مهاجرون في ليبيا/مفوضية اللاجئين
مهاجرون في ليبيا/مفوضية اللاجئين

مهاجر مصري مقيم في ليبيا تواصل مع مهاجر نيوز لنقل معاناته هناك، خاصة بعد أن فشلت محاولته في الهجرة عبر المتوسط وأعاده خفر السواحل مع آخرين إلى طرابلس. المهاجر تم تحويله إلى مركز أبو سليم، حيث سيشاركنا في المقال التالي جزءا من يومياته التي عاشها هناك.

أنا مواطن مصري أعيش في ليبيا منذ نحو عام. في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2020 قررت الهجرة إلى إيطاليا بشكل غير شرعي، عبر البحر، لكن لم يحالفني الحظ.

تم اعتراض قاربنا من قبل خفر السواحل الليبي وأعادونا إلى طرابلس. من هناك حولونا إلى مركز أبو سليم.

أمضينا في البحر 48 ساعة، لم نأكل شيئا خلالها. وصلنا أبو سليم حوالي الساعة 11 مساءا، طلبنا من القيمين هناك طعاما، لكنهم نهرونا وقالوا "الأكل في الصباح".

للمزيد>>> أثناء سعيهم للوصول إلى مدينة الكفرة.. عائلة سودانية قضت بأكملها في الصحراء الليبية

في اليوم التالي لم يحضروا الطعام. بدأ المهاجرون معنا بالتململ، لكن ما باليد حيلة فمصيرنا معلق بقيام هؤلاء الحراس بتقديم الطعام لنا. انتظرنا طيلة النهار، كان بيننا أطفال وأشخاص كبار في السن، الجميع جائع. حوالي الساعة الثامنة مساءا فتحوا الأبواب وجلبوا ما يشبه الطعام، معكرونة وماء وصلصة. أكلنا لأننا كنا جائعين، لم يكن لدينا خيارات أخرى.

بكاء الأطفال وأنين المرضى

كنا كثر في مركز الاحتجاز، تقديري أكثر من 500 شخص. لا يوجد مساحات كافية للجميع ليستلقوا إذا أرادوا النوم. الجو كان شديد البرودة ليلا، ولم يكن لدينا ما نلتحف به تفاديا للبرد. الوضع كان مأساويا للغاية، بكاء الأطفال وأنين المرضى، فضلا عن المعاملة السيئة التي كنا نجابه بها. أما بالنسبة للطعام، فكان مرة واحدة في اليوم.

بعد عدة أيام، وبسبب التعب واليأس الذي أحاط بنا، بدأ بعض الأشخاص معنا بافتعال المشاكل وإعلاء أصواتهم مطالبين بتحسين وضعية احتجازنا. فما كان من الحراس إلا أن اقتحموا أبواب المهاجع وبدأوا بإطلاق النيران من رشاشاتهم فوق رؤوسنا. سيطر الذعر على الجميع، لا يمكن تخيل نظرات الخوف التي كانت تعلو وجوه المهاجرين.

للمزيد>>> حصري: مصدر مطلع على أنشطة تهريب البشر يروي لمهاجر نيوز تفاصيل "رحلة الموت" للمهاجرين في ليبيا (2\2)

خلال الفوضى التي أحدثها الحراس، استغل أحد المهاجرين الأفارقة الفرصة للهرب، لكنهم أمسكوا به وانهالوا عليه ضربا بأعقاب البنادق. بدأ ينزف بشكل كثيف، حتى أن دماءه غطت جزءا من الأرضية وامتدت إلى إحدى الفرشات الملقاة على الأرض. بعد أن فقد الوعي، أخذوه إلى ساحة المركز، سمعنا صوت إطلاق نار، لا أعلم إن قتلوه أم أنهم قاموا بذلك لتخويفنا وتحذيرنا من محاولة الهرب، ولكن على كل حال لم نر ذلك المسكين مرة أخرى.

بعد عدة أيام من تلك الحادثة، جاؤوا بمجموعة أخرى من المهاجرين الذين تم اعتراضهم في البحر.

محاولة الهرب الأولى

باتت أعدادنا كبيرة جدا، لدرجة أننا كنا نضطر لتقسيم فترات النوم على بعضنا، لم يكن هناك مساحات كافية للجميع ليتمددوا وينالوا قسطا من النوم. فضلا عن ذلك، لم يكن هناك أي وسيلة للحفاظ على النظافة الشخصية، فضلا عن أن المركز كله لا يحوي سوى على أربعة حمامات من المفترض أن تخدم أكثر من 700 شخص. لا يمكن لأي كان أن يتخيل الحالة النفسية للمحتجزين هناك في تلك الظروف، الوضع كان سيئا وباعثا لليأس. كل تلك الظروف ونحن نسمع عن فيروس كورونا ومخاطره، دون أن يكون أمامنا أي فرصة لاعتماد آليات لمكافحة انتشاره بيننا. كنا متروكين لنواجه موتنا ببطء.

في اليوم التالي لإحضار مجموعة المهاجرين الجدد، قرر عدد من الأفارقة الذين كانوا معنا الهرب. كسروا باب الهنغار وانطلقوا مسرعين باتجاه الأسوار. بدأ الحراس بإطلاق النار عليهم، قتل شخصان وأصيب ثلاثة آخرون إصابات بالغة نقلوا على إثرها إلى المستشفى. أما الباقين فتمكنوا من مغادرة ذلك الجحيم.

ذلك اليوم كان جهنميا، لم يحضروا لنا الطعام بتاتا، منعوا وفد منظمة الهجرة من الدخول للاطمئنان إلينا، كانوا يسبونا ويشتمونا طوال الوقت ويهددون بإطلاق النار علينا، وليلا يقتحمون الهنغارات ويبدأون بإطلاق النيران فوق رؤوسنا.

17 يوما في الجحيم

بعضنا شعر باقتراب أجله، فالظروف المحيطة كانت توحي لنا بأننا لن نغادر ذلك المعتقل بتاتا. كثيرون ماتوا بيننا خلال تلك الفترة القصيرة، معظمهم صوماليون. كانوا يعانون من ضمور شديد بأجسامهم وعدم القدرة على الحركة.

17 يوما أمضيتها في ذلك الجحيم. لم يكن هناك من آفاق أمامي سوى الهرب. اتفقنا على ضرورة مغادرة ذلك المركز ولو بالقوة. استغلينا الفترة المسائية، فحينها يكون معظم الحراس بحالة سكر شديد.

كسرنا الباب وانطلقنا جميعا باتجاه الأسوار. لم أكن أنظر خلفي، أطلقت قدماي للرياح وأنا أسمع أزيز الرصاص خلفي. أحدهم سقط بجانبي نتيجة إصابته بالرصاص. لا أعلم حصيلة الإصابات أو القتلى، لكنني سمعت لاحقا أنهم تمكنوا من إعادة حوالي 130 شخصا، ممن لم يتمكنوا من الركض.

حاليا أنا في طرابلس، أحيا حياة المطاردين، أعيش في خوف دائم من أن يتم القبض علي وإعادتي إلى ذلك الجحيم. أريد نشر هذه القصة ليعلم العالم بأسره ما نعانيه هنا، وما سبق وذكرته ينطبق على كافة مراكز الاحتجاز، حرفيا، فجميع المهاجرين هنا يتعرضون لنفس تلك الانتهاكات. 

 

للمزيد