لمى ألبيك خلال استقبالها وتكريمها من قبل الملك والملكة البلجيكيين (صورة خاصة)
لمى ألبيك خلال استقبالها وتكريمها من قبل الملك والملكة البلجيكيين (صورة خاصة)

حركت موجة اللجوء مشاعر وهمة الكثير من المهاجرين القدامى بمختلف المجتمعات الأوروبية، ممن آلمهم الدمار والتشرد الذي خلفته الحرب ويعاني بسببه الآلاف من النازحين. من بين هؤلاء المهاجرة لمى البيك، التي خصصت مشروعها للعمل التطوعي الإنساني لفائدة النساء النازحات من الحروب رفقة أطفالهن.

"كانت قاصرا عندما تزوجت لأول مرة زواجاً تقليدياً، وقبل بلوغ سن الرشد تطلقت وتزوجت للمرة الثانية، وما كانت تفكر في شيء سوى كيف تنجح في بناء أسرة". هذه قصة واحدة من الشابات اللاجئات اللواتي استطعن الوصول لأنشطة جمعية SB Overseas، التي تعني بشؤون النساء المهاجرات واندماجهن في مجتمعهن الجديد. فالشابة المهاجرة والتي تعيش في بروكسل، افنتحت على آفاق التعلم وإتقان حرفة، لتتغير نظرتها للحياة وتصبح شابة مفعمة بالحياة، ولا يشغل بالها سوى تطوير ذاتها، حسبما تروي لمى البيك مؤسسة الجمعية في حوارها مع مهاجر نيوز.

"حياتنا مهمة، علينا أن نفيد ونستفيد، لا شيء مستحيل مادام الأمل موجوداً. النساء قادرات جداً، فقط يجب أن تعطى لهن فرصة، وأتمنى كل سنة أن تحقق النساء ذواتها ويعم السلام أكثر". هذا ما تتمناه لمى البيك، مؤسسة جمعية SB Overseas وتبعث برسالتها هذه للنساء في يومهن العالمي عبر مهاجر نيوز.

قدمت لمى قبل 15 سنة إلى بلجيكا، وأسست سنة 2011 جمعية لدعم الشابات المهاجرات ومواكبتهن في المجتمع المضيف (بلجيكا). عملت لمى وشركاؤها والمتطوعون لفائدة جمعيتها على التوعية في المجتمع البلجيكي، وأيضا "تكثيف الجهود على مساعدة المهاجرين واللاجئين والتركيز على النساء والأطفال باعتبارهم أكثر المتضررين من ظروف الحرب".

اندلاع الحرب السورية وموجة اللجوء التي خلفتها، أثرت في الناشطة الجمعوية السورية. فقررت النزول سنة 2013 إلى المخيمات في لبنان لاكتشاف طريقة يمكنها عبرها تقديم المساعدة.

لمى البيك خلال نشاط لجمعيتها في أحد مخيمات النازحين (صورة خاصة)
لمى البيك خلال نشاط لجمعيتها في أحد مخيمات النازحين (صورة خاصة)

تحكي لمى البيك في حوار مع مهاجر نيوز أن "القصة التي دفعتني لتفكير في تطوير نشاط الجمعية SB Overseas كانت قصة سيدة في نهاية الستينات من عمرها، قابلتها في مخيم عرسال للاجئين في لبنان. وتقول لمى "كانت رفقة ثمانية أطفال استشهد آباؤهم خلال الحرب وتولت أمر تهريبهم من الدمار. داخل الخيمة التي تسكنها رفقة الأطفال الثمانية، سألتها: ما الذي يمكنني أن أفعله لمساعدتك؟ ردت: أريد أن يتعلم هؤلاء الأطفال". بعد ستة أشهر تمكنت الجمعية من جمع تبرعات كافية، وقررت لمى العودة إلى مخيم عرسال لتأسيس أول مدرسة به.

تقول لمى أنها لا تحب أن ترى "المرأة دائما في موقف ضعف"، لذلك تحاول مساعدتهن أولا بدعم نفسي ثم بالتعلم أو تكوين مهني لتصبح السيدات المستفيدات من أنشطة الجمعية قادرات على الاعتماد على أنفسهن. وعن سبب التركيز على النساء وأطفالهن، اعتبرت لمى أنهن "أولى ضحايا الحروب، نحاول مساعدتهن بعد خوض هذه التجربة القاسية، على استعادة حياتهن بتعليمهن وتمكينهن من حرف ومهن ليتمكن من ضمان استقرار ومستقبل أفضل".

إنجازات لفائدة المرأة والطفل

بفضل الجهود التي تبذلها المؤسسة في مجال دعم المرأة، تم تسجيل 21000 أسرة ضمن الجمعية مستفيدة من الأنشطة والدعم المقدم. من بينهم نازحين في لبنان ولاجئين تمكنوا من الوصول إلى بلجيكا، لتتمكن الجمعية نهاية 2019 حسب تقرير الجمعية على موقعها، من إنجاز 48 مشروعا بدعم 12 مؤسسة شريكة.

وأكدت البيك أن "غالبية النساء حتى الأميات منهن، سواء القادمات الجدد إلى بلجيكا، أو النازحات نحو لبنان المتطلعات للوصول إلى أوروبا مستقبلا، يفضلن دروس اللغات الأجنبية، لأن حياتهن الجديدة تتطلب معرفة باللغات للتواصل مع جمعيات الأمم المتحدة ومواطني البلد المستضيف، فتعلم الإنجليزية أو الفرنسية بالنسبة لهن ضرورة وليس ترفيها". 

