كورال حنين في أحد أنشطته السابقة (صورة خاصة)
كورال حنين في أحد أنشطته السابقة (صورة خاصة)

اخترن الغناء الجماعي للتعبير عن اشتياقهن للوطن، واجتمعن إحياءً لثراث سوري متنوع وغني. لاجئات سوريات مغتربات قصراً، جمعهن "كورال حنين" في أغنية أنشدنها جماعة في يوم المرأة العالمي، ليبعثن رسالة مفادها "سوريا بقلوبنا وإن طال الفراق".

 

"لا تكسروا خاطري" أولى كلمات أغنية اللاجئات السوريات التي قمن بتأديتها في شكل كورال. لم تمنعهن ظروف الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي من الغناء جماعة بصوت موحد ورنة موسيقية هادئة، وبكلمات عذبة من التراث السوري الأصيل، أبلغن النساء رسالة مفادها أن "اللاجئة قادرة ومبدعة".

"سُرِقَ منا وطننا، ونعيش كل يومٍ حنيناً شديداً لكل تفاصيل حياتنا التي تركناها مرغمين. تمكنوا من تهجيرنا لكنهم لن يحرمونا ذاكرتنا وتراثنا، حملنا سوريا في قلوبنا وجهرنا بذلك عبر الكورال" هكذا تلخص رجاء بنوت الفكرة من إطلاق العمل الفني، الذي قام بتأديته مهاجرات ولاجئات من دول مختلفة، ونشرنه عبر النت في يوم المرأة العالمي والذي صادف يوم الاثنين (8 مارس/آذار). والهدف من وراء هذه الفكرة إحياء التراث السوري من قبل اللاجئات والمهاجرات عبر ملتقى حنين الثقافي. حسب ما تؤكده صاحبة فكرة كورال حنين.

تواصلت المهندسة الزراعية السورية مع أعضاء فرقة الكورال، ولاقت فكرتها إقبالا واسعاً، إذ شاركت 95 لاجئة ومهاجرة سورية من ستة بلدان(ألمانيا، تركيا، كندا، فنلندة، أميركا والسويد) في هذا العمل. عبر تطبيق زووم اجتمعن وقمن بأداء الأغنية احتفاءً باليوم العالمي للمرأة، تعبيراً عن وحدتهن واشتياقهن وفخرهن بالانتماء لوطن مكلوم.

بدايات بطعم الحنين

تعود فكرة تأسيس ملتقى "حنين" الثقافي وضمنه فرقة الكورال لرجاء بنوت، وهي سورية تقيم في ألمانيا منذ عام 2014، اختارت التوجه نحو مدينة غازي عنتاب التركية في فبراير/شباط من عام 2015، في أوج أزمة اللجوء، والسبب تفكيرها في حال اللاجئات السوريات في أكثر المناطق التركية اكتظاظاً بالهاربين من الحرب والدمار.

"الغناء حاجة حقيقية عند كل الناس باعتباره متنفساً للإنسان وعلاج نفسي له"، هذه قناعة تؤمن بها رجاء بنوت، دفعتها لإطلاق كورال حنين في مدينة غازي عنتاب في البداية، لتتطور فكرة المشروع وتنتشر في عدة بلدان أخرى، مثل ألمانيا والسويد وكندا وغيرها.

رجاء ترى أن كورال حنين بمثابة صوت للذاكرة الشعبية السورية، يذكر بمحنة اللاجئات المغتربات قصراً، ويعلن عن رغبتهن في السلام والتعايش، "لم أجد أفضل من هذه الطريقة تتيح لقاء سيدات اضطررن لترك بلدهن، واستحضار تراث سوريا التي استمر تدميرها طيلة سنوات.

من بين المشاركات في الكورال الغنائي عبر زووم، آيتان مصطفى الأصيل، واحدة من بين اللواتي أسسن للكورال في تركيا قبل القدوم إلى ألمانيا، تسترجع ذكريات البدايات وتقول "كنا مترددات جداً، لكن حاجتنا للقيام بشيء ننفس فيه عن بعضنا جعلتنا نقرر العمل بجد، فبدأت التدريبات بعد التأسيس مباشرة، وبعد شهر فقط تمكنا من المشاركة خلال عيد المرأة في احتفالية بغازي عنتاب، كنا آنذاك 20 سيدة فقط، ولاقى عرض الكورال نجاحاً كبيراً". 

