آثار عبور مهاجرين، منطقة مونجينيف الفرنسية. المصدر: مهاجر نيوز/مهدي شبيل
آثار عبور مهاجرين، منطقة مونجينيف الفرنسية. المصدر: مهاجر نيوز/مهدي شبيل

من أولكس oulx الإيطالية في تورينو Torino، ثم مونجينيف Montgenèvre الفرنسية وصولا إلى بريانسون Briançon، حيث جمعية ”ريفوج سوليدير Refuge solidaire“ التي تتولى أمور المهاجرين، طريق عبره مصطفى وأصدقاؤه، حالهم كحال العديد من المهاجرين لاسيما منذ بداية عام 2019. لماذا يختار المهاجرون هذا الطريق؟ وكيف تبدأ رحلتهم وأين تنتهي؟ أسئلة أجاب عنها فريق مهاجر نيوز، الذي زار المنطقة وتحدث مع المهاجرين والناشطين هناك.

في بلدة أولكس الإيطالية oulx، وتحديدا في غرفة داخل بناء "لا كازا دي كانتونييرا la casa cantoniera" الذي استحوذ عليه متطوعون إنسانيون، يجلس مصطفى (30 عاما)، المتحدر من مكناس المغربية، وسط مجموعة من الشبان المغاربيين والتونسيين والجزائريين. 

يستمع الشاب الأسمر قليل الكلام، إلى أحاديث من حوله مع فريق مهاجر نيوز، الذي زار المكان السبت 5 شباط/فبراير، للقاء المهاجرين ومعرفة تفاصيل الطريق الجبلي، انطلاقا من بلدة أولكس الإيطالية إلى مونجينيف الفرنسية ومن ثم بريانسون. 

12 شابا، داخل الغرفة العتيقة والمختنقة بروائح الدخان وآمال المهاجرين بالوصول إلى مستقر، قالوا إنهم سيعبرون في الأيام القليلة القادمة، نطق مصطفى "بالنسبة لي ربما سأعبر الجبل اليوم". 

لا كازا كونتونيرا، في أولكس الإيطالية، حيث يقيم مهاجرون لبضعة أيام قبيل عبور الحدود الإيطالية الفرنسية. المصدر:مهاجر نيوز/كندة يوسف
لا كازا كونتونيرا، في أولكس الإيطالية، حيث يقيم مهاجرون لبضعة أيام قبيل عبور الحدود الإيطالية الفرنسية. المصدر:مهاجر نيوز/كندة يوسف


لا يقيم في بناء "لا كازا" المغاربيون فقط، هناك مهاجرون من أفغانستان وإيران وإفريقيا الوسطى، وتوجد إلى جانب "لا كازا" جمعية مرخصة تدعى "ريفوج Refuge" تساعد المهاجرين في المنطقة. 

غالبا ما يقيم المهاجرون الواصلون إلى أولكس، في هذين المكانين قبيل عبور الجبل باتجاه فرنسا، بعضهم قدم من سلوفينيا بعد اجتياز طريق البلقان، فيما قلائل أتوا من جنوب إيطاليا، بحسب ما توضح سيلفيا ماسارا، متطوعة في جمعية ”ريفوج“.

”تأسست الجمعية لمساعدة المهاجرين في البلدة باعتبارها منطقة حدودية. بعد فترة استحوذ بعض المتطوعين العاملين فيها، على بناء ‘لا كازا كونتونييرا’ القديم لمساعدة المهاجرين أيضا“. 

ومن ضمن ما تقدمه الجمعية، مساحة ينام فيها المهاجرون، وطعاما وشرابا بالإضافة إلى ملابس مناسبة لعبور الجبال. تقول سيلفا ”إن عملنا إنساني، نحن لا نساعد المهاجرين على العبور ولا نعرف الطرق التي سيسلكون، لكننا نحاول تجنب حدوث مآساة … نوزّع الأحذية والقفازات والملابس الدافئة، نحن مهتمون بسلامتهم فقط“.



سيلفيا ماسارا ، متطوعة إيطالية في جمعية "ريفوج" في أولكس الإيطالية، تعرض سترات تعطى لمهاجرين قبل مواصلة رحلتهم. المصدر: مهاجر نيوز/مهدي شبيل
سيلفيا ماسارا ، متطوعة إيطالية في جمعية "ريفوج" في أولكس الإيطالية، تعرض سترات تعطى لمهاجرين قبل مواصلة رحلتهم. المصدر: مهاجر نيوز/مهدي شبيل


عبور الجبل محفوف بالمخاطر

في السابعة من مساء اليوم نفسه 5 شباط/فبراير، ترجّل مصطفى وأربعة أصدقاء، من حافلة أوصلتهم إلى مكان قرب الحدود الإيطالية. بدأ الشبان المغاربة بالالتفاف نحو الطريق الجبلي صعودا، وعلى الرغم من ارتدائهم ملابس مناسبة، وتحميل تطبيق خرائط تعمل من دون الحاجة إلى اتصال ”انترنت فضائي“، إلا أنهم معرضون أثناء عبورهم لمصاعب جمة، إن واجهتهم فستعوق وصولهم وربما تتسبب بموتهم.

