعة المجموعة في العمل ضرورية، قبل نشر معلومات غير صحيحة على وسائل التواصل الاجتماعي، تتعلق بهوية الضحية. فعلى سبيل المثال، بعد وفاة المهاجر السوداني عبد الفتاح حمدلله، غرقا أثناء محاولته الوصول إلى بريطانيا، نشرت الوزيرة المنتدبة للشؤون الداخلية مارلين شيابا على تويتر أن الشاب قاصر يبلغ 16 عاما ووعدت بمضاعفة الجهود لمحاربة تهريب البشر، لكن الناشطة جولييت أوضحت أنه ”لم يكن عبد الفتاج قاصرا ولم يختلط بشبكة مهربين، غادر وصديق له من دون مساعدة أحد“.

قبر المهاجر عبد الفتاج حمدلله، توفي عام 2020. المصدر: فرنسوا داميان بورجري.
قبر المهاجر عبد الفتاج حمدلله، توفي عام 2020. المصدر: فرنسوا داميان بورجري.


أثناء تأدية المتطوعة مريم غويري جولتها على المخيمات برفقة متطوعة أفغانية وآخر يتحدث الفارسية، لم تجد مفقودين بين المهاجرين المصريين ولا السوريين. لكن بعد وصولها إلى مكان تجمع المهاجرين الإيرانيين، ذكروا أن أحدهم اختفى في 17 تشرين الأول/أكتوبر بعد محاولته عبور المانش. تمعنوا في الصورة التي كانت تحملها، قالوا إن الصورة تتطابق وهيئة المختفي، لا سيما وأن الشرطة كانت قالت إن للمتوفى لحية خفيفة. وبعد إطالة النظر قالوا لمريم، إن من في الصورة هو المهاجر بهزاد، الإيراني الذي اختفى أثناء محاولة العبور.

تكريم الموتى

تواصلت المجموعة من فورها مع عائلة بهزاد باقري بارفين، وأرادوا إرسال جثمانه إليهم ولكن السفارة الإيرانية طلبت ثمنا باهظا. لهذا توجب دفنه في كاليه وفق مذهبه الديني ”الشيعي“ تبعا لرغبة ذويه.

تصف مريم غويري كيف كان المشهد، وتتحدث كيف تغطى الكفن بقطعة قماش أسود أُرسلت قطعة منه وصورة وقبعة إلى عائلة المهاجر. وصُفّت على طاولة مخصصة زهورا وحلوى. قالت إن الجنازة صورت كاملة وفق رغبة والد بهزاد وأن المجموعة تحاول دائما جمع أغراضا صغيرة ترسلها إلى عائلة المتوفى لمواساتهم.

أضافت جولييت ديلابلاس أن حضور الجنازة اقتصر على 20 شخصا فقط بسبب إجراءات الحجر الصحي "بينما حضر جنازة المهاجر السوداني عبد الفتاح نحو 200 شخص".

مريم غويري تعرض مقطع الفيديو الذي صوره متطوع أثناء جنازة بهزاد باقري بارفين. المصدر: فرانسوا داميان بورجري
مريم غويري تعرض مقطع الفيديو الذي صوره متطوع أثناء جنازة بهزاد باقري بارفين. المصدر: فرانسوا داميان بورجري


تكمل جولييت بأسف، أن المجوعة تعمل على تعويض النقص والدعم الذي لا تعده السلطات أمرا مهما، مؤكدة، أنه لولا تحرّك المجموعة لكانت القضية أقفلت من دون التعرف على هوية بهزاد والاتصال بأسرته ودفنه بما يتوافق مع معتقداته ورغبة والديه، ”لولا تلك التعبئة لكان المهاجر دفن ووضع على قبره علامة إكس في ساحة مخصصة للفقراء ولمن تخلت عوائلهم عنهم“.

نشر الوعي عند الاحياء

تدعم الجمعيات الإنسانية ضمن ”مجموعة المتوفين" من هم على قيد الحياة أيضا، إذ تقدم منظمة أطباء العالم، لأهل المتوفين وأصدقائهم أو الناجين من الغرق، الدعم النفسي-الطبي عند الحاجة.

وتتحدث المنسقة في الصليب الأحمر في ليل، فيتوريا لوغريبو عن الدعم الذي تقدمه الجمعية للمنفيين، إذ تكمن مهمتهم في تجنب انفصال المهاجرين عن أسرهم ”نسألهم كيف يحفظون أرقامهم في آخر مرة تواصلوا فيها مع عائلاتهم“.

وقالت مسؤولة في الصليب الأحمر، في منطقة اوت دو فرانس Hauts-de-France، ماريون هووت، إن الجمعية تزود المهاجرين بخطوط لإجراء مكالمات دولية أو اتصال عبر الانترنت أو مآخذ لإعادة شحن أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم. مشيرة إلى أن حفاظ المهاجرين على صلاتهم مع عائلاتهم صعب أثناء تواجدهم في كاليه، لأنهم في حالة تنقل مستمرة.

للمزيد >>>> "حين بلغت 13 عاما، أدركت أنني يمني".. رحلة مضنية من السعودية إلى غويانا الفرنسية

وتضيف أن بعض المهاجرين، لم يتواصلوا مع علائلاتهم منذ خروجهم أي منذ خمس سنوات على الأقل، فبالنسبة إليهم، يجب تحقيق الهدف بداية الوصول إلى الوجهة النهائية ومن ثم يعيدون التواصل مع أهلهم.

فكرت مريم غويري، أثناء حديثها مع جارتها وكاهن متقاعد، كلاهما متطوع في جمعية "سيكور كاثوليك"، في سلسلة مفاتيح مقاومة للماء، يمكن للمهاجرين أن يضعوا فيها صورة ورقم أحد أحبتهم قبل محاولة عبور البحر، كي لا ينساهم الجميع إن باءت محاولتهم بالفشل وغرقوا في البحر.

المقال للصحفي فرانسوا داميان بورجري.

 

للمزيد