صورة توضيحية من الأرشيف. الحقوق محفوظة
صورة توضيحية من الأرشيف. الحقوق محفوظة

محمد (34 عاما) مهاجر جزائري في فرنسا، روى لمهاجر نيوز حكاية طلاقه من زوجته الفرنسية ذات الأصول الجزائرية، والصعوبات التي واجهته كمهاجر مقبل على الطلاق لا سيما بعد أن منعته زوجته السابقة من رؤية أطفاله.

جئت إلى فرنسا في رحلة سياحية عام 2013. تعرفت على فتاة ذات أصول جزائرية مثلي لكنها مولودة في باريس، عن طريق بعض الأقارب. التقينا مرات عدة ووقعنا في الحب ومن ثم اتفقنا على الزواج وتزوجنا في العام نفسه. 

لم أستطع الانتقال إلى فرنسا فورا، لأنني كنت أعمل في الجزائر مصورا. اتفقت وزوجتي على الإقامة في باريس سويا حالما أجد عملا مناسبا فيها. تنقلت بين الجزائر وفرنسا لمدة ثمانية أشهر تقريبا حتى وجدت عملا حرا في باريس (فري لانس) freelance.

عشنا حياتا هنا بمحبة ووئام، وعلى الرغم من أصولنا المشتركة إلا أن زوجتي كانت أقرب إلى الفرنسية منها إلى الجزائرية وأهلها كذلك، لكن شيئا فشيئا بدأت الفروقات تتوضح بيننا والتوتر يزداد حتى بعد إنجابنا طفلنا الأول ومن ثم الثاني.

تأزمت خلافاتنا ووصلنا في أحد الأيام إلى مفترق طرق، انفعلت وعدت إلى المنزل الذي تملكه هي. انتظرت عودتها والأطفال ولكنها لم تأت، أرسلت إلي قائلة إنني لم أحترمها في هذا الموقف وإن أمرنا انتهى. 

تركت منزلها وأقمت عند أحد الأصدقاء عل الأمور تهدأ، فلم يكن لدي أحد أستطيع اللجوء إليه. بعد عشرة أيام إلى شهر تقريبا أرسلت إلي عن طريق محامي ورقة تطلب فيها الطلاق بالتراضي. 

”اخترت محامية عربية لأشرح لها وضعي، ففوجئت أنها لا تفهم العربية“

كمهاجر لا يعرف الكثير عن قوانين هذا البلد، شعرت بصعوبة جمة في التعامل مع موضوع كبير مثل الطلاق، لم أعرف من أين أبدأ ولا من علي أن أسأل، خصوصا وأنني وحيد في هذا البلد، لذا استعنت بغوغل، وبدأت أبحث عن محامي أو محامية من أصول عربية لأشرح قصتي بأكبر قدر من الوضوح، لا سيما وأنني أتحدث اللغة الفرنسية وأفهمها ولكن ليس بالعمق المطلوب لاستخدامها في قضية طلاق. 

وجدت محامية، وطلبت منها موعدا وذهبت إليها. بدأت حديثي بثقة تلاشت أمام استغرابها فهي لا تفهم العربية. اعتذرت مني وقررت التعامل معها فلم يكن لدي حلول كثيرة. أرسلنا موافقتنا على قضية الطلاق بالتراضي ثم مكثنا ننتظر إجابة.

”منعت من رؤية أطفالي واتهمت بالتطرف“ 

أقسى شعور مر بي في تلك الفترة هو عدم قدرتي على رؤية أبنائي، رأيتهم مرة واحدة بعد انفصالنا بعشرة أيام بحضور زوجتي السابقة ووالدها، ولكن بعد أن استأجرت استديو وعينت المحامية وبدأت أدفع أتعابها المضنية بالنسبة لي، تغير موقف زوجتي السابقة وقررت منعي من رؤية أطفالي. مع أن لا قانون يمنع هذا الأمر خصوصا وأن قضية الطلاق بم تكن بدأت فعليا بعد.

حاولت لمدة شهرين دون نتيجة. ذهبت إلى منزل أهلها حيث تمكث والأطفال أكثر من مرة، ولم يسمحو لي، انفعلت وصرخت أحيانا لأنني أردت رؤيتهم فقط.

حتى أني ذهبت إلى مركز الشرطة القريب من منزل أهلها، وأخبرتهم أنني أريد رؤية أطفالي فماذا أفعل، قالوالا نستطيع مساعدتك ولا نعرف ما الذي يجب أن تفعله، إن كان لديك أمر من المحكمة ننفذه لك وفقط.

كان الأمر مدمرا لأنني أردت قضاء بعض الوقت مع الأطفال فحسب ،ولم تكن لي أي نية أخرى فأنا بالكاد كنت قادرا على إدارة أموري في تلك المرحلة، ولم أتخيل أنني سأبعد الأطفال عن أمهم يوما.

