محاولات الهجرة غير النظامية من تونس بلغت مستويات غير مسبوقة خلال الأشهر الماضية. أرشيف
محاولات الهجرة غير النظامية من تونس بلغت مستويات غير مسبوقة خلال الأشهر الماضية. أرشيف

شهدت السواحل التونسية خلال الأشهر الماضية ازديادا ملحوظا بأعداد قوارب المهاجرين المغادرة باتجاه أوروبا. مهاجرون من دول أفريقيا جنوب الصحراء وتونسيون، جميعهم يسعون لمغادرة البلاد التي تعاني من أزمات سياسية واجتماعية، يضاف إليها أزمة اقتصادية خانقة زادت من آثارها إجراءات مكافحة جائحة كورونا.

سجلت السواحل التونسية أمس الثلاثاء سلسلة من الحوادث المأساوية المرتبطة بالهجرة، حيث لقي نحو 40 شخصا حتفهم نتيجة انقلاب قاربهم، في حين تم إنقاذ أكثر من 160 آخرين.

الخبر لم يعد غريبا عن المتابعين لشؤون الهجرة في المتوسط، فتونس باتت مؤخرا إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية لقوارب المهاجرين الساعية لبلوغ السواحل الأوروبية. ولعل الأمر الأبرز في ذلك هو ارتفاع أعداد التونسيين من ضمن أولئك المهاجرين.

للمزيد>>> خلال 24 ساعة فقط.. وصول أكثر من 600 مهاجر إلى سواحل لامبيدوزا الإيطالية

مفوضية اللاجئين كانت قد أحصت وصول 5,685 مهاجرا إلى السواحل الإيطالية منذ مطلع 2021 وحتى السابع من آذار\مارس الجاري، أكثر من 1500 منهم جاؤوا من تونس. وتلك النسبة تعتبر ضعف مثيلتها التي سجلت خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

ارتفاع بأعداد المهاجرين من دول جنوب الصحراء

من جهته، أكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية "الزيادة الملحوظة" بأعداد المهاجرين المغادرين للسواحل التونسية. وأورد المنتدى في أحد تقاريره أنه منذ بداية 2021، تم اعتراض 94 قاربا لمهاجرين قبالة سواحل البلاد، كما تم توقيف 1,736 مهاجرا. وتلك الأرقام تمثل ضعف مثيلاتها خلال الفترة نفسها من 2020.

ووفقا للمنتدى، يشهد فصل الشتاء، عندما يكون العبور أكثر خطورة وأقل كلفة، ارتفاعا بنسب المهاجرين الأجانب، أي من غير التونسيين. ففي كانون الثاني\يناير وشباط\فبراير، وصلت نسبة الموقوفين من المهاجرين الأفارقة من دول جنوب الصحراء إلى 54,9%.

للمزيد>>> ليبيون وجزائريون وتونسيون على طريق الهجرة

كما سجل خلال العامين الماضيين ارتفاعا ملحوظا بأعداد المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

لكن، وبحسب المنظمة غير الحكومية، يبقى التونسيون يمثلون العدد الأكبر من الواصلين إلى السواحل الإيطالية انطلاقا من تونس.

55% من المهاجرين المغادرين للسواحل التونسية هم من غير التونسيين

رمضان بن عمر، الناطق باسم المنتدى، قال إن تلك الزيادة "مرتبطة بشكل أساسي بتدهور الأوضاع الاجتماعية، يضاف إليها انتشار جائحة كورونا".

وحول ارتفاع أعداد القوارب المغادرة للسواحل التونسية، قال بن عمر لمهاجر نيوز "في شباط/فبراير الماضي، حدثت 30% من عمليات اعتراض المهاجرين قبل مغادرتهم إلى البحر، و70% حدثت في البحر. وهذا الرقم آخذ في الازدياد أيضا، ففي كانون الأول/ديسمبر 2020، 48% من عمليات اعتراض المهاجرين حصلت في البحر، في حين تم تسجيل نسبة 52% منها على اليابسة، قبل مغادرتهم باتجاه السواحل الأوروبية".

أما بالنسبة لأعداد المهاجرين الأجانب مقارنة بنظرائهم التونسيين، يقول المتحدث باسم المنتدى "منذ مطلع 2020، وصلت نسبة المهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء إلى 54.9% مقارنة بالتونسيين. في حين كانت النسبة خلال العام الماضي 31% فقط".

يجب أن نذكر أنه خلال شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/فبراير، غالبا ما ترتفع أعداد المهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث يعزف التونسيون عن الإبحار خلال هذه الفترة بسبب الأحوال الجوية السيئة.

عنصر آخر يجب ذكره بالنسبة إلى القادمين من جنوب الصحراء، وهو أن تكلفة العبور خلال هذه الفترة عادة ما تكون منخفضة مقارنة بباقي أشهر السنة.

أزمة سياسية واقتصادية تبعها أثر جائحة كورونا الكارثي

وتحدث بن عمر عن الظروف في البلاد التي أدت إلى ارتفاع أعداد المهاجرين بهذا الشكل مؤخرا، "شهدت تونس خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير اضطرابات سياسية واجتماعية، وعمت الاحتجاجات عدة مناطق من البلاد. نتيجة لذلك قامت السلطات بتركيز جهودها على محاولة حفظ الأمن في المناطق المضطربة، خاصة في الأحياء الخاصة بالطبقة العاملة، لذا تم التخلي عن مكافحة شبكات التهريب".

وأضاف" بطبيعة الحال استغل المهربون تلك الظروف، وقاموا بتكثيف أنشطتهم".

وأورد "سبب رئيسي آخر هو تأثير جائحة كوفيد، خاصة على تجمعات المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء، حيث يعمل معظمهم في قطاعات خاصة ويومية، مثل البناء والمقاهي والمطاعم...".

للمزيد>>> ارتفاع عدد المهاجرين التونسيين الوافدين إلى إيطاليا في 2020 إلى خمسة أضعاف

"نتيجة إجراءات مكافحة الجائحة (حظر التجول من الساعة 10 مساء، إغلاق الحانات والمطاعم أبوابها في الساعة 8 مساء وتقليصها من قدرتها الاستيعابية إلى 30% فقط)، فقد معظم هؤلاء وظائفهم. فالمواطنون التونسيون ممن تضرروا من تلك الإجراءات حصل على معونات مادية من الدولة، في حين أن هؤلاء المهاجرين كانوا محرومين من تلك المساعدة، وبالتالي باتت الهجرة طريقهم الوحيد".

مآسي متكررة

ولم يخف بن عمر قلقه من أن تؤدي كل تلك الظروف إلى ارتفاع أعداد حوادث الغرق في المتوسط، خاصة قبالة السواحل التونسية، "كل ما سبق يساهم بوقوع مآس كالتي شهدناها يوم الثلاثاء الماضي، في ظل صمت تام من جانب السلطات التونسية. ما يحدث على سواحلنا يرجع جزئيا إلى الوضع في تونس، وأيضا إلى سياسة الهجرة التي تتبعها الدول الأوروبية، التي قامت بإغلاق كافة الطرق بوجه المهاجرين... تونس تلقت مساعدات مادية ولوجستية منذ سنوات من أجل مراقبة السواحل، لكن الغرض الرئيسي من تلك المساعدات هو اعتراض قوارب المهاجرين ومنعهم من العبور".

وختم قائلا "مع الأسف يمكننا توقع حدوث المزيد من هذه المآسي في الأيام القادمة".

 

للمزيد