حامد المدثر، مهاجر سوداني في كاليه
حامد المدثر، مهاجر سوداني في كاليه

حامد المدثر، مهاجر سوداني وصل إلى فرنسا في 2015، تواصل مع مهاجر نيوز ليروي جزءا من تجربة على طريق الهجرة، ويفصح عن القناعات التي تكونت لديه بفعل تلك التجربة.

اسمي حامد المدثر، 30 عاما، وصلت إلى فرنسا عام 2015، ومن حينها وأنا في حالة ترحال دائمة.

أنهيت دراستي الجامعية في السودان. تخصصت في مجال الاقتصاد الزراعي ولاحقا حصلت على شهادة أخرى في مجال تقنية المعلومات.

في الجامعة بدأت نشاطي السياسي. كنت معارضا للنظام الحاكم القائم بوقتها. كان لدينا أمل كبير بالتغيير. بعد التخرج، عملت في الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي (منظمة عربية تعنى بالاستثمار والإنماء الزراعي). لم يطل الوقت قبل أن بدأت بالتعرض لمضايقات بسبب آرائي السياسية، فكانت الهجرة هي الحل.

للمزيد>>> مهاجر في كاليه: "ليفتحوا لنا الطريق إلى بريطانيا، ولنموت غرقا أو بردا هذا لا يهم"

تركت السودان في نيسان\أبريل 2015 إلى فرنسا، تقدمت بطلب لجوء ورفضت. ذهبت إلى ألمانيا وأعادوني إلى فرنسا بسبب مفاعيل اتفاق دبلن. حينها طلب مني الفرنسيون مغادرة البلاد خلال 24 ساعة، فما كان أمامي إلا العودة إلى ألمانيا، فأعادوني بدورهم مرة أخرى إلى فرنسا. تقدمت بطعن على قرار رفض لجوئي حينها، وأيضا رفض طلبي.

جربت حظي بالذهاب إلى بلجيكا، فحينها كانت العودة إلى السودان مستحيلة بالنسبة لي، أيضا لم أوفق، أعادوني إلى فرنسا.

بقيت على ذلك الحال إلى أن قررت التوجه إلى بريطانيا، فكانت كاليه هي الوجهة المثلى لذلك.

مطلع 2020 وصلت إلى كاليه وكلي أمل بالنجاح في العبور إلى بريطانيا. لكن الكلام سهل مقارنة بالتطبيق.

مشكلة اللغة

خلال شتاء 2020، قامت السلطات بنقلنا إلى مراكز إيواء مؤقتة تفاديا للصقيع. لا يمكنني القول بأن تلك التجربة كانت سيئة بالمجمل، فأحيانا كنت أشعر بالتمييز أثناء معاملة المعنيين لنا داخل تلك المراكز. المشكلة الأساسية تكمن في حاجز اللغة، فمعظمنا هنا لا نتكلم الفرنسية، في حين لا نجد مترجمين لدى السلطات يمكنهم نقل آرائنا ومعاناتنا بشفافية. الحالة الوحيدة التي يمكن أن يتاح لأي مهاجر الحصول فيها على مترجم هي عند التوقيف لدى الشرطة.

للمزيد>>> المهاجرون في كاليه ضحايا "دوامة عنف لن تولد سوى المزيد من الأحزان والغضب"

مشكلة اللغة مثلت عائقا أيضا أثناء عمليات إخلاء الشرطة شبه اليومية لمخيماتنا، فغالبا ما كانوا يقولون لنا أشياء لم نفهمها، فضلا عن أنهم، باعتقادي، لا يعرفون لماذا نحن هنا. مشكلة التواصل بين المهاجرين والسلطات باعتقادي هي العائق الرئيسي، فلو كان لدينا مترجم، لكنا اليوم على دراية بما يريدونه منا، فضلا عن الحقوق المتاحة لنا والتي لا نعرف عنها شيء.

