هجوم هاناو العنصري سبب حالة قلق وخوف لدى كثير من المهاجرين
هجوم هاناو العنصري سبب حالة قلق وخوف لدى كثير من المهاجرين

هجوم هاناو العنصري، الذي كان ضحيته تسعة مهاجرين، أعاد الجدل حول خطر اليمين المتطرف وتنامي العنصرية. وقد سبب الهجوم حالة قلق وخوف لدى مهاجرين مسلمين وعرب. مهاجر نيوز تحدث مع مهاجرين وباحثة ألمانية حول الآثار النفسية التي خلفها الهجوم وكراهية الأجانب في ألمانيا.

حاولت سناء لفترة طويلة تجنب موقع الاعتداء والتجمعات بمدينة هاناو، ليس خوفا على حياتها وإنما تجنبا للألم وتذكر المأساة. فعقب الهجوم الذي شهدته المدينة الواقعة في غربي ألمانيا بالقرب من مدينة المال والأعمال فرانكفورت في التاسع عشر من شهر فبراير/شباط العام الماضي، والذي راح ضحيته تسعة أشخاص من أصول مهاجرة، سعت المغربية سناء زميمو للابتعاد عن موقع الحادث "لاتقاء مشاعر الحزن".

وكان يمني متطرف يبلغ من العمر 43 عاماً قد أطلق النار في مقهيين للشيشة أغلب مرتاديهما من المهاجرين في مدينة هاناو. وتسبب الهجوم في قتل تسعة أشخاص ذوي أصول مهاجرة، وعثرت السلطات لاحقا على جثة منفذ وأمه في شقتهما بعد قيامه بقتلها وانتحاره فيما بعد. 

في حوار مع مهاجر نيوز، تقول المغربية سناء: "لم أرغب في رؤية أهالي الضحايا وأصدقائهم لأني شعرت بالحزن الشديد والوجع في قلبي. أنا أم وأستطيع تصور حجم الألم لدى أمهات وأهالي الضحايا". خلف الهجوم لدى سناء، والتي تركت مدينة هاناو مؤخرا وانتقلت للعيش في فرانكفورت، "حالة من الصدمة الشديدة" لأنها لم تشعر أبدا من قبل بغياب الأمان في ألمانيا، على حد وصفها. ولكن منذ وقوع الحادث بدأت الأم المغربية تشعر بالقلق على أولادها و"مطالبتهم بتجنب التجمعات". 

وكان منفذ الهجوم، قد نشر منشورات وفيديوهات على الإنترنت تتضمن "إشارات لنظريات مؤامرة وآراء عنصرية"، قبل ارتكاب جريمته. وأعلنت الهيئة الاتحادية لمكافحة الجريمة في ألمانيا BKA، عقب الحادث، أن الهجوم "يميني متطرف وينطوي على دوافع عنصرية".

كما وصف الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير الحادث بأنه "هجوم على حريتنا وعلى سلمنا الاجتماعي وهجوم على فهمنا الأساسي للعيش المشترك"، ودعا شتاينماير الجميع إلى "رفع أصواتهم ضد العنصرية وكراهية الأجانب".

”زيادة العنصرية“ في ألمانيا!

اعتداء هاناو جدد الحديث عن خطورة العنصرية وكراهية الأجانب في ألمانيا، والتي تعرضت المغربية سناء زميمو لها بضعة مرات في مواقف مختلفة. وأشارت سناء، المُدرسة بالمرحلة الإعدادية والمتخصصة في تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى تعرضها للتشكيك في قدراتها وصحة شهاداتها بشكل متكرر بسبب أصولها العربية. وقالت لمهاجر نيوز "تساءلت سيدة ألمانية في العمل عن سماح أسرتي لي بإكمال تعليمي، فهي لا تتصور أن أكون في موقع يجعلني أعطيها النصائح والإرشادات. واضطرني تكرارها لحديثها إلى التوجه لإدارة المدرسة التي أعمل فيها والتقدم بشكوى". 

وتخشى السيدة المغربية (38 عاما)، من ارتفاع الأصوات التي تهاجم الأجانب والمهاجرين "وتلومهم على كل شئ بما في ذلك أزمة كورونا!" على حد وصفها.  

وشهدت حالات التمييز العنصري مؤخرا "زيادة قوية" بسبب أزمة جائحة كورونا، وفقا لتصريحات الهيئة الاتحادية المختصة بمكافحة حالات التمييز في ألمانيا. ويقول رئيس الهيئة بيرنهارد فرانكه، في تصريحات صحفية، إن الأزمة "أدت إلى تمييز فئات معينة من الناس وكأنهم مضرمو حرائق".

وذكر بيرنهارد أن عدد طلبات الاستشارة لدى الهيئة وصل بحلول نهاية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي إلى أكثر من 6 آلاف طلب مقارنة بـ 3200 طلب في نفس الفترة من عام 2019، كما أضاف أن عدد حالات التمييز العنصري في البلاد ارتفع بنسبة تزيد عن 70 بالمئة حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي!

