مهاجرون أفارقة يقفون على سياج حدودي أثناء محاولتهم العبور إلى الأراضي الإسبانية ، بين المغرب وجيب سبتة. رويترز / أرشيف
مهاجرون أفارقة يقفون على سياج حدودي أثناء محاولتهم العبور إلى الأراضي الإسبانية ، بين المغرب وجيب سبتة. رويترز / أرشيف

حلم الهجرة من المغرب باتجاه أوروبا دفع بالكثير من المهاجرين للتفكير بطرق مبتكرة وجديدة، تضمن لهم مغادرة أراضي المملكة باتجاه الجيبين الإسبانيين سبتة ومليلية. وكانت آخر تلك الطرق عبور المسافة البحرية الفاصلة بين مليلية ومدينة بني أنصار المغربية سباحة، وهي مسافة قد تبدو قصيرة (1 كلم)، لكنها معقدة جدا وشديدة الخطورة.

سجلت مؤخرا محاولات متكررة لمهاجرين في المغرب، سعوا للوصول إلى جيب مليلية الإسباني الواقع شمال المملكة، عبر طريقة اعتبرها كثيرون يائسة وخطيرة. فبعد إغلاق الحدود البرية، وتشديد الإجراءات الأمنية على المعابر بين المغرب والجيب الإسباني، قام مهاجرون منذ أيلول/سبتمير الماضي، بمحاولة السباحة باتجاه مليلية انطلاقا من ميناء مدينة بني أنصار.

يوم الثلاثاء الماضي، 30 آذار\مارس، سجل حساب محلي على تويتر في مليلية وصول العشرات من المهاجرين إلى شاطئ الجيب، عبروا سباحة من ميناء بني أنصار المجاور في المغرب. ووفقا للحساب، تم رصدهم من قبل الشرطة، التي رافقتهم إلى مركز سيتي لاستقبال المهاجرين، الوحيد من نوعه في مليلية.


المسافة الفاصلة بين النقطتين تعتبر قصيرة نسبيا، حوالي كلم واحد، لكنها لا تخلو من المخاطر والمغامرة، فإضافة للمسافة، هناك عوائق تم إنشاؤها على حدود الجيب، تحت الماء وفوقها، بهدف منع مثل تلك المحاولات.

مطلع شهر آذار/مارس الماضي، سجلت السلطات الإسبانية وصول عدد من الجثث، رجحت حينها أنها لمهاجرين، إلى سواحل مليلية. وفقا لتحليلات السلطات حينها، فإن هؤلاء الأشخاص حاولوا الوصول إلى الجيب سباحة من مدينة بني أنصار المغربية القريبة.

وسجلت السلطات المغربية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وفاة أربعة شبان مغاربة غرقا، أثناء محاولتهم عبور المسافة الفاصلة بين بني أنصار ومليلية سباحة.

الإجراءات الأمنية الحدودية

لكن ما الذي دفع بالمهاجرين للبدء بالتفكير باعتماد تلك الطريقة، وهل جميعهم على دراية بالمخاطر المحيطة بها؟

محمد بن عيسى، من مرصد الشمال لحقوق الإنسان، وهو منظمة غير حكومية مغربية، تحدث لمهاجر نيوز عن الأسباب التي تقف وراء اختيار هؤلاء تلك الطريقة، وأبرزها الإجراءات الأمنية التي نفذتها السلطات المغربية على الحدود مع الجيبين، والتي دفعت بالمهاجرين إلى التفكير باعتماد طرق ووسائل جديدة، "من هنا جاءت فكرة العبور من ميناء بني أنصار باتجاه مليلية سباحة".

ووفقا لبن عيسى، ما من جنسيات محددة تسعى لاعتماد تلك الطريق، فهناك مغاربة ومهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، جميعهم يريدون الوصول إلى إسبانيا. ويذكر الناشط الحقوقي أنه "للأسف تسجل حالات الغرق بنسب أعلى في صفوف المهاجرين الأفارقة، كون معظمهم لا يعرف السباحة بشكل جيد".

للمزيد>>> إسبانيا: ارتفاع ملحوظ بأعداد جثث المهاجرين التي يتم إيجادها على سواحل مليلية

وحول ظروف السباحة في تلك المنطقة قال بن عيسى "كثير من المهاجرين لا يعرفون أن السباحة هناك، ولو أن المسافة قد تبدو قصيرة نسبيا، خطرة للغاية. حرارة المياه منخفضة وهناك الكثير من التيارات البحرية. منذ أيلول/سبتمبر الماضي، سجلت مئات المحاولات للوصول إلى مليلية سباحة من تلك المنطقة، معظمها باء بالفشل وتمت إعادة أصحابها إلى البر".


