شعيب وياسين أمام مقر مفوضية اللاجئين في العاصمة الليبية طرابلس. الحقوق محفوظة
شعيب وياسين أمام مقر مفوضية اللاجئين في العاصمة الليبية طرابلس. الحقوق محفوظة

أثارت حادثة وفاة طالب لجوء صومالي في 4 كانون الثاني/يناير الجاري غضب المنظمات غير الحكومية في ليبيا، واتهمت 32 جمعية المفوضية بـ"إهمالها" الشاب الصغير وعدم تقديم الرعاية اللازمة له. ويشير طارق لملوم، الناشط الحقوقي ورئيس منظمة "بلادي" لحقوق الإنسان، أن منظمته قدمت 3 شكاوى متعلقة بعمل المفوضية أمام مكتب المفتش العام في جنيف.

الاثنين 4 كانون الثاني/يناير الجاري، توفي طالب لجوء صومالي كان يعيش في ضواحي العاصمة الليبية طرابلس بعد تدهور حالته الصحية، مفجرا بذلك غضب الجمعيات والناشطين العاملين في ليبيا، والذين ألقوا اللوم على مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، مشيرين إلى "الإهمال الممنهج" الممارس بحق طالبي اللجوء المسجلين لديها.

ووقعت 30 منظمة وجمعية على بيان نشر في 11 كانون الثاني/يناير، قالت فيه "بكل الأسف والاستياء تابعت المنظمات والمؤسسات الليبية غير الحكومية خبر وفاة طالب اللجوء الصومالي شعيب عثمان إبراهيم"، بسبب ما تعرض له سابقا في مدينة بني وليد "ثم الإهمال والتقصير على يد مفوضية اللاجئين في طرابلس، حيث ادعت المفوضية في بيان لها نشر بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير الجاري أنها قامت بما يلزم تجاه الضحية وأنها كانت تشرف على علاجه".


المتوفى شعيب عثمان إبراهيم، كان محتجزا في مدينة بني وليد لدى تجار البشر، وتعرض للتعذيب والضرب هناك على مدى عام تقريبا. وبعدما تمكن أخيرا من الخروج مقابل فدية مالية، وصل الشاب اليافع المنهك إلى العاصمة الليبية طرابلس، في حالة جسدية وصحية سيئة.

في العاصمة الليبية، توجه شعيب إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين آملا بالحصول على الحماية، وسُجل رسميا كطالب لجوء في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. ورغم حالته الصحية السيئة، "طلبت المفوضية من إحدى عائلات الجالية الصومالية رعايته وأعطتها 500 دينار ليبي فقط، علما أن العائلة تعيش في منطقة عشوائية في قرقارش ضمن ظروف صعبة، وتعجز عن دفع الإيجار وفي منزل غير صحي"، حسبما يؤكد لمهاجرنيوز طارق لملوم، الناشط الحقوقي ورئيس منظمة بلادي لحقوق الإنسان الموقعة على بيان الاستنكار تحت عنون "مفوضية اللاجئين في ليبيا: بين الحماية والإهمال".


شعيب كان صغير السن منهك ولم يكن قادرا على المشي حتى، ويوضح لملوم أن العائلة الصومالية التي انتقل شعيب للإقامة عندها، كانت حذرت من سوء حالته الصحية ، "واشتكت الأم الصومالية من هذا الوضع وأكدت أنها غير قادرة على رعاية اليافع قائلة إنه معرض للموت"، مضيفا، " نحن بدورنا أخبرنا المفوضية".

وأكد ناشط وطالب لجوء صومالي كان قد ساعد شعيب أول انتقاله إلى طرابلس، نتحفظ على ذكر اسمه حرصا على أمنه، أن شعيب يبلغ 17 عاما (فيما تقول المفوضية إن عمره 19 عاما) وأنه كان في حالة إنهاك واضحة، مشيرا "كانت حالة شعيب تتدهور وكنا نبحث عن أي مكان أو أي حل لمساعدته"، وأكمل "قبل حادثة الوفاة ببضعة أيام، أخذت شعيب وطفل صومالي آخر كان يعيش في المنزل نفسه يدعى ياسين ويبلغ 15 عاما، وأوصلتهم في ساعة متأخرة إلى مقر المفوضية في شارع قرجي، وبعد الضغط والتواصل مع جمعيات محلية، جاء أخيرا فريق طبي لنقل شعيب إلى المستشفى، وطلبوا من ياسين العودة في اليوم التالي، رغم أنه لم يكن قادرا على الحركة".

