أجبر النزاع الدامي نصف سكان سوريا البالغ عددهم قرابة 22 مليون على مغادرة منازلهم، في أكبر موجة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية.
أجبر النزاع الدامي نصف سكان سوريا البالغ عددهم قرابة 22 مليون على مغادرة منازلهم، في أكبر موجة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية.

مع استمرار الحرب في سوريا منذ عشر سنوات، تستمر معاناة السكان وتتفاقم. ومع فقد حوالى 600 ألف شخص حياتهم حتى الآن، تشعر منظمات الإغاثة بالعجز والإحباط بسبب سياسة العقوبات غير المجدية، والتي ضحيتها المدنيون.

عندما بدأت الاحتجاجات في سوريا في منتصف آذار/ مارس 2011 ضد الفساد المستشري في جهاز الدولة وحكومة بشار الأسد، لم يكن أحد يتصور أن هذه الاحتجاجات ستثير واحدة من أكبر وأطول الأزمات الإنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد مر على هذه الأزمة عشر سنوات دون أن تلوح في الأفق نهاية لها، كما تفاقم الوضع الإنساني للسكان هناك خاصة منذ بدء جائحة كورونا.

حصيلة هذه الحرب مرعبة، مقتل نحو 600 ألف شخص، وفقاً للتقديرات الدولية، كما أن الحرب في سوريا شردت الملايين، واضطرت العديد من الدول لمواجهة تحديات اللجوء السوري، لا سيما الدول المجاورة ودول الاتحاد الأوروبي، فهناك ما يقرب من 13 مليون سوري هُم حالياً نازحون داخل وخارج سوريا، منهم أكثر من 5 ملايين طفل، وفقاً لليونيسيف.

وتشير يونيسف إلى أنه حتى مع الانخفاض المفترض في حوادث العنف في العديد من المناطق في سوريا، فإن الأوضاع المتأزمة ما زالت تراوح مكانها. فعلى سبيل المثال، يعيش حوالي 80 في المئة من السوريين في فقر مدقع ويعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة. هذا العجز المستمر يواجهه نقص في المساعدات والتبرعات، وبنظرة واعية للساحة الأوروبية فإن حجم التبرعات يظهر الاهتمام المتواضع من قبل أوروبا، فمن حوالي وعود التبرع بمليارات اليورو لتوفير الدعم الحيوي والمساعدة للسكان، لم تبلغ حجم المساعدات المالية الفعلية حتى نصف المبالغ التي تم الوعد بها.

"وإلا فإننا نقول نعم للتجويع والموت"!

ويدرك السياسيون حجم الفجوة التمويلية جيداً، كما يتضح من الدعوة التي أجراها مؤخراً وزير التنمية الألماني غيرد مولر. وكتب مولر في مقال افتتاحي لصحيفة "فيلت آم زونتاغ": الألمانية "يجب أن تكون هذه الذكرى العاشرة المروعة دعوة للمجتمع الدولي لإظهار التضامن الدولي"، داعيا جميع الدول المشاركة في مؤتمر سوريا المقرر أن يعقد في نهاية الشهر الجاري إلى تكثيف جهودها. مؤكدا أن "إن تغطية النقص المالي هي أقل ما يجب أن يساهم به المجتمع الدولي الآن. وإلا فإننا نقول نعم للتجويع والموت". كما يتعين على الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي الضغط من أجل توسيع نطاق إدخال المساعدات إلى سوربا. ووصف مولر الذكرى العاشرة للصراع السوري بأنه "يوم مرعب". وذكر أن ألمانيا قدمت 2,2 مليار يورو (2,6 مليار دولار) للدولة التي مزقتها الحرب العام الماضي.

كما دعا إلى محاولة جديدة لحل سياسي للصراع. وشدد على أنه "يتعين على الأمم المتحدة، وكذلك الاتحاد الأوروبي، اتخاذ إجراءات حاسمة في هذا الصدد"، بيد أن الاقتصاد الوسيلة الجادة الوحيدة التي يستخدمها الغرب ضد الرئيس الأسد، فانتعاش التجارة والتعاون مع الدول المحيطة ستقود إلى انتعاش نظام الأسد. لكن منظمات الاغاثة الدولية تشكك في أن إنعاش الاقتصاد سينعش من قوة النظام السوري فعلا، ويعتقدون أن مساعدة الناس هناك هو أمر ضروري من أجل التخفيف من معاناة المواطنين.

الزراعة إحدى أكثر القطاعات تأثرا بالحرب في سوريا وكادت أن تنتهي بسبب الحرب والجفاف
الزراعة إحدى أكثر القطاعات تأثرا بالحرب في سوريا وكادت أن تنتهي بسبب الحرب والجفاف

سياسة عقوبات غير مجدية

وبحسب مارتن بروكلمان-سيمون، المدير التنفيذي لوكالة التنمية الكاثوليكية "ميزيور" فإن الغرب يقف أمام معضلة حقيقية، فمن جهة تريد المؤسسات الدولية مساعدة الناس في سوريا، لكن من جهة أخرى لا تريد أن تقوي من شوكة النظام". ويرى بروكلمان-سيمون أن وصول المنظمات الدولية إلى توازن هو أمر صعب حاليا، فبالرغم من الخوف من أية مكاسب قد يحققها النظام، فإن "السكان هناك يعانون بشكل مضاعف، في ظل الدكتاتورية الوحشية والمصاعب المادية".

كما ناشدت الجمعية الخيرية الكاثوليكية الدولية مؤخرا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تخفيف العقوبات على وجه السرعة. حيث ساهمت هذه العقوبات في ايجاد عقبات أمام تحويل الأموال واستيراد السلع الإنسانية والمساعدات. فعلى سبيل المثال يحظر النظام المصرفي الأوروبي IBAN والأمريكي سويفت أية تحويلات تتعلق بسوريا. ونتيجة لذلك، لا تستطيع وكالات المعونة ببساطة إرسال الأموال لمساعدة السكان المحتاجين.

وقالت الباحثة السورية ريم تركماني من كلية لندن للاقتصاد إن "النظام في دمشق مطلع على العقوبات الغربية وقادر على التعامل معها". وفي دراسة حديثة، أظهرت تركماني المؤسسة المشاركة للائتلاف المدني السوري كيف يمكن للشركات الكبيرة والأسر القريبة من الحكومة أن تستفيد من العقوبات، في حين أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم والقطاع الزراعي قد مات.

وقالت تركماني إن الرعاية الطبية تتأثر أيضاً. حيث أن العديد من التجهيزات الطبية والتقنية الموجودة في المستشفيات السورية، لم تتمكن من تلقي تحديثات البرامج المناسبة بسبب العقوبات. وتابعت "الناس يعانون ويموتون بسبب هذه العقوبات. إنهم لا يساعدون السوريين بفرضها". ولا ترى تركماني ضرورة لإلغاء العقوبات بشكل كامل بل يجب تغييرها من أجل أن تصبح أكثر فعالية. 

علاء جمعة ( ك ن ا)

 

للمزيد

Webpack App