باباكار البالغ من العمر 18 عامًا غادر سانت لويس (السنغال) على متن قارب نحو جزر الكناري
باباكار البالغ من العمر 18 عامًا غادر سانت لويس (السنغال) على متن قارب نحو جزر الكناري

يبلغ باباكار 18 عامًا، هو واحد من بين 8 آلاف مهاجر إفريقي وصلوا إلى أرخبيل جزر الكناري في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020. عندما التقى به فريق مهاجر نيوز، كان باباكار قد التقى لتوه بأحد سكان جزر الكناري الذي قرر مساعدته.

يحاول بابكر الاتصال بعمه، ينتظر الشاب السنغالي أمام فندق مكون من ثمانية طوابق في ماسبالوماس، والذي أصبح مأوى لنحو آلف مهاجر وصلوا إلى جزر الكناري مؤخرا، ولم يجدوا مكانا في مرافق الاستقبال المخصصة لأفواج المهاجرين الذين يصلون يوميا.

يبحث باباكار عن عمه عثمان الذي أتى معه من السينغال في نفس القارب، وانفصلا بعد وصولهما إلى البر، ويعتقد باباكار أن عمه قد يكون من بين المهاجرين المقيمين في هذا الفندق.

اختصر المهاجر السنغالي قصة عمه لمهاجر نيوز بقوله "لقد ترك زوجته وطفليه وأمه في السنغال". مشيرا إلى أنه "كان يعمل صيادا، لكن الحياة صعبة في السنغال، ولم تكن مكاسبه من الصيد وبيع السمك كافية لسد متطلبات أسرته وحاجياتها، لهذا السبب قرر أن يجرب حظه في الهجرة إلى إسبانيا".

وصل باباكار وعمه إلى جزر الكناري في بداية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، وعن الرحلة يقول الشاب السنغالي "استغرق الأمر خمسة أيام انطلاقا من سانت لويس، مدينة ساحلية في شمال السنغال، وصولا إلى غران كناريا"، إذ قطع بهما القارب مسافة أكثر من 1300 كيلومتر.

كانا على متن القارب رفقة 75 مهاجرا، ويقول عن طفل كان معهم على متن القارب: "عندما كنا نستعد للمغادرة، وجدنا أن هناك صبيا صغيرا يبلغ من العمر 14 عاما ضمن الركاب، ورفضنا جميعا إقدامه على المخاطرة، وشرحنا له أن البحر خطير وأنه يمكن أن يموت خلال الرحلة، لكنه توسل إلينا أن نسمح له بالبقاء على متن القارب، فاضطررنا إلى مساعدته، وأعطيناه ملابسنا عندما أحس بالبرد، وأطعمناه عندما أحس بالجوع".

وأعرب باباكار خلال حديثه عن الرحلة بفرحه لكون كل ركاب القارب قد وصلوا إلى جزر الكناري أحياء سالمين، وقال "كنا محظوظين بالطقس، نجحنا في الخروج من السنغال دون وفاة أو إصابة".

خريطة توضح جانبا من شمال غرب إفريقيا وجزر الكناري الإسبانية. المسافة بين سانت لويس وغران كناريا أكثر من 1300 كيلومتر
خريطة توضح جانبا من شمال غرب إفريقيا وجزر الكناري الإسبانية. المسافة بين سانت لويس وغران كناريا أكثر من 1300 كيلومتر

مخاطر المحيط الأطلسي

تكمن مخاطر عبور المحيط الأطلسي في كون تياراته قوية جدا، ومحاولة عبوره أخطر بكثير من عبور البحر الأبيض المتوسط.

منذ بداية عام 2020 ، لقي ما يقرب من 600 مهاجر مصرعهم أو اختفوا أثناء محاولتهم الوصول إلى الأرخبيل الإسباني، حسب ما أعلنت عنه منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة.

هذه الأرقام لا تشمل القوارب التي اختفت دون أن تترك أثراً، والتي تسميها منظمة الهجرة الدولية "حطام السفن غير المرئي". خطر يدركه باباكار جيداً، إذ فقد قبل إقدامه على الهجرة في اليوم ذاته ثلاثة من أعز أصدقائه، لقوا حتفهم غرقا في البحر أثناء محاولتهم العبور من السنغال إلى جزر الكناري.

وعن قصتهم يحكي قائلا "علمت بوفاتهم في الصباح وفي المساء غادرت على متن القارب الموالي". ويضيف بأن أحد أصدقائه لم يعد قادرا على دفع إيجارمنزله في السنغال، وهذا ما دفعه للاتجاه صوب البحر.

