الشاب أنس، أثناء رحلته التي لم تنتهي بعد
الشاب أنس، أثناء رحلته التي لم تنتهي بعد

اعتقل أنس عام 2011 إثر مشاركته في المظاهرات السورية ومطالبته بالعدالة والحرية، خرج بعدها واضطر إلى مغادرة البلاد هربا من "تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية والمشاركة في القتل" وفق تعبيره. عمل الشاب لسنوات بهدف إخراج عائلته المحاصرة في مدينة دوما ونقلهم إلى تركيا، وخاض بعدها رحلة هجرة لا تزال مستمرة حتى الآن.

أثناء سنته الجامعية الثانية في اختصاص الالكترون، اعتقل النظام السوري الشاب أنس، بعد مشاركته في مظاهرات عام 2011. أطلق سراح الشاب بعد 15 يوما قرر بعدها التخلي عن جامعته والتوجه إلى لبنان. في نهاية عام 2011، وصل أنس إلى بيروت وقرر البقاء خارج سوريا لعدم رغبته في تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية والمشاركة في القتل. تلقى عرض عمل في الاسكندرية وبقي فيها لأشهر ومن ثم عاد إلى لبنان مرة ثانية، وطوال تلك المدة بقيت تدور في رأسه فكرة واحدة، هي إيجاد حل لإخراج عائلته من مدينة دوما المحاصرة ونقلهم إلى تركيا. روى أنس قصته لمهاجر نيوز وسرد تفاصيل طريق الهجرة الذي اتخذه ولم ينته إلى الآن.

اسمي أنس، لم أبلغ الثلاثين بعد، أنا مهاجر من سوريا. استطعت عام 2016 جمع مبلغ مالي كبير ودفعه لأطراف سورية عدة مقابل إخراج عائلتي من مدينة دوما التي عاشت تحت وطأة حصار عنيف جدا. أرسلتهم إلى تركيا حيث يقيم أحد إخوتي.

كان وضعي لا يزال جيدا في لبنان، وأتاح لي راتبي مساعدة عائلتي، حتى ساءت أوضاع الليرة اللبنانية واشتدت المضايقات على السوريين وبدأت المظاهرات.

المشكلة أن تركيا بدأت تنفيذ قرار عدم إعطاء تأشيرة دخول للسوريين، وكان لا بد لي من رؤية أمي قبل القيام بأي خطوة، لذا كنت في حاجة إلى مساعدة مهرب. 

بعد اتخاذي القرار بدأت الرحلة، تلك التي عبرت فيها الحدود ومررت خلالها بمدن لا تحصى وواجهتني مواقف ومشكلات واجتمعت بأشخاص كثر من جنسيات مختلفة، ومشيت الكثير من الأميال وعرفت طرقات جبلية وسهلية وساحلية وداخلية، منذ نهاية عام 2019 إلى اليوم.

العراق، إيران، تركيا 

خرجت من لبنان إلى أربيل العراقية على نحو شرعي، وصلت إلى مدينة السليمانية، في شهر كانون الثاني/يناير 2020، كنا نحاول عبور طرقات وعرة مشبعة بالثلوج وصولا إلى الحدود الإيرانية العراقية، لم نكن كثرا ولم ألتقي بسوريين حينها، مرت بنا ظروف صعبة حتى عبرنا إلى إيران ومنها إلى تركيا.

قابلتنا هناك الشرطة وكلابها، رأيت أشخاصا تبكي بأم عيني من شدة الرعب والتعب. عاد البعض لكنني قررت التحايل وإتمام المسير ونجحت في الوصول إلى قرية قريبة من الحدود التركية. نُقلت من هناك إلى منزل فيه 100 شخص ومدفأة حطب وصرت بعدها في إسطانبول، حيث التقيت بأخي، ورتبت أموري للقاء أمي.

كانت صدمة لا تُنس 

لم تكن تعلم أنني سآتي في ذلك اليوم، ما حصل يفوق قدرتي على الوصف، أستطيع القول إن أمي ربما آمنت أن رؤيتي ضرب محال في هذه الدنيا، فقد مرت ثماني سنوات ولم أصل إليها، لكنها رأتني فجأة ومن دون سابق إنذار واقفا أمامها لأسلم عليها وأطمأن أنها بخير. 