بالنسبة للناشط الحقوقي، فإن معظم من يعتمدون تلك الطريقة "لا يملكون الكافي من الأموال لدفعها لشبكات تهريب، التي يمكنها نقلهم إلى الجيبين أو إلى البر الإسباني بواسطة دراجات مائية أو قوارب سريعة، وبالتالي يبقى لهم خيار السباحة الوحيد بمتناولهم".

"منطقة خطرة والسباحة فيها معقدة"

أما علي الزبيدي، المتخصص في شؤون الهجرة في جامعة الحسن الأول، قال لمهاجر نيوز إن اعتماد "السباحة من قبل المغاربة جاء بعد انتشار جائحة كورونا. فقبل ذلك، من كانوا يريدون الوصول إلى جيبي سبتة ومليلية، كانوا يتسللون إلى مقطورات الشاحنات المتوجهة إلى هناك. لكن مع إغلاق الحدود البرية نتيجة الجائحة، بدأ المهاجرون بالبحث عن وسائل جديدة للوصول للجيبين، مثل السباحة".

ويصف المختص بشؤون الهجرة العملية بنوع من التفصيل، ويقول "إجمالا، الجميع يتبعون نفس الخطوات، يدخلون ميناء بني أنصار في الصباح الباكر، فجرا، والاختباء هناك حتى ساعات متأخرة من الليل، ليبدأوا بالسباحة فجر اليوم التالي، التوقيت مهم جدا".

وبالنسبة لعلي الزبيدي، عملية السباحة في تلك المنطقة معقدة للغاية، فعلى من يرغب بالعبور من هناك إلى مليلية أن "يسبح حول الأسوار بداية لعشرات الأمتار قبل أن يلتف حولها ويبدأ بالتوجه إلى مليلية، إنها عملية معقدة". وأورد أن بعض المهاجرين يعمدون إلى شراء ملابس غطس، "معتقدين أنها ستحميهم من برودة المياه وتساعدهم على عبور المسافة بشكل أسرع".

مهاجرون يتسلقون حاجزا بين مليلية والمغرب. المصدر: رويترز
مهاجرون يتسلقون حاجزا بين مليلية والمغرب. المصدر: رويترز


ويوضح الزبيدي أن تسلق الأسوار الشائكة بات أكثر تعقيدا، "عززت السلطات الإسبانية والمغربية إجراءاتها على الطرق المؤدية للأسوار...".

وغالبًا ما يؤدي تسلق تلك الأسلاك الشائكة إلى إصابات خطيرة في صفوف المهاجرين، لذا بات بعضهم يفضل العبور سباحة.

وسائل متعددة

ولم تقتصر محاولات المهاجرين اليائسة للوصول إلى الجيبين الإسبانيين، النقطتين البريتين الحدوديتين الوحيدتين للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا، على السباحة، حيث أعلنت الإسبانية في 22 شباط/فبراير الماضي عن ضبط مهاجر مختبئ داخل مستوعب يحمل مواد سامة، على متن قارب راس في ميناء مليلية.

للمزيد>>> طرق جديدة للعبور إلى مليليه الإسبانية.. الاختباء داخل أكياس مواد سامة أو عبور شبكة الصرف الصحي

وفي اليوم نفسه، تم العثور على مهاجرين آخرين مختبئين في حاويات مليئة بالزجاج المعد لإعادة التدوير.

وتظهر تلك الطرق حاجة المهاجرين الملحة لمغادرة المغرب، إما هربا من الأزمة الاقتصادية التي زادت من أعبائها أزمة الجائحة المستجدة، بالنسبة للمغاربة، أو سعيا للوصول إلى القارة الأوروبية بعيدا عن الحروب والأزمات السياسية بالنسبة للمهاجرين الأفارقة.

ولطالما شكل الجيبان الإسبانيان شمال المغرب، سبتة ومليلية، مناطق جذب للمهاجرين المتواجدين في المغرب والراغبين في الوصول إلى أوروبا، إما عبر تسلق السياج الحدودي العملاق أو السباحة على طول الساحل.

 

للمزيد