وفق منظمة أطباء العالم ”Medecins du monde“ وجمعية ”كل المهاجرين Tous migrants“ اللتان تعملان سويا في الشطر الفرنسي، فإن المهاجرين معرضين للتجفاف وانخفاض حرارة الجسم وتجلد الأطراف، ما يؤدي إلى بترها في بعض الحالات، وقد يموتون أحيانا من شدة البرد وتراكم الثلج. 

مصطفى وأصدقائه في منطقة الألب الفرنسية. المصدر: مهاجر نيوز/مهدي شبيل
مصطفى وأصدقائه في منطقة الألب الفرنسية. المصدر: مهاجر نيوز/مهدي شبيل


وتضيف باكريت فوريست من جمعية ”كل المهاجرين“، أن موتهم أحيانا يكون نتيجة مرورهم بمنطقة انهيارات ثلجية، أوانزلاقات أو طرق وعرة. موضحة ”يعتمد المهاجرون أحيانا على طرق عبرها أصدقاءهم ومعارفهم في فصل الصيف أو الربيع، وفي هذه الحالة من الممكن أن يضلوا الطريق أو يقعوا ضحايا الانهيارات الثلجية، إذ إن نقاط السير على خرائط شبكة الانترنت ونقاط الـGPS متغيرة وفق حالة الطقس“.

ويشرح ألفريد سيرا من منظمة "طباء العالم" أن العبور من دون ملابس مناسبة أمر مستحيل، ”وصلتنا قبل حالات تجلد من شدة البرد، اضطر أصحابها إلى بتر أطرافهم“. ويحكي عن مهاجرين حاولوا العبور باستخدام أحذية رياضية عادية و"لم ينته الأمر على نحو جيد". 

لا تنتهي رحلة العبور بالوصول إلى الطرف الفرنسي 

بعد نحو 45 دقيقة من المشي المتواصل، عبر مصطفى وأصدقاؤه الحدود، وأصبحوا في منطقة مونجينيف Montgenèvre الفرنسية. هم يشعرون بارتياح وقلق في آن، إذ عليهم إكمال المسير وصولا إلى بريانسون Briançon. 

البرد شديد، تنغرس أقدامهم وسط حقول الثلج الجبلية فيغطيها الثلج بالكامل، يقعون أحيانا، ولكنهم يستمرون في المشي وفق ما تمليه الخريطة عليهم. ورغم قلقهم من التيه أكملوا سيرهم حتى لاح خيال شخص في الأفق الضبابي.

كثيرا ما يضل المهاجرون طريقهم بعد عبور الحدود الإيطالية وبهذا يبقى خطر الموت، وهو ما تعمل جمعية "كل المهاجرين" على تفاديه. تقدم الجمعية العون للمهاجرين أعلى الجبل، من خلال دوريات يومية يقوم بها متطوعون للبحث عن مهاجرين واصلين أو تائهين وإيصالهم إلى بريانسون بالتنسيق مع منظمة ”أطباء العالم“ وفق باكريت فوريست. مشيرة إلى وجود دوريات صباحية، وأخرى ليلية، تشمل كل واحدة فرق عدة تسير في الجبال للبحث عن مهاجرين.

ويضيف ويل أحد المتطوعين أن أحد مهام ”الدوريات“ هو مراقبة سيارات حرس الحدود الفرنسي، والشرطة التي تحاوط الجبل وتجول في شوارع مونجينيف، لاصطياد المهاجرين ولتغريم أعضاء الجمعية.

عمليات الصد القسري موجودة بين الحدود الإيطالية والفرنسية 

يسير مصطفى وأصدقاؤه بصعوبة وراء إحدى المتطوعات في جمعية ”كل المهاجرين“، كانت وجدتهم بعد عبورهم الحدود، فأخمدت قلقهم من الطريق. 

ومع ذلك، لا يزال الخوف من حرس الحدود يحاوط المهاجرين، تراهم يقفون كتماثيل فجأة من دون أي صوت و ينحنون أحيانا أخرى باتجاه الأرض، متخفين من أعين الحرس.

