مشاهدون يجلسون في قاعة سينما شبه فارغة، في انتظار العرض الأول بعد افتتاح القاعات التي كانت 
 مغلقة بسبب جائحة كورونا. كاليفورنيا. المصدر: REUTERS/Mario Anzuoni
مشاهدون يجلسون في قاعة سينما شبه فارغة، في انتظار العرض الأول بعد افتتاح القاعات التي كانت مغلقة بسبب جائحة كورونا. كاليفورنيا. المصدر: REUTERS/Mario Anzuoni

"لا احتكاك مباشر مع الجمهور ولا فرص للقاء رعاة المشاريع الثقافية، ومردود مادي شبه معدوم".. هكذا وصف الفنانون المهاجرون آثار الحجر الصحي والإجراءات المفروضة منذ أكثر من عام في فرنسا، للسيطرة على انتشار فيروس كورونا. فكيف حاول الفنانون التغلب على هذه الأوضاع؟ وكيف يرون مستقبلهم؟

في منتصف آذار/مارس 2020، فُرض الحجر الصحي الأول في فرنسا، في محاولة من السلطات لاحتواء انتشار فيروس كورونا. الآن، وبعد أكثر من عام، تعيش الجمهورية الفرنسية تحت الحجر الصحي الثالث، بالإضافة إلى منع تجول خلال المساء. إجراءات شلّت قطاعات واسعة في المجتمع الفرنسي، وعطّلت عجلة الاقتصاد في مجالات مختلفة، على الرغم من محاولات السلطات لتعويض المتضررين وتوفير الحد الأدنى من الدعم لهم.

للمزيد >>>> كيف أثرت جائحة كورونا على وظائف المهاجرين وأعمالهم؟

وفي ظل هذه الإجراءات، تعطّلت الحياة الثقافية في البلد الذي يشتهر بمتاحفه وعروضه الفنية ومهرجاناته الثقافية التي لا تتوقف طوال العام. فكيف أثرت هذه الإجراءات على حياة الفنانين المهاجرين؟ وكيف يرون مستقبلهم بعد عام كامل دون التواصل المباشر مع جمهورهم؟ 

"نحن مجبرون على تقديم عروضنا عبر المنصات الإلكترونية، التي تفتقر للتواصل المباشر مع الجمهور"

نضال عبدو، لاجئ فلسطيني سوري مقيم في فرنسا، وهو راقص ومصمم رقصات، أطلق في 2018 تجمع "نفس"، الذي يضم راقصين مهاجرين من العراق وسوريا وفلسطين.

الراقص الفلسطيني السوري، نضال عبدو. وهو لاجئ مقيم في فرنسا. المصدر: تم إرسال الصورة من الفنان
الراقص الفلسطيني السوري، نضال عبدو. وهو لاجئ مقيم في فرنسا. المصدر: تم إرسال الصورة من الفنان


ووفقاً للشاب الثلاثيني، كان قبل الجائحة يعمل على عدة مشاريع وكان يحضّر بعض العروض، لكن كل هذه المخططات تجمدت أو ألغيت تماماً. 

ويشرح "في بداية الأمر، كباق الناس، لم أكن متخيلاً أن الإجراءات ستطول إلى هذا الحد، لذا كنت في حالة انتظار وترقب. لكن في نهاية المطاف، واجهت حقيقة أن الحجر الصحي سيستمر، وبدأت بالبحث عن حلول، حالي كحال أقراني الفنانين".

شارك نضال خلال هذا العام في العديد من المشاريع التي تم تنفيذها وعرضها عن بُعد باستخدام المنصات الإلكترونية. "شاركت في فيلم يصف حياة 13 راقصاً حول العالم أثناء الحجر الصحي. كما شاركت في فيديو كليب أغنية 'يا يما' لمغني الراب الفلسطيني 'أسلوب'، والذي قمنا بتصويره خلال الحجر الصحي في ضواحي باريس. كما عملنا على إنتاج تجربة تفاعلية باستخدام الرقص والمنصات الإلكترونية، ضمن مهرجان فني تكريماً لضحايا انفجار بيروت."


ويضيف "كما أنتجنا عمل اسمه 'إن موشن'، في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، والذي يحاكي حياة شخص معزول داخل غرفته بسبب الحجر، لكن أفكاره وروحه لا تعرف الحدود".


كل المشاريع التي شارك فيها أو نفذها نضال عرضت على الشبكة العنكبوتية، ولم يتخللها أي احتكاك مباشر مع الجمهور. يعلق "نحن مجبرون على ذلك، فلا خيار آخر أمامنا. نشتاق إلى الطاقة التي يمدنا الجمهور بها".

وفيما يتعلق بالآثار الاقتصادية، يقول نضال "التأثير كبير جداً. لم أستفد شخصياً من أي مساعدات مالية قدمتها الحكومة. ولولا علاقاتي لما استطعت المشاركة في بعض المشاريع التي كان لها مردود مادي بسيط، بالإضافة إلى أنني أحمل صفة 'intermittent du spectacle'، والتي توفر لي الحد الأدنى من الدخل. لكن مقارنة بالعروض والمهرجانات التي كنا نقدمها قبل الجائحة على خشبة المسرح وأمام جمهور، فبالتأكيد هناك فرق كبير على الصعيد المادي".

للمزيد >>>> مبادرات فنية وثقافية أطلقها مهاجرون على وسائل التواصل الاجتماعي

"لم نعد نحن (المهاجرون) الوحيدين المضطرين للتواصل مع عائلاتنا عبر الشاشات.. أصبح هذا حال الجميع"

مي مراد، فنانة تشكيلية فلسطينية قدمت من غزة إلى باريس قبل عامين، وتقيم في فرنسا منذ ذلك الحين. 

