جائحة كورونا ضربت تركيا ما جعل كثيرا من المهاجرين وبينهم مهاجرون فلسطينيون وعرب يسرحون من أعمالهم
جائحة كورونا ضربت تركيا ما جعل كثيرا من المهاجرين وبينهم مهاجرون فلسطينيون وعرب يسرحون من أعمالهم

خلال الأسابيع الأخيرة، فرضت السلطات التركية إجراءات لمواجهة تفشي فيروس كورونا في البلاد، كان آخرها فرض حظر تجول "جزئي" مطلع الأسبوع الجاري. وفي ظل هذه الأزمة، فقد الكثير من المهاجرين المقيمين في تركيا أعمالهم ومصادر رزقهم. ومع دخول فصل الشتاء، لا حلول تلوح في الأفق.

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مطلع الأسبوع الجاري، عن حزمة إجراءات جديدة تهدف إلى مواجهة تفشي فيروس كورونا في بلاده. وتضمنت هذه الإجراءات فرض حظر تجول من الإثنين إلى الجمعة من الساعة التاسعة مساء حتى الخامسة صباحاً. وفي عطلة نهاية الأسبوع، يبدأ الحظر من الساعة التاسعة من مساء يوم الجمعة، حتى الساعة الخامسة من صباح الإثنين. 

وتأتي هذه الإجراءات بعد أسابيع حاولت خلالها الحكومة التركية السيطرة على الجائحة عن طريق إصدار قرارات محددة دون اللجوء إلى حظر التجول، كزيادة مراقبة التزام المواطنين بإجراءات التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات ومنع تقديم النراجيل في المقاهي، ومنع تقديم الطعام في المطاعم لأعداد كبيرة من الزبائن والاستعاضة عنها بخدمات التوصيل، وغيرها. 

وتلقى مهاجر نيوز شهادات مهاجرين يعيشون في تركيا، خاصة ممن يعملون في قطاع السياحة والمطاعم وتضرروا بشكل مباشر بهذه القرارات، حيث اضطروا إلى ترك عملهم دون وجود بديل أو أي مصدر دخل آخر، ودون أن يتم تعويضهم من أرباب عملهم.

“هذه الإجراءات أثرت على الجميع.. لكن المهاجرين هم الأكثر تضرراً”

 وفي اتصال مع مهاجر نيوز قال همام حكيم، وهو صحافي سوري مقيم في تركيا، إن الجائحة أثرت على كل العالم، وأغلب طبقات المجتمع في تركيا تأثرت بالإجراءات التي فرضتها السلطات منذ آذار/مارس الماضي، لكن يبقى المهاجرون هم الأكثر تضرراً. 

ويشرح "يعمل أغلب المهاجرين في قطاع السياحة والمطاعم، وبعضهم في الشركات الصغيرة والمتوسطة، والغالبية العظمى منهم يعملون دون عقود عمل رسمية، أي بلا حقوق واضحة". ويتابع "وخلال الأشهر الأخيرة، عوضت الحكومة وبعض الشركات الموظفين النظاميين المتضررين، ولكنه كان تعويضاً محدوداً وبالكاد يكفي لدفع تكاليف الإيجار والأساسيات. لكن بالتأكيد العاملين ممن لا يملكون عقود عمل، لم يتم تعويضهم". 

وفيما يتعلق بالإجراءات المفروضة مؤخراً يقول همام "أغلب القطاعات التي يعمل فيها المهاجرون تعتمد بشكل أساسي على عطلة نهاية الأسبوع، كالمطاعم والمقاهي والسفن السياحية والمحال الخدماتية كالحلاقين مثلاً، ومع فرض حظر تجول كامل خلال نهاية الأسبوع، فإنهم يعانون واستقرار حياتهم مهدد".

للمزيد >>>> لاجئون عراقيون في تركيا.. "مفوضية اللاجئين أدارت ظهرها لنا"

"اضطررنا إلى تقليص رواتب العمال المهاجرين"

يملك سامح، وهو شاب أردني يبلغ 36 عاماً، مطعماً في شارع الاستقلال، أحد أكثر أحياء إسطنبول حيوية واكتظاظا بالسياح. لكن بسبب الإجراءات المتتابعة لمواجهة الوباء، تكبد خسائر كثيرة واضطر إلى تقليص رواتب عماله المهاجرين.

يقول "تفرض السلطات على أرباب العمل الأجانب شروطاً مبالغ فيها، فمثلاً يجب أن أوظف خمسة عمال أتراك مقابل كل عامل أجنبي، ومن المستحيل توظيف هذا العدد من العمال في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، لذلك نضطر إلى توظيف العمال المهاجرين بشكل غير رسمي". ويضيف "مع تصاعد أزمة كورونا، أول من دفع ويدفع الثمن هم هؤلاء العمال، إما بالاستغناء عنهم بشكل كامل، أو بتقليص رواتبهم".

وفقاً لسامح، حوّلت أغلب المطاعم عملها إلى نظام التوصيل إلى المنازل، لكن السلطات تقوم بتوقيف عمال التوصيل وتسألهم عن أوراقهم الثبوتية، وبما أن العمال الأجانب لا يملكون أوراق ضمان اجتماعي وتأمين صحي، فهذا يعرضهم ويعرض أصحاب العمل للمساءلة، ويقول "لذلك اضطررنا أن نتعامل بشكل إنساني مع عمالنا، الذين أصبحوا أصدقاءنا مع الوقت. وعوضاً عن الاستغناء عنهم بشكل كامل، قمنا بتقليص رواتبهم وتغيير ساعات عملهم حتى لا نعرضهم للمساءلة قدر المستطاع".