نتيجة اصراري اشتكت زوجتي للشرطة وقالت لهم إنني متطرف وإنني أضربها والأطفال وإنني إنسان عنيف. وردني اتصال من مركز الشرطة يريدون التحقيق معي، ذهبت وذهلت عندما سمعت الاتهامات. لم أتخيل أن تصل الأمور إلى هذا الحد. في النهاية لم ينتج أي شيء عن تحقيق الشرطة، لكن ادعاءاتها وردت في ملف قضية الطلاق التي لم تعد تريده تراضيا.

"كنت ضائعا ولكنني عملت بجهد لأرى أطفالي"

بات كل ما أريده هو تحصيل وقت مع الاطفال، شعرت بالوحدة والألم والتخبط والفوضى داخل رأسي، كثيرا ما سألت أين أنا؟ وما الذي يحصل؟. 

على الرغم من ذلك بقيت مواظبا على تنفيذ ما تطلبه المحامية مني لدحض الادعاءات، أحضرت شهادات من الأصدقاء والجيران، رافقني شعور العجز طوال الوقت لا سيما وأن مهمة المحامين ليست الشرح وتوضيح القوانين والدعم الإنساني، هي مهمة عملية جدا ومحسوبة.

عملت جاهدا على فهم جميع القوانين وكيفية سير المعاملات، سعيت للحصول على مساعدة مادية تعينني على دفع تكاليف المحامية ولم أستطع، كنت أعمل بالقطعة ولا تحق لي المساعدة، بحثت أيضا عن منزل أكبر أسكنه ليتمكن أطفالي من المجيء، هذا ما نصحتني به المحامية، وبعد جهد كبير وجدت مكانا.

أتى موعد جلستنا، وقررت القاضية في نهايتها أنني لست متطرف، وزادت على ذلك وجوب التقائنا بمحققة اجتماعية لمدة ستة أشهر، وضمنت حقي برؤية أطفالي ولكن مرتين في الشهر لمدة ساعتين في كل مرة، من خلال مركز خاص يتصل بي وفق أوقاته المتاحة. كان هذا عام 2019. 

لم أرى أطفالي حتى شهر أيلول/سبتمبر 2020 

مضت سنة، وأنا لا أريد سوى رؤية أبنائي ومحاولة إزاحة الصور التي ركبت في أذهانهم عني، لم أرد أن يروني مهاجرا جاهلا وشخصا عنيفا لأنني لم أكن كذلك، ولكن هذا ما واظبت والدتهما على قوله. في عام 2020 اتصل بي المركز قائلا لدي موعد لرؤية الأبناء في شهر أيلول/سيبتمبر .

كنا داخل غرفة بحضور إحدى المساعدات في المركز. جاء الصغير صوبي، لم أعرف هل يذكرني؟ مضت سنة على آخر لقاء وكان صغيرا جدا، حضنني بأرياحية وكأنني شخص مألوف أما الثاني الأكبر سنا فلم يرد الاقتراب وأخبرني أنه لم يرد القدوم.

قال لي أنت ضربتني وضربت أمي، قلت له يا صغيري لم أضربك ولم أضرب أمك قط أنا أحبك. تركته على راحته قليلا وأخذت ألعب مع الثاني حتى بدأ الفضول يحوم حوله وفجأة اقترب مني وبدى طفل مشتاق لأبيه، سألني عن أحوالي وأين أعيش وماذا أفعل وكانت أجمل لحظة مضت علي منذ وقت طويل جدا. ساعتان كانتا كافيتان لتمداني بنفس عميق بعد ظني أنني كدت أختنق.

تعطل عمل المحققة الاجتماعية بسبب فيروس كورونا ولم يتسنى لنا الحديث سوى مرتين، لكنها أصدرت قرارا أن علينا الانتظار حتى يكبر ابني ذو السابعة ليتحدد ما اذا كنت عنيفا أم لا وحتى ذلك الوقت لا يسعني رؤية أطفالي أكثر من مرتين في الشهر.

لم أفهم ما الذي يعينيه أن يكبر قليلا، سألت متى بالضبط؟ وهل يمكن أن يتوقف عن الاعتقاد بأني ضربته وضربت أمه إن لم نتواصل باستمرار؟ طعنا في الحكم وننتظر حاليا صدور قرار الطعن.

رأيت أطفالي خمس مرات إلى الآن، وفي كل مرة ألقاهم، أستعيد سبب وجودي هنا، ابني الكبير يعيد الجمل نفسها عندما نلتقي، بأنني ضربته وأمه ولكنه سرعان ما ينسى ويتفاعل معي على نحو محب وبريئ وصادق. آمل بأن يتسنى لنا قضاء وقت أكثر سويا وأن يروني أبا مثاليا ومحبا.


اسم المهاجر مستعار بطلب منه.

 

للمزيد