دمرت الحرب والاضطرابات السياسية أفغانستان الصورة: picture-alliance / W. سرهادي
دمرت الحرب والاضطرابات السياسية أفغانستان الصورة: picture-alliance / W. سرهادي

الوصم بالعار والبطالة وانعدام الأمن.. هذا ما ما يشعر به العديد من طالبي اللجوء الذين تم ترحيلهم من النمسا إلى أفغانستان. العائدون يؤكدون أن الواقع هناك أسوأ حتى مما تنقله الوسائل الإعلامية.

ديهكان، ضابط شرطة سابق في منتصف الثلاثينيات من عمره، فر هارباً من أفغانستان في عام 2014 وطلب اللجوء في النمسا. بعد خمس سنوات أُجبر على العودة إلى بلاده بعد أن رفض طلب اللجوء الخاص به في النمسا، وبات يعاني في الوقت الحالي من الرفض في وطنه أيضاً لكونه "مُرحلاً". إذ يتذمر أقاربه بقولهم: "ماذا فعلت في النمسا طوال هذه السنوات؟ لم تحقق شيئاً".

دهكان هو واحد من 16 أفغانيا عادوامن النمسا، وأجري معهم حوار من قبل فريق بقيادة علي أحمد الباحث الأفغاني في معهد فيينا للحوار والتعاون الدولي (VIDC). كحال دهكان، أُجبر معظم الأشخاص الذين تمت مقابلتهم في دراسة أحمد، المنشورة في كانون الثاني/ يناير 2021، على العودة رغماً عنهم.

يواجه المرحلون قسراً ظروفاً قاسية عند عودتهم إلى أفغانستان.
يواجه المرحلون قسراً ظروفاً قاسية عند عودتهم إلى أفغانستان.


"الترحيل مزق حياتي"

النمسا، مثل ألمانيا، علقت ترحيل الأفغان في آذار/ مارس 2020 بسبب وباء كورونا. غير أن عمليات الترحيل قد استؤنفت بعد مضي تسعة أشهر، على الرغم من إصرار الجماعات الإنسانية على أنه لا يوجد أي مكان في أفغانستان آمن للعودة، وكذلك الاعتراضات على أن الاتحاد الأوروبي يمارس ضغوطًا أكبر على أفغانستان - من خلال اتفاق "طريق مشترك إلى الأمام" (JWF) الذي أعيد التفاوض بشأنه - لإعادة قبول مواطنيها مقابل تقديم مليارات اليورو كمساعدة.

بين عام 2015 ومنتصف 2020 ، تقدم ما يقرب من 47 ألف أفغاني بطلب لجوء في النمسا، من إجمالي حوالي 194 ألف طلب من جميع البلدان. وبين كانون الثاني /يناير وتشرين الأول/ أكتوبر 2019 ، تم ترحيل قرابة 4500 شخص، من بينهم 235 أفغانياً.

إذ كان معدل رفض طالبي اللجوء الأفغان في النمسا في العام الماضي يقارب 50 في المائة - وهذا يعني أن العديد ممن كان من المفترض أن يعودوا بعد القرارات السلبية النهائية ، قد اختفوا بحسب ما قاله دورو بلانك، رئيس منظمة (Fairness Asyl) ، لـ DW الصيف الماضي.

متظاهرون أمام وزارة الخارجية النمساوية ضد الترحيل
متظاهرون أمام وزارة الخارجية النمساوية ضد الترحيل

عندما علقت النمسا لفترة وجيزة عمليات الترحيل، كان هناك شيء من الارتياح بين الأفغان، وفقاً لما قاله علي أحمد لمهاجر نيوز عبر الهاتف. لكن في كانون الأول / ديسمبر، شق الذعر طريقه مرة أخرى بينهم، خاصة بين أولئك الذين ليس لديهم وضع الحماية. لم يكن لدى أي من المرحلين الذين تمت مقابلتهم من أجل دراسة التي يجريها علي أحمد قصة جيدة عن العودة إلى الوطن.

