الطبيب الألماني غيرهارد ترابرت يعالج مهاجرا في بلدة فيليكا كلادوشا البوسنية في ينايرم كانون الثاني 2021
الطبيب الألماني غيرهارد ترابرت يعالج مهاجرا في بلدة فيليكا كلادوشا البوسنية في ينايرم كانون الثاني 2021

بعد التقارير التي شاهدها وقرأها عن مأساة المهاجرين العالقين في شمال البوسنة، قرر طبيب ألماني التطوع والذهاب مع فريقه إلى هناك لتقديم المساعدة الطبية لهم. بعد عودته تحدث لمهاجر نيوز عن رحلته وعن الأوضاع المأساوية ومعاناة المهاجرين الذين التقاهم وعالجهم هناك.

على مدار العشرين عاما الماضية، قام غيرهارد ترابرت بما لا يقل عن 34 مهمة مساعدة طبية خارج ألمانيا في بلدان ونقاط ساخنة، بما في ذلك أفغانستان وسوريا وإثيوبيا وسريلانكا وإندونيسيا وجزيرة ليسبوس اليونانية.

في عام 1998، أسس الطبيب الألماني منظمة "الفقر والصحة في ألمانيا/ Armut und Gesundheit in Deutschland" الخيرية، والتي تقوم بالبحث عن الأشخاص المشردين لتمكينهم من الحصول على الرعاية الصحية. تقديراً لإنجازاته وخدماته، حصل ترابرت على وسام الاستحقاق الألماني في عام 2004 وحصل على لقب أستاذ العام سنة 2020، وجوائز أخرى.

الطبيب المتطوع الألماني غيرهارد ترابرت في البوسنة
الطبيب المتطوع الألماني غيرهارد ترابرت في البوسنة

قادته آخر مهمة تطوعية إلى شمال غرب البوسنة والهرسك، حيث أصبحت الظروف المعيشية لما يناهز 1500 مهاجر تقطعت بهم السبل في منطقة أونا سانا بائسة وخطيرة. فمنذ أشهر، يقيمون هناك دون الحصول على أبسط ضروريات الحياة الإنسانية.

ورغم من عدم حصوله على تصريح رسمي لتقديم الرعاية الطبية، تمكن ترابرت وفريقه من علاج حوالي 170 شخصًا في بيهاتش، المركز الإداري لمقاطعة أونا سانا، والعديد من النقاط الساخنة الأخرى في المنطقة على مدار ثمانية أيام.

بعد ثلاثة أيام من عودته من البوسنة، التقى مهاجر نيوز الطبيب الألماني غيرهارد ترابرت (64 عاما)، وتحدث معه عن تجربته وأوضاع المهاجرين وطالبي اللجوء الذين قدم لهم يد المساعدة، حيث أكد أن "رؤية الناس يعيشون في حالة خراب دون الحصول على الطعام والماء والرعاية الطبية في درجات حرارة متجمدة في بطانيات رثة، يجعلك حزينا وغاضبا لأن هذه الظروف غير مقبولة وأوروبا تفشل في التحرك".

وقال "على بعد عشر ساعات فقط من منزلي بالسيارة، شعرت وكأنني في عالم آخر". واحتج الطبيب الألماني على أوضاع المهاجرين الصعبة بالقول "بينما تتم مناقشة تدابير الحماية ضد فيروس كورونا في ألمانيا، لا يتوفر المهاجرون واللاجئون في البوسنة على أبسط شروط الحياة الإنسانية. وبينما يشتكي الناس من عدم قدرتهم على الذهاب للتزلج هذا الشتاء بسبب الحجر، يعيش المهاجرون في أكواخ باردة ورطبة مليئة بالثلج والطين".

عضو في فريق ترابرت الطبي يضع ضمادة على ساق مهاجر في عيادة متنقلة لمنظمة "الفقر والصحة في ألمانيا"
عضو في فريق ترابرت الطبي يضع ضمادة على ساق مهاجر في عيادة متنقلة لمنظمة "الفقر والصحة في ألمانيا"

قرار التطوع

"لقد كان قرارا عفويا، بعد مشاهدة تقارير إعلامية عن وضع المهاجرين هناك، سافرنا بعيادتين متنقلتين بعدما تواصلنا مع المنظمة البوسنية الشريكة لنا SOS Bihać مسبقا، وحاولنا الحصول على تصريح لكن اتضح أنه لم يعد بإمكاننا الانتظار ويجب أن نتحرك" يقول ترابرت. بعد الانتظار على الحدود الكرواتية البوسنية لمدة ست ساعات، سُمح للفريق بالعبور، ولكن بدون مركبات. وبعد بضع ساعات، قيل لهم إنهم لا يستطيعون الذهاب إلى أي مكان بسبب حظر التجول في البوسنة. في اليوم التالي، "استغرق الأمر خمس ساعات أخرى لدخول البوسنة بسياراتنا والوصول إلى بيهاتش"، يقول الطبيب الألماني.

مهاجرون يتجمعون حول النار داخل مبنى مهجور في بيهاتش لتدفئة أنفسهم. البوسنة في يناير/ كانون الثاني 2021.
مهاجرون يتجمعون حول النار داخل مبنى مهجور في بيهاتش لتدفئة أنفسهم. البوسنة في يناير/ كانون الثاني 2021.