للمزيد>>> قصة عائلة لاجئة: هربوا من الموت في العراق فما كان مصيرهم في فرنسا؟

بقيت في تركيا مدة شهرين، طلبت مني أمي البقاء، حاولت في البداية لكن لم أستطع العمل لاسيما مع إجراءات الحظر الصحي التي فرضت في تركيا، عندها، قلت إن علي اتخاذ خطوة جديدة والتوجه إلى أوروبا، هناك أعمل وأكمل دراستي وأستقر وتكون رحلتي انتهت.

الطريق إلى أوروبا يبدأ بعبور إيفروس 

بداية شهر حزيران/تموز 2020 كنت أعبر نهر إيفوس في قارب مطاطي بصحبة عشرة أشخاص، غرابة الرحلة أنني لم أحتج إلى مهرب سوى لعبور النهر، وما بعد النهر حكاية أخرى جديدة، بدأتها وحدي. مررت بغابة كثيفة الأشجار، وعرة الطرقات ومخيفة، مشيت عقبها ومن معي في الجبال ومررنا بمدن عدة، كنت أحيانا بمفردي وأحيان أخرى ألتقي بأناس في الطريق ونمشي سويا، كوني أعرف قراءة الخرائط وأفهم الطريق جيدا، حتى وصلت إلى أثينا حيث أقمت عند صديق لمدة شهر وانطلقت بعدها باتجاه ألبانيا. 

كل دولة رحلة وفي كل مدينة مفاجأة جديدة .. ألبانيا 

هناك أشخاص يختارون الانطلاق من ألبانيا إلى صربيا، أنا أردت الوصول إلى البوسنة عبر الجبل الأسود مونتي نيغرو، المهم أنني قررت هذه المرة المشي وحيدا، بعد تجارب سيئة مع مجموعات عدة مشيت معها في رحلة اليونان.

 تراجعت بعد أن عرض علي بعض المغاربة الطعام مقابل المشي معي بما أنني أعرف الطرق ولدي في هاتفي تطبيق لتحديد الأماكن، وليست لدي نقود لشراء مزيد من الطعام.

نمنا في النهار ومشينا في الليل حتى افترقنا في كورشا.

نزلت إلى المدينة، غيرت ملابسي وتخلصت من الحقيبة متهيئا لصعود الباص وصولا إلى العاصمة. لم أعرف أين موقف الباص سألت شخصا في أحد الفنادق، وقرر مساعدتي بعد أن علم بقصتي. 

قدم لي غرفة ووجبة طعام وقال لي ماذا يجب فعله للوصول إلى تيرانا.

 ”إياك والتحدث إلى السائق أو السؤال عن التذكرة سيعرف أنك مهاجر، اسمع .. ادخل بشكل طبيعي وسيأتي هو إليك“. تلك كانت نصيحته التي أنقذتني وسرّعت وصولي إلى تيرانا ومنها إلى الجبل الأسود.

قطعت أميالا ولففت حول جبل كبير في رحلة استمرت ليوم حتى عبرت إلى الجبل الأسود، ووصلت بعدها إلى العاصمة في شهر أيلول/سيبتمبر.

47 كلم في ليلة واحدة 

تعرفت في محطة الباص على مجموعة جديدة من المغاربة، قررنا إكمال المسير سويا قالوا إنهم يعرفون الطريق، مشينا في ليلة واحدة 47 كيلومتر في الجبال، وقبيل دخولنا إلى البوسنة وجدنا مكانا مهجورا، بداخله صناديق فيها مشروبات كحولية من كل نوع، شربوا كثيرا يومها، كنت الوحيد المستيقظ بينهم.

عبرنا الحدود ومشينا أميالا حتى واجهتنا الشرطة البوسنية وضربتنا بقسوة، أخذوا ما معنا إلا هاتفي. عرفت بعدها أن أحد الأشخاص تكلم مع فتاة في الطريق وهي من أخبرت الشرطة، لم يتعد عليها، قال أريد ماءا وكان لديه ماء لكنه سكران وأنا أخطأت باختيار صحبتهم للعبور.