وأنهى سامح كلامه قائلاً "في الوضع الطبيعي، مطعمي يحتاج إلى ستة عمال يتم تبديلهم على مناوبتين. الآن تقلص العدد إلى عاملين اثنين فقط. للأسف، كل التعويضات التي تتحدث عنها الدولة تتجه إلى الشركات العملاقة، ولا يصل منها أي شيء للمنشآت الصغيرة والمتوسطة".

“فقدت فرصتَي عمل خلال الجائحة"

قدم الشاب الفلسطيني أدهم* من غزة نهاية عام 2018، حيث كان يعمل هناك كعازف موسيقي. وبعد أشهر من البحث، تمكن من إيجاد عمل كمندوب مبيعات في شركة عقارات وبراتب شهري 1800 ليرة تركية (190 يورو)، ثم تبعه والداه وأخته واستقروا في شقة في إسطنبول. 

لكن مع الموجة الأولى من تفشي جائحة كورونا في آذار/مارس الماضي، وفرض حظر التجول في البلاد في حينه، تلقى أدهم اتصالاً من مديره في الشركة يعلمه فيه بأنه استغنى عن خدماته، دون سابق إنذار ودون تقديم أي تعويضات مادية له. 

عدم الاستقرار الذي حل بالشاب، دفع والده وأخته للعودة إلى غزة، فيما بقت والدته معه. 

وبعد أن انتعشت السياحة جزئيا خلال الصيف، بدأ أدهم في العمل كموسيقي في بعض المطاعم والمقاهي، حيث كان يتقاضى 200 ليرة تركية (22 يورو) يومياً، ويعمل ثمانية أيام في الشهر، ما حقق له نوعاً من الاستقرار. لكن منذ نحو أسبوعين، أخبره أصحاب المطاعم التي يعمل لديها بأنهم سيغلقون أبوابهم لأن أرباحهم أصبحت محدودة والضغوط عليهم ازدادت من طرف السلطات، فأضحى الشاب بلا أي عمل أو دخل مرة أخرى.

يقول "من الصعب جداً إيجاد فرصة عمل في إسطنبول بشكل عام، فما بالك بخسارة فرصتي عمل في أقل من 10 أشهر؟ بالتأكيد أشعر بالإحباط، لكن لا خيار أمامي سوى انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع".

من الجدير بالذكر أن تركيا تمنح الفلسطينيين من غزة إقامة سياحية لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد، ما دفع أعداد كبيرة من الشبان والعائلات للانتقال والعيش هناك. لكن بسبب طبيعة إقامتهم السياحية، تعمل الغالبية العظمى من هؤلاء المهاجرين بالمياومة أو بشكل غير رسمي ودون عقود عمل، مما يجعلهم عرضة للطرد التعسفي، بالإضافة إلى الفرق الكبير بين أجورهم والأجور التي يتلقاها أقرانهم الأتراك، وفق ما ذكره المهاجرون أنفسهم. 

للمزيد >>>> المهاجرون وريادة الأعمال: هل تعد قصص نجاح نادرة؟

"هاجرت حتى أعمل وأرسل المال لعائلتي.. لكني بت محتاجاً للمساعدة"

خالد*، وهو شاب فلسطيني آخر من غزة يبلغ عمره 24 عاماً، وصل إلى تركيا في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 بعد تخرجه من كلية التجارة. 

يقول "وصلت نهاية العام الماضي على أمل إيجاد حياة أفضل، والبحث عن طريقة للدخول إلى أوروبا فبدأت الجائحة وتعقدت الحياة في كل العالم، فلم أجد أمامي أي خيار سوى البقاء هنا".

استأجر خالد شقة في إسطنبول مع صديق له، ويتقاسم الشابان الإيجار البالغ 1400 ليرة تركية (150 يورو).

ويشرح "بمجرد وصولي إلى تركيا، بدأت أبحث عن عمل، لكن المهمة صعبة جداً بسبب العدد الهائل للمهاجرين هنا. عملت كمدرّس موسيقى لبعض الأطفال والشبان العرب، لأنني كنت أعمل في معهد موسيقي في غزة، لكنه كان عملاً غير مستقر وغير مجدٍ. في شهر آب/أغسطس الماضي، حصلت على عمل على متن سفينة سياحية".

عمل خالد في هذه السفينة بالمياومة، وكان يتقاضى 100 ليرة يومياً (11 يورو). 

يعلق "كان عملاً جيداً. كنت أعمل من 18 إلى 22 يوماً كل شهر، وحقق لي الدخل استقراراً في حياتي".

لكن منذ نحو أسبوعين، تم إبلاغ خالد وزملائه بتعليق العمل على السفينة بسبب إجراءات مواجهة كورونا، ومنذ ذلك الحين يعيش الشاب دون أي دخل.

يقول "يعمل في هذه السفينة نحو 50 شخصا، 45 منهم عرب، وجميعهم يعملون دون عقود عمل ودون حقوق واضحة، وبالتالي جميعهم الآن توقفوا عن العمل ولا يملكون أي دخل آخر ولن يتم تعويضهم".

ويضيف "لا توجد أي حلول. خرجت من غزة لأبحث عن الاستقرار ولأساعد أسرتي في غزة مادياً، والآن أنا أحتاج إلى المساعدة. لحسن الحظ قمت خلال الأشهر الأخيرة بتوفير بعض المال على أمل أن أسافر إلى أوروبا، الآن سأعيش وأدفع إيجار شقتي منه". 

*اسم مستعار

 

للمزيد