أبو القاسم آدم إدريس، مهاجر سوداني كان في ألمانيا واختار العودة الطوعية إلى بلاده
أبو القاسم آدم إدريس، مهاجر سوداني كان في ألمانيا واختار العودة الطوعية إلى بلاده

أبو القاسم إدريسي عبدالله، مهاجر سوداني سابق آثر العودة الطوعية إلى بلاده من ألماني، بعد أن مكث نحو ثلاث سنوات على طريق الهجرة دون أن ينجح بالحصول على حق اللجوء. عقب عودته، باشر المهاجر الشاب البالغ من العمر 32 عاما استصلاح الأرض التي ورثها عن والده، وهو حاليا بصدد تطوير مشروعه الزراعي، الذي وفقا لتعبيره ما كان ليتحقق "لولا رحلة الهجرة والخيارات التي اتخذتها والمهارات التي اكتسبتها". في ما يلي قصة أبو القاسم.

خرجت من السودان في 2015، لم يكن أمامي الكثير من الخيارات، فقد كنت ملاحقا بسبب نشاطي السياسي المعارض للنظام القائم حينها. الوجهة كانت أوروبا، لم يكن لدي بلد محدد أتوجه إليه، فقط فكرة الذهاب إلى بلد أتمكن فيه من الحياة بحرية وكرامة وأحظى بفرصة لتحقيق حياة كريمة.

من السودان إلى مصر فإيطاليا ففرنسا. مكثت في كاليه أربعة أشهر وأنا أحاول الوصول إلى بريطانيا. لم يحالفني الحظ، وكنت أخشى من ضياع الوقت. تمكنت من تدبر طريقي إلى ألمانيا.

في هامبورغ في ألمانيا تقدمت بطلب لجوء. حينها كانت نسبة قبول طلبات السودانيين متدنية جدا كون السلطات الألمانية كانت تعتبر السودان بلدا آمنا. بعد سنتين من الانتظار جاءني الرفض. لم أتردد بعدها، اتخذت قراري بالعودة إلى السودان، لم أرد أن أكرر تجارب الكثيرين قبلي وأضيع سنوات حياتي بانتظار شيء قد لا يتحقق.

توجهت إلى مقر مفوضية اللاجئين في هامبورغ، قلت لهم إنني أريد العودة الطوعية إلى السودان. في البداية رفضوا وقالوا لي إن حياتي ستكون مهددة هناك، لم أستسلم، أصريت على طلبي، فوافقوا.

توجه معي أحد موظفي المفوضية الألمان إلى برلين حيث تقدمت بطلب تأشيرة طوارئ من السفارة السودانية. حصلت عليها وبعدها بأيام قليلة كنت على متن طائرة أقلعت من مطار فرانكفورت مباشرة إلى الخرطوم.

العودة إلى المنطلق

كانت أفكاري مشتتة بعض الشيء، فأنا أردت العودة إلى بلادي لكنني لم أكن متأكدا من العواقب.

في مطار الخرطوم تم اقتيادي إلى إحدى غرف التحقيق التابعة لجهاز الأمن. قلت لهم كل شيء، وأخبرتهم بأني عدت بملء إرادتي، لكن العقبة الوحيدة كانت المذكرة الأمنية الصادرة بحقي. دون الدخول بالمزيد من التفاصيل، تمكنت من إقناع المحققين بالسماح لي بالخروج، وهذا ما حصل.

مباشرة توجهت إلى ولاية الجزيرة، إلى منزل أهلي. لم أرد تضييع المزيد من الوقت، فلحظة وصولي السودان بدأت مشاريعي ومخططاتي ترسم في مخيلتي.

أبو القاسم آدم إدريس، مهاجر سوداني كان في ألمانيا واختار العودة الطوعية إلى بلاده
أبو القاسم آدم إدريس، مهاجر سوداني كان في ألمانيا واختار العودة الطوعية إلى بلاده


كنت قد ورثت عن أبي بعد وفاته قبل بضعة سنوات أرض، نحو 20 فدانا، كانت تلك نقطة تركيزي. بدأت مباشرة بالعمل على استصلاحها وإصدار الأوراق اللازمة لذلك. تقدمت بطلب قرض من المصرف الزراعي السوداني، ورويدا رويدا عادت الأرض للحياة من جديد. في البداية زرعت نحو ربعها قطنا، وأرباح المحصول استخدمتها لتطوير المزروعات وتوسيع المشروع.

بداية النجاحات

تزوجت في 2019، ورزقت بابنة تنير أيامي. مشروعي الزراعي بدأ بالتطور. وظفت شخصين للعمل معي في الأرض، ولاحقا اشتريت جرارا زراعيا ومحراثا، إضافة إلى خمس بقرات.

لاحقا تطور نشاطي الزراعي، فبت أزرع الآن القمح والفول والحمص والفاصولياء... ومازال أمامي الكثير لإنجازه، فحلمي في بداياته وطموحي لا يعرف حدودا.

طبعا كل هذا لم يأت من فراغ، فتجربتي في أوروبا علمتني الكثير. لا يمكنني القول بأني فشلت في أوروبا، فما تعلمته هناك كان الدافع وراء عودتي واستغلال الثروات التي بين يدي والتي لم أكن قد فكرت فيها من قبل.

في هامبورغ كنت أقيم في إحدى القرى الزراعية، كنت أراقب المزارعين يوميا وهم يعملون بكد دون تضييع وقتهم. تعلمت أن الجدية هي السبيل للوحيد للنجاح. عرفت حينها أنني كنت أضيع وقتي، وأنه لدي في السودان ما يغنيني عن الغربة ومشاكلها.

تعلمت هناك أن مجتمعاتنا ليست مختلفة عن بعضها، نحن مزارعون أيضا، ونعمل بكد ونشاط من أجل إنتاج محصول يؤمن لنا حياة كريمة. ربما كان الاختلاف الوحيد هو في البنى التحتية المتوافرة في ألمانيا، ولكن تلك كانت عقبة يمكن تخطيها.

لم أشعر بالفشل أيضا لأنني تعلمت كيف أستغل فرصي في السودان، وبالتالي نما لدى الحافز الأساسي الذي دفعني للعودة واستصلاح أرضي. ربما لم أراكم في ألمانيا الكثير من المهارات العملانية، ولكني راكمت الإرادة ووضوح الرؤيا والأدوات الملائمة للنجاح.

المثابرة والجدية

بعد كل ما سبق، أود أن أقول للمهاجرين السودانيين ممن أضاعوا سنوات طويلة وهم ينتظرون إقامات في البلدان الأوروبية، عودوا إلى السودان، الفرص هنا كثيرة، وإذا ما وظفتم المهارات التي اكتسبتموها في أوروبا لتحقيق أحلامكم هنا، ستنجحون.

هذا ما لدي لأقوله، لا أكثر ولا أقل. المثابرة والجدية أساس النجاح، ومشواري مازال في بدايته، وحتى الآن تمكنت من تحقيق الكثير، فقد تزوجت وأنجبت وبت رب أسرة ورب عمل. أتمنى لو أستطيع نقل هذه التجربة للكثيرين ممن يحتاجون لدفعة صغيرة من أجل الانطلاق لتحقيق أحلامهم.  

 

للمزيد