صورة أرسلها لنا طارق لملوم أثناء نقل شعيب وياسين إلى مقر المفوضية في طرابلس
صورة أرسلها لنا طارق لملوم أثناء نقل شعيب وياسين إلى مقر المفوضية في طرابلس


بعد يوم واحد فقط، أعادت المفوضية شعيب إلى المنزل نفسه الذي كان يقيم فيه، وبعد نحو 4 أيام لفظ أنفاسه الأخيرة في ذلك المنزل. ويضيف الشاب الصومالي "شعيب كان مريضا، كيف يتركونه يعود إلى ذلك المنزل وهو في تلك الحالة؟".

لم تكن تلك المرة الأولى التي لم تتعاون فيها المفوضية مع الناشط، الذي كان بدوره محتجزا لدى تجار البشر لحوالي عامين في منطقة شويرف، ومسجل كطالب لجوء لدى المفوضية منذ عام 2019.

"الوضع في طرابلس غاية في السوء، وهناك أشخاص جدد يأتون باستمرار وهم بأمس الحاجة. كل أسبوع ألتقي بحوالي 30 شخصا، يعانون جميعهم من أمراض عديدة. لم نلق معاملة جيدة. لا يوجد لدينا أهل هنا ولا عمل، كيف نستطيع العيش من دون مساعدة؟".

"إهمال بعد الوفاة"

استمر "الإهمال حتى بعد الوفاة"، يقول الحقوقي طارق لملوم "أهملت المفوضية شعيب، ولم تنقل جثته إلا بعد تدخل السفارة الصومالية". 

ويشير بيان المنظمات إلى أنها "ليست المرة الأولى التي تحصل فيها حالات وفاة لطالبي لجوء مسجلين لدى مفوضية اللاجئين، في مساكن عشوائية في طرابلس، وتكون المفوضية على علم بذلك وتترك جثامينهم مرمية داخل تلك المساكن لساعات، ولا ينتهي الأمر سوى بتدخل جهات محلية أو مندوبي سفارات، كما حصل مع شعيب وغيره من الصوماليين"، حين تدخل مندوب السفارة ليلا و"اضطر لإتمام إجراءات الدفن وإبلاغ السلطات بعد تخلي المفوضية عنهم".

وفي لقاء إعلامي، قال القائم بأعمال السفارة الصومالية في ليبيا، "تلقينا اتصالا حوالي الساعة 4 بعد الظهر من محامي يعمل لدى المجلس النرويجي لحقوق اللاجئين، ليخبرنا عن وجود جثة في بيت صوماليين". وفي التاسعة مساء انتهت الإجراءات الرسمية وتكفلت السفارة بنقل الجثمان "ولم يكن هناك أي نوع من التعاون من قبل المفوضية".


وكشف الطبيب الشرعي، أن المتوفي كان لديه التهاب كبد والتهاب رئوي حاد، أدى إلى قصور في الدورة الدموية والجهاز التنفسي. وتستنكر المنظمات الليبية "إهمال" المنظمة الأممية لحالة شعيب، وتركه يخرج من المستشفى من دون مراقبة، إضافة إلى عدم الاستجابة لمطالبهم حتى بعد الوفاة، على عكس ما ورد في بيانها.

طفل صومالي آخر

المفوضية أشارت في بيانها إلى أن فريق الهلال الأحمر اكتشف وجود الطفل الصومالي الآخر ياسين "خلال الاستجابة للوضع" في منزل المتوفى، لكن الناشط طارق لملوم يؤكد على عدم صحة ذلك، أثناء متابعته لمجريات الأحداث.

ويشير الناشط الصومالي الذي ساعد شعيب قبل حادثة الوفاة، أنه نقل ياسين وشعيب إلى مقر المفوضية، وطلبوا من ياسين العودة صباح اليوم التالي.

