أرشيف
أرشيف

انتشرت قصص معاناة المهاجرين في ليبيا بشكل كبير على مدى السنوات الماضية، ونقلت صورا مرعبة عما يقاسيه هؤلاء هناك في مراكز الاحتجاز. رحلة المهاجرين عبر ليبيا تمر بعدة مراحل، تتسم كل منها بتفاصيل مأساوية مختلفة عن التي سبقتها. مهاجر نيوز تمكن من التواصل مع مصدر في ليبيا، مطلع على آليات وتفاصيل عمليات تهريب ونقل المهاجرين داخل ليبيا قبل وضعهم على متن قوارب متجهة إلى أوروبا. فيما يلي نسرد جزءا من تلك الرحلة بتفاصيل لم نكن قد أتينا على ذكرها في وقت سابق.

ارتفعت وتيرة أنشطة شبكات التهريب في ليبيا مستفيدة من الحرب الدائرة في البلاد، والتي أتاحت لها حرية العمل خاصة على الشواطئ المطلة على المتوسط. قوارب المهاجرين لم تتوقف عن الانطلاق من الساحل الليبي باتجاه أوروبا، تماما كدعوات المنظمات الإنسانية والإغاثية الأممية والدولية لعدم اعتبار ليبيا ميناء آمنا، وبالتالي عدم إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في المتوسط من قبل خفر السواحل إليها.

مهاجرون في مدينة بنغازي الليبية. رويترز
مهاجرون في مدينة بنغازي الليبية. رويترز


أنشطة تلك الشبكات تتوزع داخل ليبيا بين المناطقية والإقليمية والوطنية، حتى أنها في بعض الأحيان تتخذ طابعا دوليا، مع تنسيق بين تلك الشبكات ونظيراتها في أماكن أخرى في العالم.

مهاجر نيوز تمكن من التواصل مع مصدر في ليبيا، نتحفظ عن ذكر أي شيء يتعلق بهويته حفاظا على سلامته، مطلع على سير عمل إحدى تلك الشبكات، أدلى بالكثير من التفاصيل المدعمة بالوثائق والفيديوهات والتسجيلات الصوتية، تفند عمل تلك الشبكة وأنشطتها.

في هذا المقال، سنتطرق إلى تفاصيل الأحداث التي يمر بها المهاجرون من لحظة دخولهم الأراضي الليبية إلى أن يصلوا إلى مخابئ المهربين بانتظار موعد انطلاق زورقهم باتجاه أوروبا. المصدر زودنا بمواقع ومدن وطرق يمر بها المهاجرون، إضافة إلى أسماء أشخاص مسؤولين عن تلك العمليات.

للقادمين من السودان.. ما هو دور الجنجويد؟

تحدث المصدر عن مدخلين رئيسيين للمهاجرين إلى ليبيا، الكُفرة للقادمين من السودان وسَبها للقادمين من تشاد.

للمزيد>>> الجنجاويد السودانية.. جهاز لضبط الحدود أم عصابة لتهريب المهاجرين؟

في الكُفرة يتم إيصال المهاجرين، القادمين بمعظمهم من السودان، إلى عدد من المزارع المعروفة هناك (لن نذكر اسمها حاليا)، حيث تبدأ عملية "السمسرة" على المهاجرين. في بعض تلك المزارع، يصل عدد المهاجرين إلى أكثر من 200، يقيمون في ظروف مزرية جدا.

تبدأ الرحلة لهؤلاء المهاجرين من منطقة في أم درمان في السودان اسمها "سوق ليبيا". عربات دفع رباعي تابعة لقوات التدخل السريع السودانية، أو ما يعرف بالجنجويد، تنقلهم إلى منطقة حدودية اسمها جبل العوينات، بين مصر وليبيا والسودان. يتلقفهم أفراد من قبائل التبو يأخذونهم مباشرة إلى مدينة الكُفرة، وهناك يبدأ البيع.


يطلق هؤلاء ومن يحضرون عملية البيع على المهاجرين اسم "البضاعة". بعض المهاجرين يتم شراؤهم من قبل مسلحين من ميليشيات الشرق الليبي، يأخذونهم إلى منطقة "نسمة" حيث يخضعون لعملية بيع ثانية، ليتم أخذهم مرة أخرى و"تخزينهم" في مجمعات كبيرة تتسع لـ200 أو 300 شخص. ويقسّم تجار البشر المستوعبات حسب الجنسيات، فلكل جنسية آلية تعامل وسعر. وحول هذا الموضوع، سيتم التطرق في الأجزاء اللاحقة "لعملية البيع" وكيف تتم، حيث وصف المصدر أن هناك عدة طرق، منها الجماعية، أي يتم "شراء" المهاجرين كمجموعة واحدة، أو فردية، أي يتم عرض المهاجرين واحدا تلو الآخر على "الزبائن".


