المحاكمة الجارية في محكمة كوبلنز بدأت في 23 نيسان/ أبريل 2020 وهي الأولى في العالم التي تنظر في انتهاكات منسوبة إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
 المحاكمة الجارية في محكمة كوبلنز بدأت في 23 نيسان/ أبريل 2020 وهي الأولى في العالم التي تنظر في انتهاكات منسوبة إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

قرار المحكمة العليا في مدينة كوبلنز الألمانية، الذي جرم المتهم السوري إياد أ. بكونه مذنباً بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية، وصدر في حقه حكم بالسجن لأربع سنوات وستة أشهر، أثار حفيظة الكثير من السوريين من بينهم الناشط خالد رواس، الذي أفصح لمهاجر نيوز عن رأيه في الحكم الصادر عن المحكمة الألمانية وأمله بخصوص المحاكمات اللاحقة.

تطبق عدة دول بينها ألمانيا وفرنسا، مبدأ "الولاية القضائية العالمية" الذي يسمح لدولة ما بمقاضاة مرتكبي جرائم ضد الإنسانية بغض النظر عن جنسيتهم أو مكان تنفيذ جريمتهم. أمر ساعد سوريين ناجين من جحيم التعذيب في سجون نظام بشار الأسد، الذين تمكنوا من الوصول إلى ألمانيا والحصول على حق اللجوء بها، من متابعة أسماء تورطت في عمليات التعذيب والقتل، أمام القضاء الألماني.

"يستحقون حكماً أقسى"

خالد رواس، واحد من بين هؤلاء الناجين، ومن السوريين السبعة الأوائل، الذين اختاروا متابعة العاملين السابقين في جهاز المخابرات التابع للنظام السوري، ممن ارتكبوا جرائم وفروا نحو أوروبا. وعن رأيه في أول حكم قضائي نطقت به المحكمة العليا في مدينة كوبلنز الألمانية، قال خالد في تصريحات لمهاجر نيوز، "أتفهم الادعاء الألماني والمحكمة وتعاملها مع موقف لم يحصل على ترابها، والتدقيق في الجريمة هنا يبقى شيئاً صعباً، لكن بصراحة كنت أتمنى أن يكون الحكم أكثر من أربع سنوات ونصف، تمنيت أن يكون أكثر بكثير".

الناشط خالد رواس وزوجته عبير فرهود وابتهما ياسمين، رفعا دعاوى قضائية في ألمانيا ضد ضباط مخابرات سوريين
الناشط خالد رواس وزوجته عبير فرهود وابتهما ياسمين، رفعا دعاوى قضائية في ألمانيا ضد ضباط مخابرات سوريين

بعد الحكم بسجن إياد أ. بأربع سنوات ونصف وإدانته بتسهيل تعذيب 30 سجينا، والقبض على ما لا يقل عن 30 من نشطاء المعارضة إثر مظاهرة مناهضة للأسد في 2011 وإرسالهم إلى منشأة تابعة للمخابرات وهو يعرف أنهم سيتعرضون فيها للتعذيب. من المقرر مواصلة المحاكمة ضد المتهم الرئيسي العقيد السوري السابق في المخابرات، أنور. ر. الذي اعتقل في برلين في شباط/ فبراير 2019، ويتهمه القضاء الألماني بالمسؤولية عن مقتل 58 شخصا وعن تعذيب ما لا يقل عن 4 آلاف آخرين من نيسان/ أبريل 2011 إلى أيلول/سبتمبر 2012، في فرع الخطيب الأمني، الذي كان يديره في دمشق.

بناءاً على هذه المعطيات المتوفرة حول محاكمة أنور. ر، يأمل خالد "أن يكون هذا الشخص الذي كان من بين القيادات ومتطوعاً لفترة طويلة واقترف جرائم كبيرة وكثيرة، عبرة. إذ يرى أن "هناك فرق بين محاكمته ومحاكمة إياد، إذ تتوفر المحكمة على مدعين ضد أنور موجودين هنا بألمانيا، من بين الحالات الـ 4000 الذين عذبوا في الفترة التي كان هو مسؤولا في سوريا ويشهدون ضده، إضافة إلى 58 حالة قتل ارتكبها، و توقعي أن يكون الحكم أشد بكثير بالنظر لهذه الأرقام المرعبة".

"قضية السوريين إنسانية تحتاج دعماً"

ويرى خالد أن المحاكمات الجارية في العديد من البلدان الأوروبية من بينها النرويج وفرنسا والدانمارك والنمسا، في حق أعوان النظام السوري السابقين المتورطين في جرائم القتل والتعذيب، تبقى نقطة أمل. معتبراً أن تجربة النظام السوري القمعي امتدت منذ الثمانينات أي منذ فترة حكم الأسد الأب، و"نتمنى أن لا يفلت المتورطون معه من القانون، ونريد أن نتأكد من ذلك".

واعتبر المتحدث أن من بين المخاطر التي يحاربها النشطاء السوريون هنا "تواجد الموالين للنظام السوري على الأراضي الألمانية أو الأوروبية عموما واستمرار عملهم لفائدته، عبر التبليغ عن النشطاء وتهديدهم بعائلاتهم، مؤكدا أنه لم يتعرض لذلك بشكل شخصي لكنه غير محمي من ذلك نهائيا. كما أبرز أن "الكثير من السوريين الذين كانوا شهودا في مثل هذه القضايا لغوا شهاداتهم بسبب تعرضهم للتهديد، معتبرا أن استمرار السماح لعمل السفارة السورية في ألمانيا مثلا أمرغير معقول ويشكل خطرا".

