أرشيف
أرشيف

تستمر معاناة المهاجرين وطالبي اللجوء شمال فرنسا، مع اتباع السلطات هناك سياسة عدم السماح بإنشاء مخيمات في المنطقة، بحجة عدم السماح للمزيد من المهاجرين بالقدوم إلى هناك. محمد، مهاجر سوداني مضى على تواجده في كاليه نحو عام، تواصل مع مهاجر نيوز ليرسم صورة عامة لحياته وحياة المئات من المهاجرين في المنطقة.

تحت أحد جسور مدينة كاليه، تجمع عدد من المهاجرين السودانيين واضعين خيمهم وما تيسر لهم من مواد يستخدمونها للاحتماء من الصقيع بشكل متلاصق. المهاجرون يستيقظون باكرا صباح كل يوم ليخلوا المكان خوفا من مداهمة الشرطة، ليهيموا في شوارع كاليه وغراند سينث طوال النهار، إما بحثا عن ما يأكلوه أو عن طريقة لعبور الحدود باتجاه بريطانيا، ليعودوا إلى مواقعهم تحت الجسر في المساء. وهكذا تنقضي أيامهم بحثا عن طريق لتحقيق حلمهم، الذي بدأ بالتلاشي.

محمد، أحد هؤلاء المهاجرين، غادر بلاده قبل نحو أربع سنوات، عانى خلالها "الأمرّين" على طريق البحث عن المستقبل. "ليبيا نالت حصة الأسد من رحلتي" يقول محمد لمهاجر نيوز، "سنتان ونيف وأربع محاولات هجرة، حتى تمكنت من مغادرة حفرة الجحيم تلك. الحديث عن ليبيا وما مررت به هناك سيطول كثيرا، ربما أتحدث به مرة أخرى، لكنها فترة من حياتي أود لو أستطيع اقتلاعها من ذاكرتي".

وصل محمد إلى كاليه قبل أقل من عام ساعيا وراء هدف واحد، الوصول إلى بريطانيا. "لي هناك أقارب وأصدقاء، كما أن شروط وظروف اللجوء هناك أفضل بكثير من فرنسا. لو بإمكاني تصوير يومياتي هنا ستفهم لماذا أريد الذهاب إلى بريطانيا".

سرد محمد جزءا من المعاناة التي يعيشها والمهاجرين الآخرين حاليا في كاليه، والتي تبدأ أولا من "عنف الشرطة" حسب تعبيره. يقول "إخلاءات للمخيمات العشوائية بشكل يومي، ضرب وصراخ وإهانات أثناء الإخلاءات، لا يسمحون للمهاجرين بجمع حاجاتهم، مؤكد أنكم رأيتم صورا من تلك الإخلاءات وكيف يقومون بتدمير الخيم على رؤوس النائمين فيها".

يتابع "جميعنا هنا نثمن ونقدر عاليا جهود المنظمات الإنسانية، ولكنها غير كافية. تلك المنظمات تعمل وفقا لطاقاتها ومصادرها، وطالما أن السلطات الرسمية لن تتدخل لتصحح من هذا الواقع، فلن يكون هناك تعيير حقيقي في وضعنا".

مراكز إيواء غير كافية

وكان عدد من المنظمات الإنسانية العاملة في كاليه قد وجهت رسالة إلى محافظ الشمال في 12 كانون الثاني\يناير الجاري، طالبت فيها بتأمين مركز إيواء طويل الأمد للمهاجرين في كاليه وغراند سانث، يمكن للجميع الوصول إليه والاستفادة من خدماته دون قيد أو شرط، خاصة خلال فترة فصل الشتاء. وشددت المنظمات في رسالتها على أن المهاجرين في كاليه وغراند سانث "يتعرضون لظروف معيشية مشينة، حيث يضطرون لمواجهة البرد القارس والنوم تحت المطر...".

محمد قال إنه قرأ عن الرسالة في وسائل الإعلام المحلية، "المشكلة هي أن السلطات غالبا ما تدافع عن نفسها بالقول إنها أمنت مراكز إيواء، لكنها في الحقيقة غير كافية ولا تلبي حاجات المهاجرين، فضلا عن أنها بالإجمال تستقبل أشخاصا يريدون أن يبصموا في فرنسا ويطلبوا اللجوء، وهذا ليس حال الأغلبية العظمى هنا، الذين بصموا بالفعل في بلد أوروبي آخر أثناء رحلتهم".

"عبور المانش خطر لكن ما باليد حيلة"

المهاجر الذي فضل عدم الكشف عن هويته، كان يعمل ضمن الإطار الأكاديمي في إحدى جامعات السودان، يريد إكمال دراساته العليا في مجال الدراسات الشرقية في بريطانيا. "للأسف في السودان الأفق أمامي محدود، فضلا عن المشاكل السياسية والاقتصادية. كنت محسوبا على أطر سياسية معارضة، وهذا سبب لي الكثير من المشاكل، فضلا عن التعرض للسجن بين الحين والآخر... لكن مع تشديد النظم حينها قبضته على الحياة العامة في البلاد، تعرضت للتهديد بالقتل، الرسالة كانت واضحة، أبقى وأقتل أو أخرج من البلاد، فهاجرت".

وحول الوصول إلى بريطانيا، أعرب محمد عن مخاوفه العميقة من عبور المانش، "حتى التسلل إلى إحدى الشاحنات لعبور النفق أمر خطير جدا، لكن ما باليد حيلة. المحاولة أشرف من البقاء بهذا الوضع. لن أعود إلى السودان، على الأقل حاليا، ولن أسمح بإعادتي إلى ليبيا، هدفي بريطانيا وسأحققه أو أموت وأنا أحاول. عبور المانش خطير جدا، لكن وفقا للنسب المئوية، فرصة النجاح كبيرة، لذا لماذا لا أحاول".

وختم محمد قائلا "معظمنا هنا لسنا مهاجرين اقتصاديين، نحن هاربون من ظلم وحروب ومخاطر هائلة. لا نريد أن نعيش عالة على شعوب هذه البلاد، نريد أن نعمل وأن نكون جزءا فاعلا من هذه المجتمعات. وإذا كان الفرنسيون لا يريدونا هنا، فليفتحوا الطريق أمامنا إلى بريطانيا، وليوقفوا هذه الدوامة اللامتناهية من العنف التي لن تولد سوى المزيد من الأحزان والغضب".

وختم بالقول "هذه الحياة تجعلني أنظر إلى مهربي البشر وكأنهم ملائكة مخلّصين، فرصة ذهبية للحصول على حياة حقيقية. إذا أرادت الدول مقاومة أنشطة هؤلاء التجار، فليفتحوا الممرات الآمنة ويسمحوا لنا بالمرور بحرية وأمان".

 

للمزيد

Webpack App