للمزيد>>> بطل ألمانيا للماراثون: أشعر بألم شديد لفقدان الاتصال بعائلتي في إثيوبيا

قررنا بعد ساعات إعادة المحاولة، وقابلتنا الشرطة مرة أخرى، حينها هربت من المجموعة وأكملت المسير وحدي وصولا إلى مدينة ستولاك ومنها إلى مدينة ثانية، وأنا لا أملك سوى هاتفي.

التقيت لحسن الحظ بشخص قال إنه سيذهب إلى سراييفو، دفع لي ثمن تذكرة وعندما وصلنا أقمنا في مخيم بالقرب من منطقة إليجا.

"آمنوا بقدرتي في معرفة الخرائط والمسير وقرروا أن يذهبوا معي إلى كرواتيا"

تعرفت في المخيم على شبان من بنغلادش، آمنوا بقدرتي في معرفة الخرائط والمسير وقرروا الذهاب معي إلى كرواتيا، قالوا إنهم سيؤمنون لي ما أحتاجه. حددت النقاط وحبكت الخطة وكان البرد على وشك الحلول، فنحن في بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر.

وصلنا إلى كلادوشا الحدودية، ولكن لم يسمح لنا الإقامة في المخيم، لذا نصبنا خيمة وانتظرنا اللحظة المناسبة. حاولنا العبور إلى كرواتيا أكثر من مرة ولم نستطع أو كانت تتم إعادتنا، كنت أعرف التعامل مع الشرطة الكرواتية فلم نتعرض للضرب.

في أحد أيام شهر تشرين الأول/أكتوبر، نجحت إحدى محاولات العبور. كانت الخطة أن ندخل إلى بلدة سلانج ومن هناك نتوجه إلى زغاريب.

للمزيد>>> ضحية جديدة لحلم الهجرة.. طفل سوداني مشرد في شوارع بني غشير الليبية

افترقنا في في سلانج كي أقطع التذاكر من دون إثارة شبهة، بعد وصولنا وإتمام المهمة، علمنا أن لا حافلات إلى زغرب، كان علينا قضاء الليل بعيدا من أعين الشرطة. 

وجدنا ملجأ صغيرا أقمنا فيه إلى أن حل الصباح. توجهنا إلى محطة الباص باكرا، وهناك منعنا شرطي من إكمال الطريق وأعادنا إلى البوسنة. قبض علينا عن طريق الصدفة، فنحن لم نلتزم بحظر التجول المفروض بسب كورونا، لم نعرف أي شيء عن الحظر أو عن أخبار كورونا.

لا بد من خطة جديدة

عدت إلى البوسنة من دون هاتف، لكن مع خطة جديدة كما في كل مرة. اقترحت على أصدقائي من بنغلادش نسيان موضوع كرواتيا، فالبرد يجعل العبور إلى صربيا مستحيلا. قالوا ”لابد من مهرب“ فقلت إني أعرف الطريق ولكن أحتاج إلى هاتف وبعض الحاجات. 

عدنا إلى سراييفو، فالانطلاقة من هناك، ومن ثم نجحنا في الدخول إلى صربيا ثم إلى بلغراد، لم نمش كثيرا. توجهنا بعدها إلى سوبوتيكا حيث يوجد مخيم يمكننا الإقامة فيه، لم يسمح لنا بداية ولكن مدير المخيم اعتاد رؤيتي وأنا أساعد في العمل هناك. قرر إبقائي في المخيم وأن تكون لي بطاقة تتيح لي الإقامة وتناول الوجبات.

مر على وجودي هنا أكثر من شهر، لا أزال أرسم خرائط جديدة وأسمع قصص لأفهم كيف أتصرف وانتظر اللحظة المناسبة للاتجاه إلى رومانيا ومن ثم إلى هنغاريا وصولا إلى النمسا. لن أقول بقية الخطة ففي النمسا ستبدأ رحلة من نوع آخر حتى أصل إلى وجهتي.

صحيح أن رحلتي لم تنته بعد، لكنها ستتم في يوم ما، وسأبدأ حياة جديدة آمل أن تكون مستقرة.

 

للمزيد