"الاغتسال للمحظوظين"

إجمالا الوضع في كاليه سيء للمهاجرين. إخلاءات الشرطة شبه اليومية ونقص الخدمات يضعنا تحت ضغط نفسي هائل. أعرف الكثير من المهاجرين هنا ممن باتوا مرضى نفسيين، وهل من يلومهم على ذلك؟ هم يراقبون أيام حياتهم تفلت من بين أيديهم دون أن يتمكنوا من القيام بشيء. مستقبل غامض وواقع سيء.

بالنسبة إلى الخدمات، قبل الحجر الأول في آذار\مارس 2020، كان للجمعيات نقاط ثابتة في كاليه، كنا نتوجه إليها للحصول على الطعام وغيره، لكن مع الإجراءات الجديدة ومطاردة الشرطة وعدم تمكننا من الثبات في موقع واحد ليومين متتاليين، أجبرت تلك الجمعيات على تشكيل دوريات تتجول في أنحاء المدينة بحثا عن المهاجرين لمساعدتهم.

أما بالنسبة للاغتسال ودورات المياه، هناك عدة نقاط في المدينة أنشأت فيها السلطات حمامات عمومية، لكنها غير كافية، عدا عن أنها بعيدة بالنسبة لنا، إذا علينا السير فترة زمنية من أجل قضاء حاجاتنا. وللاغتسال، هناك حافلة واحدة تأتي عند السابعة من صباح كل يوم إلى نقطة محددة، تأخذ عددا من المهاجرين للاغتسال في مقر بعيد نسبيا أمنته السلطات، ما يعني أن الباقين عليهم الانتظار، والمحظوظ سيتمكن من الحصول على حمام في اليوم التالي. 

كل ما سبق وضعني أمام قناعات جديدة. قبل خروجي من السودان، كنت أعتقد أن أوروبا جنة على الأرض، منبع الإنسانية، لكن الواقع مغاير للأسف، صدمت بالحقيقة. فضلا عن حالتي الآنية، أتابع الأخبار في البلقان والمجر واليونان، ما يحصل مع المهاجرين هناك غير مقبول، هل هذه هي إنسانية أوروبا التي حلمنا باللجوء إليها؟.

"نعيش عصر عبودية"

قبل نحو أربعة أشهر تقدمت بطلب إلى الفرنسيين للعودة الطوعية إلى السودان، لم أعد أرغب بإكمال هذه المهزلة. خلال رحلتي هذه تكشفت لي حقائق ووقائع كثيرة عن الهجرة، خاصة إلى أوروبا، وأتمنى أن تصل إلى جميع من يريدون المجيء إلى هنا. لقد اكتفيت وما عدت قادرا على المتابعة. طوال هذه المدة تعززت لدي قناعة بأننا مازلنا نعيش في عصر العبودية، مئات الآلاف من المهاجرين متروكين لمصيرهم، هل يتوقعون أن يختفوا في يوم من الأيام؟.

عندما أعود إلى السودان، سأقوم بما بوسعي لفضح ما تعرضنا له هنا. أعمل على كتابين حاليا أسرد فيهما جزءا من معاناة المهاجرين في أوروبا، الأول يتحدث عن رحلتي ورحلات آخرين، والآخر يتحدث عن الثروة ووهم الإنسانية وضحاياها من اللاجئين في أوروبا. لا أريد لرحلتي هذه أن تذهب هباءا، أريد للجميع أن يعرفوا ما عليهم توقعه إن قرروا المجيء.

وفي النهاية، لا بد لي من القول إن الخطأ ليس من السياسات الأوروبية، بل منا نحن المهاجرين. فلو تمكنا من التواصل مع بعضنا في بلادنا لبنائها بشكل جيد لما كنا وصلنا إلى هذا الحال. في ما مضى كانت أوروبا تعاني من نفس مشاكلنا الحالية، لكنهم قدموا التضحيات لبناء بلادهم، بينما نحن هاجرنا لنعيش كالعبيد. تجربتي وتجارب أصدقائي في العديد من دول العالم أوصلتني إلى هذه القناعة.

وفي الختام أريد أن أوجه كلمة للسياسيين الغربيين، ماذا لو كنتم في موقعنا، يا ترى كيف سيكون رد فعلكم؟

 

للمزيد