متظاهرون ضد الهجوم العنصري في هاناو، 22 سباط/ فبراير 2020، يحملون لافة كتب عليها "الفاشية والعنصرية تقتل في كل مكان"
متظاهرون ضد الهجوم العنصري في هاناو، 22 سباط/ فبراير 2020، يحملون لافة كتب عليها "الفاشية والعنصرية تقتل في كل مكان"

"لم أفقد الشعور بالأمان هنا"

وفي حديث لمهاجر نيوز، أشارت الأستاذة بمعهد أبحاث الهجرة والدراسات الثقافية IMIS بجامعة أوسنابروك الألمانية، لاورا حداد، إلى توثيق عدد من الباحثين مدى عمق تأثير العنصرية ضد المسلمين على حياتهم في ألمانيا، "لتصل لأنشطة الحياة اليومية، كتأجير شقة أو ارتداء الحجاب في الأماكن العامة أو التقديم على وظيفة في القطاع العام الذي يعد تمثيل المهاجرين فيه منخفضا".

أما المصرية داليا، والتي انتقلت للعيش والعمل في ألمانيا منذ أربع سنوات، فتقول لمهاجر نيوز إن "تعرضها لبعض المواقف العنصرية من عدد من الأشخاص لم يتسبب أبدا في فقدان الشعور بالأمان هنا"..

وتشير الشابة المصرية، التي فضلت عدم ذكر اسمها الحقيقي، إلى "تعنت بعض الموظفين" أو "تحديق المارة في الشارع بها إن تحدثت باللغة العربية في الهاتف". ولكنها لا تهتم كثيرا بتلك المواقف، إذ أن أكثر ما تخشاه هو ما يمكن أن يحدث إذا ما استمر صعود التيار اليميني المتطرف في أوروبا، على حد تعبيرها.

وتقول داليا: "المشكلة هي أن الشخص صاحب الموقف أو الرأي العنصري في الأغلب لن يقتنع أبدا بأن الكثير من المهاجرين هم أصحاب شهادات وخبرات سمحت لهم بالقدوم والعمل هنا في ألمانيا. مواقفه العنصرية ستدفعه دائما لرفض وجودي أو على الأقل عدم الترحيب بي بسبب اختلاف ديني أو لغتي أو اسمي أو ملامحي".

وأطلقت مؤسسة ألمانيا للإندماج، والتي يرأسها الرئيس الألماني الأسبق كريستيان فولف، بشهر تشرين الأول/ أكتوبر حملة وطنية تحت شعار ”صوتي ضد الكراهية“ #MeineStimmeGegenHass، بتمويل الحكومة الألمانية والمركز الفيدرالي للتوعية السياسية والاتحاد الألماني لكرة لقدم. وتسعى الحملة إلى شجب ومحاربة الأفكار العنصرية من خلال إحياء ذكرى ضحايا العنف والاعتداءات العنصرية في ألمانيا، ومن ضمنها هجوم هاناو.  

وتعتقد الشابة المصرية أنه بالرغم من كون هجوم هاناو حادث أليم تسبب في قتل أبرياء وحزن أهلهم وأحبائهم على رحيلهم، لكن من ناحية أخرى أدى الهجوم إلى لفت نظر الألمان إلى أن "المسلمين أيضا يمكن أن يكونوا ضحية للتطرف والعنف". وتضيف بأنه "غالبا ما يكون الحديث عن مخاوف الألمان من التطرف أو التشدد الإسلامي، ولكن تلك المرة كان الحديث عن خطر نوع آخر من التطرف أو التشدد على المسلمين أنفسهم".

متظاهرون ضد العنصرية يحملون صور ضحايا الهجوم العنصري في مدنية هاناو
متظاهرون ضد العنصرية يحملون صور ضحايا الهجوم العنصري في مدنية هاناو

"مجتمع موازٍ" في ألمانيا!

وأشارت الأستاذة بمعهد أبحاث الهجرة والدراسات الثقافية IMIS بجامعة أوسنابروك، لاورا حداد، إلى نقاش أخر على مواقع التواصل الاجتماعي حول "أسباب عدم تأثر العامة في ألمانيا بهجوم هاناو مقارنة بتأثرهم، على سبيل المثال، بحادث الاعتداء في سوق عيد الميلاد في برلين عام 2016!". حيث شهد سوق عيد الميلاد بساحة برايتشايت بلاتس في العاصمة برلين هجوما إرهابيا عام 2016 أسفر عن مقتل 12 شخصا، نفذه التونسي أنيس العامري، الذي كان إسلاميا متطرفا، وقد هرب من ألمانيا إير الهجوم ليقُتل لاحقا في إيطاليا برصاص الشرطة.

وتقول حداد: "يبدو أن الرأي العام منقسم لجانبين، الأول يخشى اليمين المتطرف ويعمل من أجل خلق حالة من التضامن مع المهاجرين، بينما ينظر الجانب الأخر لمقهى الشيشة (مكان وقوع الهجوم) كرمز لمجتمع موازٍ ليس له علاقة بالشعب الألماني عموما".  

وتربط حداد عدم شعور مهاجرين بالأمان في ألمانيا أو الانتماء إليها، خاصة من يوحي مظهرهم بأنهم أجانب، بصعود حزب البديل من أجل ألمانيا الشعبوي وغيره من المجموعات اليمينية. بيد أنها تحذر من آثار صمت جزء كبير من المجتمع الألماني "وما قد يوحيه هذا الصمت من قبول للخطاب اليميني أو المعادي للإسلام"، حسب الباحثة في جامعة أوسنابروك. 

 

للمزيد