مصطفى وأصدقائه يسيرون بصعوبة وراء متطوعة جمعية "كل المهاجرين" في منطقة مونجينيف الفرنسية. المصدر:مهاجر نيوز/مهدي شبيل
مصطفى وأصدقائه يسيرون بصعوبة وراء متطوعة جمعية "كل المهاجرين" في منطقة مونجينيف الفرنسية. المصدر:مهاجر نيوز/مهدي شبيل


اضطر مصطفى ومن معه للتوقف تحت شجرة نبتت وسط الثلج، مدة ساعة تقريبا، فلا مجال أمام سيارة ”أطباء العالم“ من انتظارهم في المكان الذي حددته المتطوعة. يجلسون منتظرين، خاضعين لصقيع الموقف والطقس، تعلو أبواق سيارات الشرطة، وتبرز أضواؤها البعيدة وهم مازالوا في مكانهم.

يبحث حرس الحدود الفرنسي باستمرار عن مهاجرين عابرين، وفي حال وجدوا أحدا، ساقوه إلى مبنى صغير مسبق الصنع بالقرب من مقرهم، واتصلوا بعدها بالشرطة الإيطالية لتعيدهم إلى أولكس. 

للمزيد>>> السلطات الفرنسية تواصل عمليات الإعادة القسرية للمهاجرين على الحدود الإيطالية

كما توزع شرطة الحدود على المهاجرين الذين قبضت عليهم أمر ”وجوب مغادرة الأراضي الفرنسية OQTF“ بالإضافة أحيانا إلى أمر ”حظر الدخول إلى الأراضي الفرنسية IRTF“، كل هذا في 5 ساعات فقط، وفق باكريت فوريست، مضيفة أن عمليات الإعادة تجري من دون استثناء، فحتى إذا قال المهاجرون إنهم يريدون طلب اللجوء في فرنسا مثلا، "لن تصغي الشرطة إليهم وفي هذا انتهاك لحق اللجوء".

 وتكمل فورست أن "بعض رجال الشرطة يهينون المهاجرين وهناك حالات مزقوا فيها أوراقا ثبوتية وشهادات ميلاد". 

بالنسبة إلى فورست، فدوريات الشرطة وحرس الحدود، مستمرة وأعدادها بازدياد وهنالك عناصر مسلحة، « Sentinelle »، موضحة أن لحرس الحدود سلطة على كامل المنطقة، إذ إنهم مهيئون لوجستيا على نحو جيد جدا. وتنهي بأن "عمليات الإعادة غير مجدية فالمهاجرون سيعيدون الكرة وسيعبرون وسيواجهون الخطر من جديد". 

وتأكيدا على الأمر يقول فيليب من منظمة ”أطباء العالم“، أنه في نهاية شهر ديسيمبر/كانون الثاني، نقل عشرة مهاجرين أفغان إلى مقر شرطة الحدود، وكانت امراة أفغانية تبلغ 80 عاما من بينهم، قالت إنها ليست على ما يرام لكن الشرطة لم تسمح له بالاقتراب منها.

ويكمل "أعيدت السيدة إلى إيطاليا في تلك الليلة، لكنها عبرت والمجموعة مرة ثانية بعد أيام، والتقيت بها في ‘ملجأ التضامن’. أخبرتنا أنها عبرت جبال الألب بعكازها مرتين، تأثرت كثيرا، لم أرَ شخصا في هذا السن، يعبر الجبل".

لماذا بريانسون؟

بعد رحلة دامت نحو 5 ساعات في الجبل، صعد مصطفى ورفاقه سيارة ”منظمة أطباء العالم“ سالمين من الأذى، أوصلتهم إلى بلدة بريانسون المجاورة. 

يعود سبب السعي إلى بريانسون عبر غالبية المسالك الجبلية، إلى أمرين، الأول وجود جمعية ”ملجأ التضامن Refuge solidaire“ التي تتولى استقبال المهاجرين الواصلين، وتقديم الطعام ومساحة للمبيت، ريثما يغادرون باتجاه مدن أخرى. والثاني هو وجود محطة قطار بريانسون ”Gare de briancon“.

