كثيرا ما تنتشر معلومات مضللة عن المهاجرين في الجزر اليونانية. رويترز
كثيرا ما تنتشر معلومات مضللة عن المهاجرين في الجزر اليونانية. رويترز

ملحمة اللجوء والهجرة في اليونان لم تنته بعد، مآس هائلة احتضنتها البوابة الرئيسية لمئات الآلاف من المهاجرين وطالبي اللجوء الفارين من الحروب والاضطهاد في بلادهم. قصص المهاجرين هناك لا تخلو من تفاصيل حولت حياتهم إلى جحيم متكامل، بين الإجراءات الإدارية ويوميات المخيمات. يضاف إليها قاسم مشترك بين معظمهم وهو عدم تمكنهم من الوصول إلى المعلومات المتعلقة بملفات لجوئهم. مهاجر نيوز ينشر في ما يلي شهادتين تلخصان معاناة المهاجرين خلال سعيهم للحصول على اللجوء، وحوادث "غريبة" بالنسبة لهم حصلت ولم يتمكنوا من إيجاد تفسيرات لها.

مشرق جبار، شاب عراقي وصل إلى اليونان في 2018 حيث طلب اللجوء. وفقا للشاب الذي تواصل مع مهاجر نيوز، حددت السلطات له موعدا لمقابلة طلب اللجوء في 2022، أي بعد أربعة سنوات من تاريخ وصوله اليونان. يشكو مشرق من قلة المعلومات المتوافرة لديه، ويبدي قلقه حيال مستقبله.

بقيت سبعة أشهر وأنا أنتظر في المخيم، لم أصدق ما يحصل معي، الضغط النفسي كان رهيبا. حاولت الانتحار، فأودعوني مستشفى خاصا بالأمراض النفسية.

يقول مشرق: وصلت إلى سالونيك في اليونان بعد عبور نهر إيفروس، قادما من تركيا. كان ذلك في تشرين الثاني\نوفمبر 2018. بقيت مدة في مخيم ديافاثا بانتظار أن يتم أخذي إلى الشرطة لطلب اللجوء، لكن بدلا من ذلك وصلتني ورقة تسمح لي بالبقاء على الأراضي اليونانية لمدة ستة أشهر، على أن أغادر خلال تلك الفترة.

بقيت سبعة أشهر وأنا أنتظر في المخيم، لم أصدق ما يحصل معي، الضغط النفسي كان رهيبا. حاولت الانتحار، أودعوني مستشفى خاصا بالأمراض النفسية. بعد فترة من العلاج، أخرجوني من المستشفى.

مقابلة عام 2022!

عدت إلى المخيم لأستلم إشعارا بموعد لدى دائرة الهجرة في سالونيك للحصول على ورقة الإقامة. أدليت بكافة المعلومات وأعطيتهم كل الأوراق التي طلبوها. حصلت على الورقة ومعها إشعار بأن موعد مقابلتي لطلب اللجوء سيكون عام 2022.

لا يمكن تخيل صدمتي حينها وأنا أستلم إشعارا رسميا يفيد بموعد علي حضوره بعد نحو ثلاث سنوات.


راجعت دوائر اللجوء، المنظمات الإنسانية، المجموعات المناصرة للاجئين، لم أتمكن من الحصول على أجوبة أو مساعدة لتقديم موعدي. طبعا حينها كنت أشعر وكأن العالم انتهى، فأنا رسميا مرهون للسطات اليونانية، لا أملك شيئا، حرفيا، حتى أوراقي الرسمية لديهم. ارتفعت وتيرة الضغط النفسي وبدأت أصاب بنوبات عصبية، وضعي الصحي بدأ بالتدهور وأنا أراقب أيامي تمضي دون أي أمل.

كانوا يحولوني من فندق لآخر، من منطقة لأخرى. بعد عدة أشهر راجعت دائرة اللجوء في أثينا، بعد أن قالوا لي في سالونيك أن ملفي أصبح هناك. ذهبت إلى أثينا وتوجهت إلى كاتاخاتي، مكان وجود دائرة الهجرة، قالوا لي إن الموعد صحيح وإنه علي الانتظار حتى 2022، لكنهم لن يتمكنوا من مساعدتي قبل حصولي على رسالة من سالونيك.

العودة إلى المخيم

عشت في دوامة صعبة، أسابيع عدة وأنا أتنقل بين أثينا وسالونيك إلى أن انتهى عقدي في في الفندق الذي كنت أقيم فيه في أماريتوس. حينها قالوا لي إن نظام الاستقبال في الفنادق انتهى وإنه علي الانتقال إلى أحد المخيمات.