أعضاء الجمعية رفقة أطفال في مخيم للاجئين خلا أحد الأنشطة الترفيهية (صورة خاصة)
أعضاء الجمعية رفقة أطفال في مخيم للاجئين خلا أحد الأنشطة الترفيهية (صورة خاصة)

تهدف الأنشطة المتنوعة المقدمة إلى مساعدة الأطفال والأمهات على محاربة الأمية والدراسة وتعلم حِرَفٍ، ليتمكن مجتمع المهاجرين واللاجئين من الاعتماد على أفراده وبناء مستقبل جديد، دون انتظار دعم الدول المستضيفة.

وتوضح لمى البيك أن "أغلب البرامج التي نوجهها للنساء تهدف لتلقينهن مهنة معينة، لأنهن في حالاتهن صرن المسؤولات عن الأسرة والمعيلات الأساسيات، بسبب وفاة الزوج أو اختفائه في ظروف الحرب".

وتعتبر المهاجرة السورية أن "تعليم النساء حرفة يمكن أن تمارسنها من المنزل وهن رفقة أطفالهن، وتتمكن حتى اللواتي تُمْنَعْنَ من العمل خارجا من إيجاد فرصة لها في الاستقلال المادي". فالبقاء داخل البيت أو الخيمة دون إيجاد عمل، يخلق مشاكل نفسية واجتماعية، ويكون له تأثيرات على النساء وأبنائهن ومحيطهن كاملا. حسبما تؤكد لمى.

وتوضح الفاعلة الجمعوية أن "المحرك الرئيسي لعملنا هو قصص نجاح النساء والشابات"، فالمؤطرون يختارون نموذجاً ناجحاً من بين السيدات المستفيدات من تأطير الجمعية ويتم إعدادهن ليكن مدربات لغيرهن من اللاجئات. بذلك "نكون زرعنا أملا وأعطيناهن مهنة ودعماً نفسياً"، تقول لمى. 

صورة لأنشطة الجمعية داخل مقرها (صورة خاصة)
صورة لأنشطة الجمعية داخل مقرها (صورة خاصة)

عزيمة قوية رغم الصعوبات

المجتمع وبعض العادات "البالية"، كما تصفها لمى، ترفض استقلالية المرأة واعتمادها على نفسها، "ما يجعل مجابهة المجتمع ودفع السيدات للتغيير وتمكينهن من الإبداع أمر صعباً"، ولا تتحمل هذه النساء حسب المتحدثة المسؤولية، بل هن "ضحايا العادات وما عشنه من صعوبات خلال تجربة الحرب". مؤكدة أن "النساء قابلات للتعلم بشكل كبير، وما هن في حاجة إليه هو الفرصة، يكفي أن تمنحيهن ذلك وتعليم جيد، وترين كم الإبداع".

نشاط لفائدة النساء المهاجرات واللاجئات من تأطير الجمعية (صورة خاصة)
نشاط لفائدة النساء المهاجرات واللاجئات من تأطير الجمعية (صورة خاصة)

وعن المشاكل التي تواجه عمل المتطوعين في الميدان، علقت لمى بالقول إنها "تتعلق بالمجتمع المضيف من جهة، الذي لا يتقبل اللاجئين الواصلين حديثاً. وحواجز أخرى تتعلق بمجتمع اللاجئين، الذي تتحكم فيه العادات والتقاليد". ناهيك عن مواجهتهن للعنصرية الموجودة في المجتمع المضيف وبين اللاجئين نفسهم".

ثمار بطعم النجاح

"ما يناهز 2000 شخص، 75 في المئة منهم كانت نساء وشابات تطوعوا في بلجيكا لخدمة المهاجرين واللاجئين ودعما لهم، هو ما مكن من تحقيق الهدف الأساسي لكل الأنشطة: تبادل العلاقات والعادات والتعلم من الآخر، ليصبح تقبل اللاجئات في المجتمع أكثر سهولة"، حسب لمى.

لوحة فنية من لوحات إحدى اللاجئات المستفيدات من أنشطة الجمعية (صورة خاصة )
لوحة فنية من لوحات إحدى اللاجئات المستفيدات من أنشطة الجمعية (صورة خاصة )

أما أكبر النجاحات، فتخطها العشرات من النساء اللاجئات والمهاجرات اللواتي استفدن من أنشطة الجمعية، واستطعن الاستفادة من التكوين في حرفة ما، والآن هن صاحبات مشاريع صغيرة ومتوسطة، تقمن بإعداد منتوجات وتروجنها، وتعملن بجد لإثبات ذاتهم.

تم تكريم لمى عدة مرات بفضل نشاطها الإنساني، "تم تكريمي من قبل ملك وملكة بلجيكا وفي انكلترا من وزارة المرأة وأيضا من طرف رئيس الاتحاد الأوروبي لعملنا مع الشابات المهاجرات من خلفية مهاجرة، وهذا ما يدفعني لمزيد من العطاء". لكن أهم تكريم بالنسبة لها هو أن "أرى ثمار عملي التطوعي والإنساني نجاحاً في مسيرتهن بعد الاستفادة من أنشطة الجمعية".

ماجدة بوعزة

 

للمزيد