محاكمة في ألمانيا. صورة من الأرشيف
محاكمة في ألمانيا. صورة من الأرشيف

خالد الذي اعتقل مرتين وتعرض للتعذيب خلالهما، كما أجبر على مشاهدة تعذيب معتقلين آخرين، يحاول عدم تذكر تلك المشاهد القاسية ويتفادى الحديث عنها، ويقول "الاعتقال في حد ذاته بدون سبب ودون أن يعلم أحد بمكاني كان أول الأمور غير المنطقية، وبعدها التعذيب".

وبالإضافة للمتابعات القضائية، يرى خالد أنه "يجب أن يكون هناك حراك سياسي حقيقي لتغيير النظام"، معتبرا أن "هناك الكثير من الشرفاء ممن يمكن أن يعيدوا بناء سوريا". وفي حال حصول ذلك والنجاح فيه، يقول خالد أنه "بدون أدنى تفكير سأعود لسوريا، فقد كنت جزءاً من الحراك لأغير بلدي وأستمر في بنائه، ولم أخطط للهرب لولا ما عشته".

ويناشد خالد اليوم القضاء الأوروبي والحقوقيين عبر العالم "أن ينظروا للجرائم الحاصلة في سوريا بجدية أكبر، فالنظام القائم يشكل خطراً على كل السوريين وعلى العالم بأكمله، والقضية صارت إنسانية ولم تعد سياسية. ورسالتي هي: على الجميع أن لا يتساهلوا أو يقفوا على خط الحياد في هذه القضية، لابد من اتخاذ موقف".

لونا.. مواطنة صحفية دفعت الثمن تعذيباً

من بين الناشطات السوريات الناجيات من التعذيب والمستمرات في محاولات متابعة شبيحة النظام المتورطين في التعذيب والقتل: لونا وطفة، التي تعيش اليوم في مدينة كوبلنز الألمانية، تحرص على متابعة تفاصيل المحاكمة عن كثب وأقوال جميع الشهود معتبرة أنها "أول محاولة من العالم لإلقاء الضوء على نظام القمع الوحشي عن طريق سيادة القانون".

وتحكي الناشطة السورية في مقابلة لها مع DW عربية، أنها إلى غاية بداية المظاهرات الأولى ضد نظام بشار الأسد في آذار/ مارس 2011، لم تكن السياسة من أولويات لونا، لكن الأحداث جعلتها تقبل على القراءة حول تاريخ سوريا السياسي، كما قرأت الكثير عن جرائم عائلة الأسد في سوريا وهو ما جعلها تفهم لماذا نزل الناس إلى الشارع للاحتجاج.

انضمت لونا إلى المظاهرات، ودعمت النازحين من مناطق سكناهم، وحاولت توثيق ما تراه على أرض الواقع لتصبح مواطنة صحفية، تنشر على الانترنت ما تراه، وذلك بمساعدة منظمة "أصوات سورية". بدأت برنامجا عبر الانترنت في منتصف عام 2013، وتقول "برنامجي كان عن الثورة وتوثيق عدد القتلى في دمشق، حيث كان هناك من يسقط على يد النظام ولم تعرف هويتهم".

لونا وطفة كانت سجينة أيضا في المعتقلات السورية
لونا وطفة كانت سجينة أيضا في المعتقلات السورية

كما حاولت لونا رصد السلطات الأمنية فيما يتعلق بالهجوم بالأسلحة الكيميائية على ضاحية الغوطة الشرقية في دمشق في آب/ أغسطس 2013. وبالتعاون مع معارف من الغوطة الشرقية، قامت لونا بتوثيق هذه المذبحة، كما تقول. وتضيف "التقطنا الكثير من الصور ومقاطع الفيديو. لقد وثقت 800 اسم للضحايا، ووفرت الكثير من المعلومات للمعارضة السورية في الخارج".

بعد حوالي أربعة أشهر، أي في نهاية عام 2013، كانت لونا في دمشق، تعمل على مساعدة الأشخاص الذين فروا من مدن أخرى بسبب الحرب الأهلية. تم مطاردتها من قبل أكثر من اثني عشر شرطيا، وتم اعتقالها وعصبت عيناها، وتقول "أخذوني إلى القسم40، القسم الذي عمل فيه إياد أ. الذي صدر حكم القضاء في حقه اليوم، قبل اعتقالها، لذلك لم تكن شاهدة رئيسية في محاكمته، لكنها عضو مراقب لجلسات المحكمة بعد الإدلاء بإفادتها.

بقيت لونا سجينة لدى جهاز المخابرات لمدة شهرين تقريباً، في ثلاث إدارات مختلفة. ثم انتقلت بعدها إلى سجن عادي. تمكنت للمرة الأولى من الاتصال بعائلتها منذ اعتقالها. واكتشفت ضغوطا نفسية قد مورست عليها، حيث لم يتم اعتقال ابنتها، فيما تعرض ابنها للاستجواب فقط.

وعندما أطلق سراح لونا بعد نحو ثلاثة عشر شهراً في السجن، نصحها محاميها بالفرار. هي كانت تريد البقاء مع أطفالها، ولكن الضغط والخوف كانا كبيرين لدرجة أن لونا فرت أخيراً إلى تركيا. ومن هناك أتت عبر طريق البلقان إلى ألمانيا. وبعد ذلك فر أطفالها أيضاً إلى تركيا. بعد الاعتراف بطلب لجوء لونا تمكنت من إحضار أطفالها في إطار قانون لم الشمل إلى ألمانيا، إلى (كوبلنز) حيث تعيش الآن.

أ ف ب / رويترز / DW عربية

 

للمزيد