وعن مشاعره أثناء الرحلة، يقول إنه بعد حوالي يومين على متن القارب، شعر بخوف كبير ويضيف "ظننت أني أصبت بالجنون. بعد ذلك حاولت أن أهدأ قليلا، واقتنعت أني إذا كنت سأموت فتلك مشيئة الله، وإذا كان مقدراً لي أن أصل إلى إسبانيا فسأصل ولا داعي للخوف والارتباك".

باباكار يدرك أن هناك احتمالا لإعادته إلى بلده، ويؤكد أنه لا يخشى ذلك وسيعتبره قدرا. لكنه يتمنى البقاء من أجل العمل وكسب مال ليعيل أسرته في السنغال.
باباكار يدرك أن هناك احتمالا لإعادته إلى بلده، ويؤكد أنه لا يخشى ذلك وسيعتبره قدرا. لكنه يتمنى البقاء من أجل العمل وكسب مال ليعيل أسرته في السنغال.

أخبرنا باباكار أنه مسلم مؤمن، وقال "إذا أعادونا إلى الوطن، فسيكون ذلك قدرنا وإذا سمحوا لنا بالبقاء هنا، فسأحاول جاهدا بناء حياة جديدة جيدة. أتيت إلى هنا لأعمل وأجتهد من أجل كسب قوت يومي، وليس للتسول أو إحداث مشاكل".

أنهى الشاب السينغالي تعليمه الأساسي في بلاده وحصل على البكالوريا العلمية (شهادة الثانوية التي يحصل عليها الطلاب في سن 18 وتسمح بدخول الجامعة). كما يصف باباكار نفسه بأنه لاعب جيد لكرة القدم، مؤكدا أنه كان يبرع في لعب كرة القدم مع أصدقائه في بلده، ويأمل أن يتمكن من جني بعض المال اعتمادا على مواهبه في أوروبا.

وصف باباكار حكام بلاده بالنسور بالقول "يبيعون كل مواردنا، ويرسلون أطفالهم للدراسة في الولايات المتحدة أو بلدان أوروبية للدراسة وضمان مستقبل جيد، بينما يتم تهميشنا نحن هناك، ونقضي عمرنا بحثا عن أبسط عمل، أو يموت شبابنا غرقا في البحر بسببهم".

مساعدة من سكان جزر الكناري

من أمام فندق ماسبالوماس في غران كناريا، يمكن رؤية المهاجرين على الشرفات. باباكار ليس المهاجر الوحيد الذي يبحث عن صديق أو قريب، فأمام مدخل الفندق، يقف كثيرون بحثا عن أفراد من أهلهم، غالبيتهم مهاجرون مغاربة، يحاولون الدخول إلى الفندق لكنهم ممنوعون. الصليب الأحمر المكلف بالمهاجرين فرض عليهم قواعد صارمة بعد استقدامهم للفنادق.

أتت سيدة ترتدي زي خدمة البريد الإسباني، اقتربت من باباكار وحدثته، فقررت مساعدة المهاجر السينغالي، عبر منحه مكانا للإقامة في منزلها. ونظرا لأنها لا تتحدث الفرنسية ولا يتحدث باباكار الإسبانية، فإن التواصل بين الاثنين صعب.

وقالت السيدة الإسبانية متحدثة لمهاجر نيوز عن هذه الخطوة الإنسانية التي قامت بها "لم نتحدث كثيرا حتى الآن بسبب الاختلافات اللغوية، لكنني أعلم أنه شاب يافع يحلم بمستقبل أفضل، يريد العمل والدراسة وإعالة أسرته". وتعتقد المتحدثة أن باباكار عندما يقطن معها، قد يشعر براحة أكبر، ومع مرور الوقت قد يكون قادرا على الانفتاح أكثر والتعبير عن مشاعره".

تمكن باباكار خلال هذا اليوم من الاتصال بوالده عدة مرات، واتضح من خلال كلامه معه أنه لم يخبر والده بخطته لمغادرة الوطن باتجاه إسبانيا. وقال معلقا على الأمر "لم أستطع إخباره أنني أريد المغادرة، إذ لم يكن ليسمح لي مطلقا. أقدمت على الهجرة لأن لدي إخوة وأخوات صغار، وأنا الأكبر في العائلة، أنا أعتبر نفسي مسؤولا عنهم".

ماريون ماكغريغور/ ترجمة: ماجدة بوعزة

 

للمزيد