"رغم حالة ياسين الصحية السيئة وعدم قدرته على الحركة، طلبت منه المفوضية أن يعود في اليوم التالي"، فكان على الشباب الصوماليين تدبر أمورهم ومساعدة ياسين، نقلوه بسيارة أجرة وتلقى الرعاية ليوم واحد ومن ثم أخرجته المفوضية، وفق لملوم، مردفا "بعد وفاة شعيب وممارستنا الضغوط، نقل ياسين أخيرا إلى مركز صحي".

وكانت المحامية الإيطالية المهتمة بشؤون اللاجئين، جوليا ترانشينا، نشرت تغريدة مصحوبة بمقطع فيديو يظهر فيه الصبي ضعيفا للغاية وهو يبكي "صديقه (ياسين) لا يزال هناك غير قادر على الوقوف أو المشي. إنه جائع وضعيف". وهو يعاني من سوء التغذية والسل أيضا. وتقول إن الشاب خرج من المستشفى بعد حقنة بسيطة في الوريد. وكانت أكدت في حديث سابق لمهاجرنيوز أن "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لا تعتني به على الإطلاق. وهو موجود حاليا في عيادة لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) لأنه عانى من السعال والإقياء طوال الليل". وأضافت "لم تعطه المفوضية حتى المال لشراء الغذاء أو الدواء".


شكوى ضد المفوضية

منظمة "بلادي" غير الحكومية التي بدأت العمل في ليبيا منذ أيار/مايو 2012، كانت قد قدمت شكوى لمكتب التفتيش العام في جنيف 3 مرات للتنبيه حول حوادث إهمال، آخرها موقف عنصري ضد لاجئ سوداني تعرض للشتم والضرب. ويشير رئيس المنظمة أنه "تم التوقيع على الشكوى من قبل 200 شخص. ولا نزال ننتظر الرد منذ 4 أشهر".

الإهمال يعرض حياة اللاجئين لخطر الموت

وتابع لملوم "نحن الآن في صدد تجهيز دعوى قضائية أمام السلطات الليبية، حول التقصير الممنهج من قبل المفوضية. والإهمال الذي يعرض حياة اللاجئين للخطر وحتى الموت". مضيفا "المفوضية تقول إن لديها 44 ألف شخص مسجل لديها داخل ليبيا، لكن الغريب في الموضوع أن المنظمة الأممية لا يوجد لديها في ليبيا سوى مكتبين قائمين في طرابلس. ووسيلة التواصل الوحيدة هي عبر الهاتف". ويأسف الناشط لسياسات المفوضية غير المدروسة، قائلا "ما يجب فعله هو الضغط على المفوضية من أجل الالتزام بأداء مهامها".

وأعربت المنظمات عن "استيائها من سوء أداء مكاتب المفوضية في ليبيا"، ويدعو الناشطون المفوضية أن "تتحمل مسؤوليتها أمام القصر والنساء وأن تخصص لهم حماية حقيقية وأن تعلن عن عجزها في حال وجود عراقيل وموانع تفرضها السلطات الليبية".

ودعت المنظمات وزارة الصحة الليبية بأن يكون لها دور في حالات الطوارئ و"استقبال الحالات المرضية التي تعجز عن الوصول إلى المفوضية، وألا يشترط أثناء طلب العلاج إثبات الوضع القانوني للمريض، فدور قطاع الصحة إنساني بالدرجة الأولى وليس له علاقة بدور الجهات الأمنية".

وبعد إرسال مهاجرنيوز أسئلة عدة إلى المفوضية للحصول على رد على تلك الاتهامات، قالت الناطقة باسم المفوضية في ليبيا، كارولين غلوك، إن المنظمة الأممية ليس لديها تعليق إضافي، مضيفة "أصدرنا بيانا واضحا جدا في 11 كانون الثاني/يناير حول الحادث، ونلتزم بتعليقاتنا. ليس لدينا ما نضيفه إلى هذا البيان العام. وأوضحنا أنه لا ينبغي للأفراد نشر تفاصيلهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، لأن هذا يمثل انتهاكا لحماية البيانات والسرية، وتنص سياسة المفوضية أيضا على عدم الكشف عن المعلومات المتعلقة بالحالات الفردية مع الامتثال الكامل لمبادئ ومتطلبات حماية البيانات".

 

للمزيد