مركز إيواء المهاجرين في الزنتان ليبيا .2019
مركز إيواء المهاجرين في الزنتان ليبيا .2019

انتشرت قصص معاناة المهاجرين في ليبيا بشكل كبير على مدى السنوات الماضية، ونقلت صورا مرعبة عما يقاسيه هؤلاء هناك في مراكز الاحتجاز. رحلة المهاجرين عبر ليبيا تمر بعدة مراحل، تتسم كل منها بتفاصيل مأساوية مختلفة عن التي سبقتها. مهاجر نيوز تمكن من التواصل مع مصدر في ليبيا، مطلع على آليات وتفاصيل عمليات تهريب ونقل المهاجرين داخل ليبيا قبل وضعهم على متن قوارب متجهة إلى أوروبا. في هذا الجزء سنكمل سرد تفاصيل رحلة المهاجرين في ليبيا، مرفقة بتفاصيل تكشف للمرة الأولى عن شبكات التهريب واحتجاز المهاجرين.

في الجزء الثاني من هذا المقال، يسرد المصدر المطلع من داخل ليبيا تفاصيل وحيثيات مرتبطة بتقسيم المهاجرين حسب جنسياتهم وآليات احتجازهم، فضلا عن طرق نقلهم المعقدة داخل ليبيا وارتباط شبكات التهريب في بعض المناطق بالشرطة أو بأجهزة إنفاذ القانون.

للمزيد>>> حصري: مصدر مطلع على أنشطة تهريب البشر يروي لمهاجر نيوز تفاصيل "رحلة الموت" للمهاجرين في ليبيا (2\1)

مسلحون ليبيون وتشاديون وسودانيون

على الطريق إلى طرابلس، تتوقف القافلة في مدينة اسمها الجفرة ومنها إلى بني وليد. هناك يأتي أشخاص جدد يستلمون المهاجرين، ويعيدون نفس العملية، تفتيش ومصادرة مقتنيات... تتابع القافلة طريقها باتجاه مدينة اسمها الزلة حيث يتم إيداعهم في مزرعة هناك، يمضون فيها 24 ساعة فقط، ليتم نقلهم في اليوم التالي بواسطة حافلات كبيرة.

للمزيد>>> "أجبرت على ارتداء البدلة العسكرية وإطلاق النار...لا أريد البقاء في ليبيا"

طبعا ليس هناك حاجة لذكر المآسي والاستغلال والاضطهاد الذي يتعرض له المهاجرون خلال تلك الرحلة، فضلا عن التنسيق بين العصابات وبعض أقسام الشرطة والميليشيات المسلحة.

ansa / عدد من المهاجرين الأفارقة في مدينة الكفرة جنوب شرق ليبيا. المصدر: "إي بي إيه"/ صبري المهداوي.
ansa / عدد من المهاجرين الأفارقة في مدينة الكفرة جنوب شرق ليبيا. المصدر: "إي بي إيه"/ صبري المهداوي.


بالعودة إلى الرحلة، بعد مسير لعدة ساعات في الصحراء، تتوقف الحافلات لتلاقي مجموعة من الأشخاص في سيارات، تتميز بأن لا مقاعد فيها. يتم حشر المهاجرين في تلك السيارات بشكل عشوائي. كل سيارة قد تتسع لـ10 أو 12 شخصا. طبعا من يقود تلك السيارات هم أشخاص بلباس عسكري رسمي، ويعودون إلى مدينة الجفرة. هناك يسلمونهم إلى ميليشيا محددة، ما يميزها أنها مزيج من مسلحين ليبيين وتشاديين وسودانيين، بعضهم ينتمي للجنجويد، تنقلهم إلى مدينة بني وليد.

للمزيد>>> ما مدى صحة وجود منشأة "سرية" لاحتجاز المهاجرين شرقي العاصمة الليبية؟

قبل أن أكمل، قد يبدو هذا السيناريو طويلا ومليئا بالتفاصيل وقد لا يصدقه البعض، لكنه الطريق الأمثل الذي تتبعه العصابات، خاصة للمهاجرين القادمين من الكفرة، حيث يتفادون حواجز قوات الأمن والصدام مع عصابات أخرى قد تخطف المهاجرين ويختفي أثرهم إلى الأبد.

تنسيق بين المهربين وقوات الأمن في الشويرف؟

من بني وليد، تأتي مجموعة أخرى لتنقل المهاجرين عبر الصحراء إلى مدينة الشويرف، حيث تبدأ المعاناة الحقيقية.

طبعا خلال كل تلك الرحلة، المهاجرون لا يعرفون إن كان تم بيعهم لعصابات مختلفة أم لا، لا يملكون رأيا في الطريق أو توقيت التنقل، ومن يعترض أو يسأل ينال عقابا أليما.