عملية معقدة تتطلب تنسيقا بين عدد من الشبكات

بالعودة إلى الكُفرة، بعض المهاجرين أثناء مكوثهم في المدينة، يضطرون إلى الخروج بحثا عن عمل ليتمكنوا من تحصيل المال لشراء الطعام، وهناك تبدأ معاناة جديدة بالنسبة إليهم. يتم استغلالهم من قبل أصحاب العمل، الذين يعمد بعضهم إلى بيع هؤلاء المهاجرين لمهربين يحتجزونهم ويطلبون منهم الاتصال بأهاليهم لإرسال الأموال من أجل إطلاق سراحهم.

مهاجرون محتجزون في مركز زليتن في ليبيا. المصدر / جولي دانغلهوف - مهاجر نيوز
مهاجرون محتجزون في مركز زليتن في ليبيا. المصدر / جولي دانغلهوف - مهاجر نيوز


مهاجرون آخرون قد يتم تصنيفهم ضمن فئة المحظوظين، وهم من يملكون المال أصلا، يتمكنون من شراء طريقهم باتجاه إحدى مدن التهريب الرئيسية كطرابلس أو غرابوللي أو زوارة... حتى هؤلاء أثناء رحلتهم، سيمرون بأحداث ومآسي ستغير حياتهم للأبد. وكان مهاجر نيوز قد نشر في وقت سابق سلسلة من الشهادات لمهاجرين في ليبيا، احتوت بعضا من الفظائع التي مورست بحقهم هناك.

للمزيد>>> "تناوبوا على اغتصابي ستة أشهر.. هل من الممكن أن ينظر أحد إلينا في هذا الجحيم؟

تجدر الإشارة إلى أن عملية التهريب لا تعتمد على مهرب واحد فقط، فالمهاجرون يتم الإتجار بهم بين عدد من الشبكات أثناء تنقلهم في الداخل الليبي، ولكل من تلك الشبكات مطالب ودرجات مختلفة من الاستغلال.

المشترك هو أنهم عندما يستلمون المهاجرين ويودعونهم أماكن "التخزين"، يفتشونهم تفتيشا دقيقا، يشمل التجريد من الملابس ومصادرة كافة مقتنياتهم (أموال، هواتف...) بحجة الاحتفاظ بها في الأمانات (طبعا كافة تلك المقتنيات تصادر بشكل نهائي).

إجدابيا.. فصل جديد من المعاناة

بالعودة إلى طريق المهاجرين، وبعد تجريدهم من مقتنياتهم، يتم نقلهم إلى جوار مدينة إجدابيا، حيث يستلمهم مهرب آخر يدخلهم المدينة ويضعهم في "حوش"... خلال عملية التنقل، يمكن تشبيه المهاجرين "بالطريدة"، فكل مدينة يمرون بها هناك عصابات، إذا صادفوهم سيأخذون كل ما لديهم ويأخذونهم إلى "مخازن" خاصة بهم، حيث يتم احتجازهم ليباعوا من جديد.


من يصلون إجدابيا تبدأ معاناتهم بالبحث عن سبل تمكنهم من تأمين قوتهم، وهذا وفقا لحظ المهاجرين حسب المنطقة التي يتم إنزالهم فيها. كل منطقة مخصصة لإحدى الجنسيات، وفي كل منطقة "حوش" يستقبل المهاجرين مقابل بدل، فإما الدفع أو الطرد. طبعا لا تتوقع أن يكون الحوش ملائما للحياة البشرية، فغالبا، هناك حمام واحد والطعام نادر، والحشرات تتنافس مع البشر على الإقامة هناك. ما ينعكس على صحة المهاجرين النفسية والجسدية، فيصاب معظمهم بأمراض جلدية وتنفسية وغيرها، فضلا عن الآثار النفسية التي يعانون منها بسبب الفترة التي يقضونها هناك.

للمزيد>>> "المهرب وعدني بالوصول إلى أوروبا.. فاحتجزني في ليبيا"

في إجدابيا ينقسم المهربون إلى اختصاصات، فكل مجموعة متخصصة بجنسية معينة، ولكل مجموعة قنوات اتصال مع الشرطة هناك. وهكذا، يتمكنون من تأمين نقل المهاجرين إلى طرابلس بأمان، دون أن يكونوا عرضة للضبط من قبل الشرطة. طبعا هذا بالنسبة إلى المهاجرين الذين يملكون جوازات، فالعملية تتم كالتالي: يأخذ المهربون الجوازات إلى الشرطة، حيث يستصدرون أوراقا تثبت أنهم عائدين إلى بلدانهم، فيقومون بنقل المهاجرين إلى طرابلس.

للمزيد>>> اعتقال قائد خفر سواحل ليبي بتهمة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين

رحلة العذاب ليست سوى في بدايتها... وهناك الكثير من الجرائم التي ترتكب بحق المهاجرين المتواجدين على الأراضي الليبية والتي سيتم التطرق لها في حلقات لاحقة تتابعهم في رحلتهم. وكان مهاجر نيوز قد وثق بعض تلك الحالات سابقا، من خلال شهادات وصلتنا من مهاجرين ضحايا تجار البشر في ليبيا.

 

للمزيد