المهاجر مصطفى يشير إلى سيارة الشرطة أسفل الجبل في منطقة مونجينيف. المصدر:مهاجر نيوز/مهدي شبيل
المهاجر مصطفى يشير إلى سيارة الشرطة أسفل الجبل في منطقة مونجينيف. المصدر:مهاجر نيوز/مهدي شبيل
المهاجرون ينتظرون تحت شجرة في الجبال. المصدر:مهاجر نيوز/مهدي شبيل
المهاجرون ينتظرون تحت شجرة في الجبال. المصدر:مهاجر نيوز/مهدي شبيل
جمعية "ملجأ التضامن" في بريانسون، حيث يقيم المهاجرون الواصلون من إيطاليا. المصدر:مهاجر نيوز/كندة يوسف
جمعية "ملجأ التضامن" في بريانسون، حيث يقيم المهاجرون الواصلون من إيطاليا. المصدر:مهاجر نيوز/كندة يوسف
عناصر شرطة في محطة قطار بريانسون. المصدر: مهاجر نيوز/شارلوت بواتيو
عناصر شرطة في محطة قطار بريانسون. المصدر: مهاجر نيوز/شارلوت بواتيو


وبهذا تعد بريانسون، نقطة عبور إما باتجاه مدن فرنسية أخرى ”بالنسبة إلى المهاجرين القادمين من وسط وشمال إفريقيا“، أو إلى ألمانيا ”بالنسبة إلى غالبية المهاجرين الأفغان“، أو إلى إنكلترا ”بالنسبة إلى المهاجرين القادمين من إيران“. وفق كاثرين كليمانصو Catherine Clémenceau، إحدى المتطوعات في جمعية "ملجأ التضامن". 

وأشارت إلى أنه قبل عام 2020، قدم غالبية المهاجرين من شمال ووسط إفريقيا، وكانوا شبانا عازبين، ويشكل القاصرون غير المصحوبين 40% منهم.

ولكن منذ بداية عام 2020 ومع تشديد الرقابة على المعابر الحدودية جنوب إيطاليا، في منطقة فنتميليا Ventimiglia، وطريق ”وادي رويا vallée de la Roya“، وصعوبة المرور عبر طريق ”كول دوشيل col de l’Echelle" على ارتفاع 1112 متر، بدأت تصل إليهم عائلات أفغانية وإيرانية، نساء حوامل وقاصرون وأطفال ورضع وشيوخ يبلغ بعضهم 80 عاما، قادمون غالبا من سلوفينا، فشمال إيطاليا ومن ثم تورينو فأولكس، عبورا بمونجينيف وصولا إلى بريانسون، مضيفة أن هناك مهاجرين يصلون إلى بريانسون عبر طريق col de bousson ”مرتفع بوسون“.

للمزيد>>> المهاجرون على الحدود الفرنسية الإيطالية: "غموض" في أماكن احتجاز "تفلت من الرقابة القضائية"

وتشير المتطوعة ”كان الوضع مقلقا بالنسبة لنا، لم نعرف كيف سنعتني بالأطفال والرضع وحتى الكبار بالعمر إذ لم يكن المكان مهيئاً لذلك“. فيما يستمر العبور اليومي للمهاجرين.

واستقبلت الجمعية عام 2020 نحو 1000 أفغاني و500 إيراني و 270 شمال أفريقي و60 غينيا و 60 غامبيا، ولم تصدر الجمعية أرقاما تحدد الذين استقبلتهم وتزيد أعمارهم عن 60 عاما.

لن تبقى في مأمن حتى تغادر بريانسون 

استيقظ مصطفى باكرا، توجه من غرفته التي تشاركها مع شبان آخرين، إلى غرفة واسعة هي غرفة الاستقبال في الجمعية، تتوسطها طاولة كبيرة، إلى جانبها، آلة قهوة وأواني وبعض الكعك. أخرج مصطفى تذكرة القطار إلى مدينة باريس، سينطلق بعد ساعة إلى هناك. 

لا تستطيع الشرطة الدخول إلى مقر جمعية ”مجلأ التضامن“ لكن بإمكانها القبض على أي مهاجر حتى في بريانسون، ذلك وفق قانون 10 كيلو متر، وهي المساحة التي تسمح لحرس الحدود القبض على مهاجرين وإعادتهم، وتبدأ مسافة 10كيلو متر، من مقر حرس الحدود حتى محطة قطار بريانسون، وفق باكريت فوريست. 

يشعر مصطفى بقلق خفيف، فأحد الأصدقاء أخبره أن هناك عناصر شرطة يتجولون داخل المحطة، ويوقفون أي شخص يشكون بأمره. 

عند العاشرة إلا ربع، انطلق قطار مصطفى، واستطاع استغفال الشرطة. ووصل بعد ساعات إلى العاصمة الفرنسية، حيث سيقيم عند صديق له ريثما يرتب أموره.

المهاجر مصطفى بعد ركوب القطار. المصدر:مهاجر نيوز/كنده يوسف
المهاجر مصطفى بعد ركوب القطار. المصدر:مهاجر نيوز/كنده يوسف

يقول إنه وصل إلى وجهته بعد رحلة دامت سنتين، "لم آتِ لإثارة المشاكل، كل ما أريده هو العمل ومساعدة أهلي وعيش حياة كريمة لم أستطع تحقيقها في بلادي".

 

للمزيد