بالنسبة لدهكان، كان قد اضطر إلى مغادرة أفغانستان بسبب تهديدات بالقتل من قائد محلي في طالبان. وقال إنه تم رفض طلب اللجوء الذي قدمه في النمسا و طلب الاستئناف كذلك لأنه ينتمي إلى قبيلة البشتون. ومنذ ترحيله، يختبئ في مكان بعيد عن منطقته.

صورة أرشيفية لعملية ترحيل لشاب أفغاني في مطار
صورة أرشيفية لعملية ترحيل لشاب أفغاني في مطار


 من أجل الدراسة نفسها، أجريت مقابلة مع شخص أفغاني آخر اسمه أفسار، وُلد ونشأ في إيران. غير أنه قد غادرها لأنه لم يشعر أبداً بأنه مندمج في المجتمع الإيراني، وفي عام 2015 حصل على حماية مؤقتة في النمسا. إلا أنه قد رحل في مارس / آذار 2020 ، قسراً إلى كابول، رغم أنه قد قطع عروق يده اليمنى في محاولة لتجنب هذا المصير. وقال: "لقد مزق الترحيل حياتي".

"الوضع أفضل بالنسبة للعائدين بشكل طوعي"
"الوضع أفضل بالنسبة للعائدين بشكل طوعي"


التحديات الاقتصادية

بصفته مُرحلًا، لم يكن أفسار مؤهلاً للحصول على مساعدة مالية من وكالة الهجرة التابعة للأمم المتحدة (IOM). عندما وصل إلى أفغانستان، الدولة الذي لم تطأها قدمه من قبل، تُرك لتدبر أمره بنفسه، تماماً مثل جميع الأفغان الذين تم ترحيلهم تقريباً، وفقاً لأحمد.

وقال أحمد: "في اللحظة التي يتواجدون فيها في كابول.. يصبحون بمفردهم". وتابع: "ذهب عدد قليل من هؤلاء المرحلين (الذين تمت مقابلتهم من أجل الدراسة) إلى وزارة العمل وبعض المؤسسات التي اعتقدوا أنها ستوفر بعض الدعم، ولكن دون نتيجة. وأخبروهم أنه لا يوجد شيء يمكن القيام به للمساعدة ".

في بعض الحالات، عاد الأشخاص الذين أمضوا شهوراً أو سنوات في النمسا، حيث كان يسمح لهم بكسب ما لا يزيد عن 100 يورو شهرياً بسبب وضعهم غير القانوني، إلى أفغانستان في وضع أسوأ من الناحية المالية عما كانوا عليه قبل فرارهم. وأوضح أحمد: "قال العديد من المرحلين إنهم (في النمسا) حصلوا على 20 يورو أو 50 يورو للعودة إلى ديارهم". وأضاف: "وفي كابول لم يتمكنوا من العثور على عمل لأنه في الواقع لا يوجد عمل".


العودة الطوعية

كان الوضع أفضل بالنسبة للعائدين بشكل طوعي مثل عباس، خريج جامعة كابول وعضو في القوات الخاصة الأفغانية. كان قد وصل إلى النمسا في عام 2015 وبقي حتى عام 2018 عندما فقد الأمل من طلبه في الاستئناف بشأن اللجوء.

تقدم عباس بطلب للحصول على برنامج العودة الطوعية بمساعدة المنظمة الدولية للهجرة والذي يقول موقعه على الإنترنت إنه "خيار عودة كريمة وآمن ومجدي من حيث التكلفة". إذ وفقاً للمكتب النمساوي للمنظمة الدولية للهجرة تمت مساعدة 1363 شخصاً مثل عباس على العودة إلى أفغانستان بين عامي 2015 و 2019.

غير أن عباس يقول إن حزمة المساعدة التي تلقاها عند وصوله إلى أفغانستان لم تساعد في عملية إعادة الاندماج ولا في العثور على وظيفة. وإنما علاقاته الاجتماعية والمهنية، التي ظلت على حالها هي ما ساعده، فتمكن من إعادة التدريب واستعادة وظيفته القديمة كجندي.