للمزيد>>> ليبيا: طالب لجوء صومالي يبلغ 19 عاما مات جوعا في طرابلس

في الشويرف يتم إيداع المهاجرين في مزرعة، فيها عدد من الحاويات المعدنية، يوزعون المهاجرين عليها، وعلى كل حاوية مجموعة من الحرس. ما أريد ذكره هنا هو أن تلك المزرعة واضحة للعيان، والمهاجرون فيها واضحون، كل ما يدور فيها مكشوف للعيان، وهذا أمر يستدعي السؤال حول مستوى التنسيق بين هؤلاء المهربين وقوات الأمن في المنطقة.


طبعا المهاجرون يملكون حرية التنقل والدخول والخروج من وإلى المزرعة. لكن رويدا رويدا تبدأ الأمور بالتغير، ويبدأ المهاجرون بالشعور باختلاف تعاطي المهربين معهم.

من تلك المزرعة، يتم نقل المهاجرين إلى مدينة نسمة. جزء منهم يتم بيعهم لعصابة أخرى، وهم من فئة المهاجرين التي لا تملك المزيد من الأموال لدفعها للمهربين. في تلك اللحظة، على هؤلاء المهاجرين أن يتحضروا لمواجهة أهوال لم يكونوا ليتخيلوها. سيتم بيعهم لمرة ثانية وثالثة ورابعة، إلى أن يموتوا خلال تلك العملية أو يهربوا.

للمزيد>>> ضحية جديدة لحلم الهجرة.. طفل سوداني مشرد في شوارع بني غشير الليبية

عودة إلى بني وليد...

 بالنسبة إلى المهاجرين الآخرين، من دفعوا التكاليف كاملة، ينقلون إلى بني وليد حيث سيكون هناك سيارات بانتظارهم مع مجموعة من المسلحين باللباس الرسمي. يأخذون المهاجرين ويدخلونهم إلى المدينة من مدخلها الرئيسي، حتى أنهم يمرون على حواجز للشرطة والجيش ولا يتم توقيفهم أو سؤالهم عن شيء.

بني وليد مشهورة بأنشطة الإتجار بالبشر، وبالتالي هناك منظومة كاملة في المدينة تعتمد على ذلك النشاط كوسيلة للحصول على مداخيل مادية.

يتم إيداع المهاجرين في مستودعات علنية، غير مخبأة، محروسة من أشخاص مسلحين مكشوفي الوجوه. تدخل إلى المستودع فتجد حرفيا أفريقيا كلها هناك. مهاجرون من مختلف الدول والجنسيات الأفريقية...

داخل المستودع، مآسي من كل الأصناف. الضرب والتعذيب والاستغلال والاغتصاب، حتى الموت، كل هذا يحصل داخل تلك الهنغارات. لكن بالنسبة إلى المهاجرين الذين استوفوا كامل التكاليف، الوضع مختلف.

كذلك، داخل تلك المستودعات ستجد أشخاصا مضى على وجودهم هناك سنوات، من كافة الجنسيات، منهم من تم بيعهم مرات لا تحصى.

ما يمر به المهاجرون خلال الرحلة كلها قد لا يتحمله كثيرون، لكن ما يحصل معهم في بني وليد هو أمر يفوق الخيال.

للمزيد>>> الميليشيات في ليبيا.. مهاجر مصري ضحية التفلّت الأمني

قصة محزنة حصلت قبل فترة في ذلك المستودع، شخصان توفيا في نفس اليوم، صومالي وإريتري. تم وضعهما في ساحة المركز، فجاء أحد المهربين ليسأل عما حصل، وبعد الاستفسار سأل إن كانا قد دفعا الأموال المطلوبة منهما. المهاجرون بالنسبة إلى تلك العصابات "بضاعة"، لا أكثر ولا أقل. ففي تلك الهنغارات، تتجرد القيم الإنسانية من كافة معانيها وأهدافها.

مَن ينجو من رحلة الموت هذه، يكمل طريقه ذهابا نحو طرابلس.

ما سبق هو مختصر مفيد حول ظروف الرحلة وبعض تفاصيلها، لكن المآسي والكوارث التي تحل بالمهاجرين لا يمكن حصرها هنا. فهناك مثلا من يتعرضون للاغتصاب، وآخرون تمت سرقة أعضاء من أجسادهم... هناك الكثير من الجرائم التي ترتكب بحقهم والتي سيتم التطرق لها في حلقات لاحقة حول هذا الموضوع. وكان مهاجر نيوز قد وثق بعض تلك الحالات سابقا، من خلال شهادات وصلتنا من مهاجرين ضحايا تجار البشر في ليبيا.

 

للمزيد