بفريق مكون من خمسة أفراد (ممرضتين وأخصائيين اجتماعيين وطبيب)، ومحملين بمواد طبية مناسبة وعالية الجودة، وأكياس النوم التي يمكن استخدامها حتى في طقس تصل درجة الحرارة فيه إلى 15 درجة مئوية تحت الصفر، إضافة إلى عدة أمور أساسية أخرى، توجه الطبيب وفريقه إلى حيث يجتمع المهاجرون.

"يعاني حوالي واحد من كل ثلاثة أشخاص من نوع ما من الإصابات التي تتطلب عناية طبية، عالجنا الكثير من حالات الجرب الذي يتسبب في دخول البكتيريا إلى الجرح من خلال الحكة. لحسن الحظ، أننا أخذنا معنا مرهما خاصا وأدوية لعلاج الجرب لم تكن متوفرة في الصيدليات المحلية". كما وجد الفريق الطبي بعضا من المهاجرين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي ومشاكل في الجهاز الهضمي مثل التهاب المعدة بسبب البرد وظروف معيشتهم القاسية. 

الطبيب الألماني غيرهارد ترابرت يعالج مهاجرا في شمال غرب البوسنة في يناير/ كانون الثاني 2021.
الطبيب الألماني غيرهارد ترابرت يعالج مهاجرا في شمال غرب البوسنة في يناير/ كانون الثاني 2021.

يقول الطبيب الألماني لمهاجر نيوز "لقد لاحظنا وجود احتجاجات من قبل السكان المحليين، لكن هؤلاء البوسنيين المحتجين ليسوا ضد اللاجئين والمهاجرين، بل ضد تجمعات المهاجرين في مخيمات غير قانونية". ويدعو المحتجون إلى استيعاب المهاجرين وإعالتهم بدلاً من تركهم يعيشون في بيهاتش بالمئات، لكن يبدو أن لا أحد في الجانب البوسني يشعر بهذه المسؤولية.

وعن البلدان التي قدم منها المهاجرون يقول ترابرت "يحتل السوريون المرتبة الأولى بين المهاجرين هناك، يليهم الأفغان والباكستانيون والبنغلاديشيون وأشخاص من دول شمال إفريقيا مثل المغرب والجزائر". وأكد أن ذلك يؤدي إلى حصول "مواجهات عنيفة أحيانا بين المهاجرين من مختلف الجنسيات، فقد عالجنا جروح طعنات أصيب بها مهاجرون مغاربة وجزائريون، أخبرونا أنهم لا يستطيعون الاحتكاك مع مجموعات مهاجرين من بلدان أخرى دون طردهم".

وتحدث الطبيب غيرهارد ترابرت عن معاناة العديد من المهاجرين من صدمات نفسية متفاوتة الخطورة، بسبب ما عايشوه سابقا في بلدانهم، إضافة لما يعيشونه اليوم من تهميش وظروف قاسية، مشددا على أن الأطفال الصغار أيضا كانوا من بين الحالات التي تظهر عليها أعراض الانعزال والاكتئاب.

ويعاني المهاجرون في غابات البوسنة من مخاطر أكثر حدة، تتعلق بـ "وجود دببة وذئاب في الغابة في منطقة أونا سانا، هاجمت وقتلت المهاجرين في الماضي، بالإضافة إلى العديد من الكلاب البرية التي عضت الكثيرين منهم. لقد عالجنا شخصا مصابا بجروح عضه كلب، وهو أمر خطير للغاية بسبب نوع معين من الجراثيم في ذلك الجرح. إذا لم يتم علاج هذا الجرح بالمضادات الحيوية، فإن حياته تصبح في خطر". 

ويشير ترابرت إلى خطورة الوضع في المنطقة ومأساة المهاجرين بالقول "إذا نظرت إلى الظروف المعيشية بالإضافة إلى أمراض هؤلاء الأشخاص وأمراضهم بقليل من الفطرة السليمة، فأنا متأكد أن أناسا قد ماتوا هنا".

لماذا يختار المهاجرون العيش خارج مخيم ليبا؟

يبحث المهاجرون عن فرص للعيش في أماكن أخرى خارج مخيم ليبا مثل بيهاتش، حيث يمكنهم الحصول على المساعدة أو كسب بعض المال من خلال العمل في مكان ما. يسكنون المصانع القديمة، أو أنقاض دار رعاية المسنين أوما يسمى بمخيم الغابة في فيليكا كلادوشا. "يحاول الناس إيجاد مساحة حرة لهم على الرغم من كل أوجه الحرمان الأخرى التي يعانونها داخلها"، حسب قول الطبيب.

وخلال حديثه مع مهاجر نيوز دعا الطبيب الألماني غيرهارد ترابرت إلى إجلاء جميع المهاجرين من هذه الأماكن الخطرة على حياتهم، وتوزيعهم على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وقال إن "هذا ممكن، نستطيع تحقيق ذلك ويجب أن يحدث. إن ظروفهم المعيشية لا تمت لحقوق الإنسان بصلة". وأشار إلى أن "هناك ميول نحو الأفكار اليمينية في جميع أنحاء أوروبا، نحو أفكار القومية والعنصرية، وهو ما أراه طاغيا في النقاش المرتبط بالمهاجرين. يجب أن نتخذ موقفا، ويجب على ألمانيا أن تقود الطريق إلى ذلك". كما دعا الطبيب الألماني الاتحاد الأوروبي والبوسنة إلى إيضاح مصير الأموال التي تتلقاها الدول من أجل مساعدة هذه الفئة من المهاجرين.

بنيامين باثكه/ ترجمة: ماجدة بوعزة

 

للمزيد