ويعتقد عباس أن أي شخص يعود إلى أفغانستان دون تعليم ولا تدريب مهني هو مجنون. "إذا عدت دون هذه المهارات، فتوقع أن تصبح مدمناً على الممنوعات أو مجنوناً أو تموت."

وقال علي أحمد إن أبحاثه أظهرت أن العائدين طوعاً كانوا حتماً في وضع مالي أفضل. "كانت عائلات غنية بالأصل، وقد تلقوا تدريبات قبل الهجرة، وكانوا في ظروف أفضل. لذلك كانت أوضاعهم مختلفة تماماً عن المرحيلن قسرياً، ولا يمكن المقارنة أبداً.

على الرغم من العديد من مشاريع البناء، لا تزال المساكن في العاصمة الأفغانية كابول غير كافية.
على الرغم من العديد من مشاريع البناء، لا تزال المساكن في العاصمة الأفغانية كابول غير كافية.


مخاوف أمنية

بالنسبة لجميع المهاجرين الستة عشر الذين تمت مقابلتهم، كانت التهديدات الأمنية والهجمات الإرهابية أكبر التحديات أمامهم منذ عودتهم إلى أفغانستان. وقال أفسار "الوضع الحقيقي لانعدام الأمن .. أسوأ مما تسمعه في وسائل الإعلام".

أما بالنسبة لسياواش، الذي كان محظوظاً بما يكفي للحصول على وظيفة في الحكومة عندما عاد إلى أفغانستان، كما أنه لم يكن مضطراً أبداً في السابق قبل مغادرته البلاد إلى حمل سلاح. غير أنه منذ عودته يقول إن الأمر أصبح أكثر خطورة عليه. وقال "لا بد لي من امتلاك سلاح لكي أعيش. من الممكن أن تخطف من أجل الحصول على فدية أو حتى تقتل إذا لم يكن لديك نقود".

ومن جهته أوضح أحمد أن القنبلة التي تزرع على جانب الطريق لا تميز بين العائدين طوعاً والمرحيلن قسراً. وقال إنه من بين العائدين الثلاثة الذين قابلهم، تعرض اثنان منهم للهجوم. إذ كان عباس، الذي يعمل جندياً، ضحية لكمين نصبته طالبان. وقال أحمد "كاد عباس أن يموت في انفجار قنبلة زرعت على جانب الطريق في ديسمبر/ كانون الاول".


"الخاسرون والمجرمون"

يواجه المرحلون ظروفاً اجتماعية قاسية عند عودتهم، إذ تتهم العائلة دهكان بالفشل في إنجاز أي شيء في النمسا، إضافة إلى الوصم بالعار الذي يلاحق المرحلين الذين يوصفون بأنهم "خاسرون" و "مُرحلون" و "مجرمون"، ويتم التعامل معهم بازدراء وريبة. وقال أحمد: "من خلال وسائل الإعلام ، تنتشر أخبار مفادها أن كافة المرحلين قد يكونون مجرمين أو مغتصبين أو قتلة".

إضافة إلى ذلك، في أفغانستان يعادل الترحيل ارتكاب جريمة، إذ رفضت المؤسسات في كابول محاولة دهكان التقدم لبرامج إعادة الإندماج. وفي ظل أزمة كورونا عندما احتاج المال لزيارة الطبيب وشراء الأدوية، كان عليه الاعتماد على أصدقائه النمساويين لإرسال نقود لعلاجه.

وأوضح أحمد أنه عندما سُئل الأفغان الذين تمت مقابلتهم من أجل الدراسة عن مدى تأثير جائحة كورونا عليهم، أجابوا أن الفيروس كان أقل تهديداً من طالبان، أو انعدام الأمن الاقتصادي.

ومن المحتمل أن تكون عوامل مثل هذه، فضلاً عن فقدان العلاقات الاجتماعية والوصم بالعار هي الحافز للمهاجرين لمحاولة "إعادة الهجرة" -و الانطلاق مرة أخرى في الرحلة الخطيرة نحو أوروبا.

 

للمزيد