اجتاحني الرعب وقتها، فأنا قد هربت من العراق بسبب نشاط سياسي معين، ولدي أفكار لا تروق لمجموعات مصنفة بأنها متطرفة. ماذا لو صادفت أحد أعضاء تلك المجموعات في المخيم؟ ماذا لو تعرف علي أحدهم؟

للمزيد>>> "فجأة فتحت الأبواب وهاجمنا رجال الشرطة بكل قوتهم".. مهاجرون في مركز احتجاز في اليونان يروون قصتهم

تواصلت مع منظمات إنسانية وحقوقية، شرحت لهم وضعي، دون أي فائدة. لم أتمكن من الحصول على المساعدة التي أريدها. حاليا أنا متواجد في مخيم كورينتوس وسط البلاد. بالكاد أخرج من غرفتي، المحامية التي تتابع قضيتي لا معلومات لديها إطلاقا عن حالتي. أمضي أيامي بتناول وجبات الطعام وأخذ أدويتي والنوم.

قبل نحو ثلاثة أسابيع، اقتحمت الشرطة خيمة عائلتي، اعتقلوا أبي وأمي وكبلوهما بالأصفاد، واقتادوا أخوتي الصغار إلى خارج الخيمة. أخذوهم جميعا إلى المخيم المغلق. 

في ما يلي قصة عبد الله، وهو مهاجر عراقي أيضا، تعرضت عائلته في مخيم جزيرة كوس للتوقيف والحجز في الجزء المغلق من المخيم، حيث عرضت عليهم السلطات هناك العودة الطوعية مقابل بدل مادي. مثل مشرق، لا يملك عبد الله أي معلومات إضافية حول وضع عائلته الحالي أو السبب الذي دفع بسلطات المخيم لانتقائهم وعرض العودة الطوعية عليهم.

عودة طوعية "إجبارية"

يقول عبد الله: قصتي تختصر شعور المهاجرين أجمعين بالعجز وعدم القدرة على حماية عائلاتهم.

اسمي عبد الله، 22 عاما، هربت وعائلتي من العراق، أمي وأبي وثلاث أخوة قاصرين. لم يكن أمامنا حلول أخرى، فقد كنا مهددين بالقتل بسبب صراعات قبلية في منطقتنا لا ناقة فيها ولا جمل.

وصلنا إلى اليونان مطلع عام 2019، إلى جزيرة كوس. مباشرة تقدمنا بطلب لجوء، فلم نكن نطمح سوى للبقاء في مكان آمن بعيد عن الخطر.

أقمنا في مخيم كوس، وكنا نعيش على حسابنا. أردنا أن نظهر لليونانيين أننا لا نريد أن نكون عالة عليهم.

للمزيد>>> عائلة لاجئة في أثينا...تستبدل قناني البلاستيك مقابل التعليم

الحياة كانت تسير برتابتها المعهودة في المخيم، فهناك مامن أشياء كثيرة يمكنك القيام بها. قبل بضعة أشهر حصلت على ورقة الإقامة في اليونان، فكوني راشد تقدمت بطلب لجوء منفصل عن أهلي. توجهت إلى أثينا للحصول على الورقة والبحث عن وسائل تعيلني وعائلتي عندما يحصلون على رقتهم. لكن الرياح جرت بغير ما اشتهينا.

"اعتقال عائلتي وإيداعهم المخيم المغلق"

قبل نحو ثلاثة أسابيع، اقتحمت الشرطة خيمة عائلتي، اعتقلوا أبي وأمي وكبلوهما بالأصفاد، واقتادوا أخوتي الصغار إلى خارج الخيمة. أخذوهم جميعا إلى المخيم المغلق. خطوة لم أفهمها ولم أعرف سببها. سكان المخيم استاؤوا جدا مما حصل لكن ما بيدهم حيلة.

في المخيم المغلق، جاء أحد عناصر الشرطة وقال لأبي إن طلب لجوئهم تم رفضه، وإنهم كسلطات يعرضون عليهم العودة الطوعية إلى العراق مقابل بدل مادي. طبعا رفض أبي ذلك كوننا هربنا من التهديد بالقتل، فكيف يعقل أن نعود إلى حتف مؤكد؟.

للمزيد>>> "أعرف البيوت التي نزلت بها... أذكر وجوه الناس الذين قابلتهم وأشكرهم لما قدموه لي من مساعدة"

رفضت عائلتي عرض الشرطة، فقالوا لهم إنهم لا يملكون الكثير من الحلول وإنه عليهم العودة. وإلى حين ذلك، سيبقونهم قيد الاحتجاز في المخيم المغلق.

"العودة إلى العراق تعني الموت"

طبعا العودة الطوعية تحتاج لموافقة طالب اللجوء، وبالتالي حتى الآن لا يمكن إعادة عائلتي إلى العراق. لكن في هذه الظروف ما من ضامن لذلك. أعود وأقول، إن عدنا إلى العراق فالموت بانتظارنا.

ناشدت عدة منظمات إنسانية يونانية للتدخل والمساعدة، لكن لم يتمكنوا من فعل شيء. ما هو ذنب عائلتي؟ ما الذي اقترفوه لتتم معاملتهم بهذه الطريقة؟ أشعر بالحزن والغضب في آن وأنا بعيد لا يمكنني القيام بشيء لمساعدتهم.

وسط كل هذا اليأس، لم يكن أمامي سوى التوجه إلى الإعلام، عل أحد ما تصله هذه القصة ويتمكن من التدخل للمساعدة فيها.

 

للمزيد

Webpack App