قضت مراد فترة الحجر الصحي الأولى في إقامة فنية في أكاديمية في الريف الفرنسي، ما مثل لها فرصة جيدة "للتركيز على أعمالي المستقبلية، ومعرضي القادم، بالإضافة لكوني عشت مع فنانين آخرين، وفي وسط الطبيعية" على حد تعبيرها.

صورة شاركتها الفنانة مي مراد، تضامناً مع حملة "الثقافة في خطر" التي أطلقها فنانون فرنسيون. المصدر: الفيسبوك الخاص بالفنانة
صورة شاركتها الفنانة مي مراد، تضامناً مع حملة "الثقافة في خطر" التي أطلقها فنانون فرنسيون. المصدر: الفيسبوك الخاص بالفنانة

في حزيران/يونيو الماضي، عادت الفنانة الثلاثينية إلى باريس بعد انتهاء فترة إقامتها الفنية، وبدأت العمل على معرضها "واقع افتراضي"، الذي تحاول فيه "تسليط الضوء على واقع التواصل والعمل والعلاقات الإنسانية، التي أصبحت رقمية بشكل كبير بعد الجائحة". وتعلق "لم نعد نحن (المهاجرون) الوحيدين المضطرين للتواصل مع عائلاتنا عبر الشاشات، أصبح هذا حال الجميع. وبدلاً من التواصل عبر الشاشات مع أهلنا فقط، بسبب الحدود والمسافات، بتنا نتواصل مع الجميع رقمياً."

وكان من المفترض أن تفتتح مي مراد معرضها "واقع افتراضي" في نهاية آذار/مارس الماضي، ولكن بسبب تجديد إجراءات الحجر الصحي، تم تأجيل المعرض لتموز/يوليو القادم. تقول مراد "الحياة الثقافية متوقفة تماماً، فلا نستطيع تنفيذ معرضنا، وبالتالي لا نتمكن من مقابلة الرعاة والممولين، لذا فهناك معيقات كثيرة لتقدمنا."

الفنانة التشكيلية مي مراد، وإحدى لوحاتها. المصدر: الفنانة أرسلت الصورة
الفنانة التشكيلية مي مراد، وإحدى لوحاتها. المصدر: الفنانة أرسلت الصورة

وفيما يتعلق بإطلاق معرض على منصات الإنترنت، تقول "شاركت في معرض عبر الإنترنت، كان التفاعل محدوداً. نوعية الفن الذي أقدمه تحتاج مني أن أكون واقفة أمام لوحاتي وأن أشرحها للحضور، وأن أستمع إلى تعليقاتهم وأسألتهم، أشتاق إلى هذا التواصل، وبالتأكيد المعارض الإلكترونية لا تعوضنا عنه".

"الثقافة في خطر"

شارك عازف الكمان المصري ومدير فرقة "Les Cordes Croisées"، مصطفى فهمي، على صفحته على فيسبوك شعار حملة "Culture en Danger"،"الثقافة في خطر"، التي نظمها فنانون في فرنسا للاعتراض على تعليق أنشطتهم، واعتبارها أنشطة غير أساسية. 

مصطفى فهمي، عازف كمان مصري مقيم في فرنسا، يشارك في حملة أطلقها فنانون فرنسيون للاعتراض على آلية الحكومة في التعامل معهم أثناء الحجر الصحي. المصدر: الفيسبوك الخاص بالفنان
مصطفى فهمي، عازف كمان مصري مقيم في فرنسا، يشارك في حملة أطلقها فنانون فرنسيون للاعتراض على آلية الحكومة في التعامل معهم أثناء الحجر الصحي. المصدر: الفيسبوك الخاص بالفنان

ووفقاً للفنان الذي يعيش في فرنسا منذ 2011، كان وفرقته يحضّرون منذ أكثر من عام ونصف لحفل موسيقي كبير في باريس، سيدعون إليه حفيدة أم كلثوم. يشرح فهمي "كان من المفروض أن يكون الحفل في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، ثم تم تأجيله لنيسان/أبريل الجاري، ولكن تم تأجيله مرة أخرى حتى نهاية العام الجاري، أو حتى بداية العام القادم". ويضيف "تتكون فرقتنا من عازفين مصريين وعرب يقيمون في عدة دول، لذا فكان من المستحيل أن نتجمع بسبب إغلاق حدود الدول، ناهيك عن تراكم إلغاء العروض في فرنسا، وما ترتب عليه من تأخير في إعادة جدولتها".

وفيما يتعلق بنقل نشاطاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، عبر فهمي عن أنه وفرقته فضلوا ألا يعتمدوا على هذه الوسائل، لأنها "تؤثر على جودة العمل، وتحول دون وجود أي تواصل مع الجمهور". كما أشار إلى أنهم أنتجوا فيديو لأغنية "Paroles Paroles"، شارك فيها كل عازف من مكان إقامته، في محاولة منهم لمواجهة الحدود والمسافات.


أما عن تجربته الشخصية وآثار الحجر الصحي على حياته في فرنسا، يقول الشاب "كنت على وشك الحصول على صفة 'intermittent du spectacle'' قبل الحجر الصحي، لكن الإجراءات تجمدت وتأخرت، ما عرضني لعدم استقرار مادي حقيقي". ويستدرك "لكن لحسن الحظ، أنا أعمل في تدريس الموسيقى في مدينة (Angey) الفرنسية، بالتأكيد تأثرت آليات عملنا وقمنا بتقسيم الأطفال على مجموعات صغيرة، لكنها كانت فرصة ذهبية لممارسة الموسيقى ولو في سياق محدود، ولتوفير هامش من الاستقرار المادي في ظل الشلل التام الذي أصاب الصناعة الثقافية".

 

للمزيد