ندى مهاجرة سورية مستقرة في مدينة دورتموند الألمانية منذ 29 سنة، وهي أخصائية طب بديل. أعجبت بالفكرة وانظمت للفريق وشاركت في العمل الفني للكورال في يوم عيد المرأة العالمي، وعن مشاكرتها تقول ندى "كورونا لم تمنعنا من الإبداع، تحدينا الظروف وتدربنا عبر زووم وأنتجنا الأغنية بمشاركة سوريات المهجر، لنوصل صوتنا وفكرتنا التي تدعو لترابط السوريين في كل بقاع العالم".

وتعتبر ندى أن "الأغنية تعبر عن حنين كبير للوطن، وتتغنى بالسيدة السورية الجميلة والقوية، وتبعث رسالة مفادها أن السورية ذكية ولا شيء يكسرها، وقادرة على البدايات الجديدة، واتحادنا أعظم رسالة".

صورة للنساء المشاركات في الأغنية التي نشرها الكورال بمناسبة اليوم العالمي للمرأة
صورة للنساء المشاركات في الأغنية التي نشرها الكورال بمناسبة اليوم العالمي للمرأة

الفكرة الأساسية للكورال كانت غناء مقاطع من الثراث السوري بكل اللهجات واللغات المحلية غير العربية كالكردية والشركسية والسريانية والتركمانية والأرمينية للفت الانتباه لغنى الثقافة السورية وتنوعها، وأيضا لدمج النساء السوريات من كل الخلفيات والمحافظات في الكورال وتخفيف آلام التهجير والاغتراب، ولم يكن الصوت الجميل شرطاً للانضمام إلى الفرقة. فالهدف "صوت جماعي يصدح بالوحدة والترابط بين سوريات المهجر، ورفع روحهن المعنوية"، تؤكد رجاء بنوت.

تقول رجاء، "غناء المقاطع الثراثية في قالب كورال هو تدريب على العمل الجماعي الذي نحن بحاجته في مجتمعات محكومة من ديكتاتوريات تعودت على الإيثار الذاتي التي كرسها الحكام والمسؤولين في بلداننا". جاءت فكرة الكورال لدمج كل الأصوات مع بعضها وتأدية المقطع بنفس الطبقة لأجل الحصول على صوت موحد وقوي "وهو تمرين جيد جدا يدربنا على فكرة القوة في الاتحاد"، تقول المتحدثة.

النجاح الذي حققه الكورال منذ أول عروضه، جعل اللاجئات السوريات اللواتي ساهمن في تأسيس الفكرة، يقدمن على تأسيس فروع للكورال في مختلف المدن الأوروبية حيث انتقلن خلال إعادة توطينهن، وعند اضطرار رجاء بنوت العودة إلى برلين حيث تقطن رفقة أسرتها، أسست هناك فرعاً كما فعلت لاجئات أخريات في مدن أخرى ألمانية وأوروربية، ومن بينهن آيتان التي أسست فرعا لللكورال في دورتموند.

لماذا الكورال؟

حسب صاحبة الفكرة فـ"الناجيات من أهوال الحرب كن في حاجة للتفريغ عن الصدمة التي زادها رفض المجتمعات المستقبلة"، ولعل التمييز على المستوى المجتمعي بسبب "ربط سمعة المهاجرين واللاجئين بالإرهاب خطأ كبير حدث ويستمر، وهذه النظرة الجماعية والوصم يصعب على الناس الاندماج"، تقول رجاء.


اللاجئات السوريات المشاركات في أنشطة الكورال الفنية (صورة خاصة )
اللاجئات السوريات المشاركات في أنشطة الكورال الفنية (صورة خاصة )

العمل عبر الكورال بالنسبة لرجاء "فرصة لنبرز أننا قادرات على خلق تواصل ثقافي، وآلية لتوضيح الصورة عن عذاب التهجير"، كما أنها تبقى محاولة للاندماج عبر الفن والموسيقى من مهاجرات ولاجئات مستعدات للاندماج والتميز.

وحسب آيتان، مؤسسة فرع كورال حنين في دورتموند، فـ "تأسيس فروع في مختلف المدن والدول، سيساهم في خدمة فكرة اندماج السوريات أينما تواجدن". ويتم ذلك عبر الاجتماع دوريا والتدريب والمشاركات في مختلف الأنشطة الثقافية "فرسالتنا السلام وهدفنا الدعم النفسي لكل النساء السوريات اللاجئات، فالكورال كان مكاناً للترويح عن النفس والتعبير عن شوقنا للوطن".

وتؤكد ندى بدورها أن النساء السوريات أردن عبر الموسيقى إحياء الثراث السوري في غربتهن، وأن "انتشار الفكرة والاستمرار فيها بمختلف الدول الأوروبية يعبر عن صدق حبنا للوطن وأملنا في غد أفضل".

ماجدة بوعزة

 

للمزيد