قارب تابع لخفر السواحل الليبي أثناء إعادته مهاجرين تم اعتراضهم في المتوسط. أرشيف\المنظمة الدولية للهجرة
قارب تابع لخفر السواحل الليبي أثناء إعادته مهاجرين تم اعتراضهم في المتوسط. أرشيف\المنظمة الدولية للهجرة

مع إعلان الحكومة الليبية إطلاق سراح عبد الرحمن ميلاد، الملقب بـ"البيدجا"، توالت ردود الأفعال المحلية والدولية على ذلك القرار. "البيدجا" كان ضابطا في جهاز خفر السواحل الليبي، ومتهم بارتكاب العديد من الانتهاكات بحق المهاجرين، فضلا عن قيامه بعمليات تهريب للنفط. مصادر متابعة للشأن الليبي وضعت تلك الخطوة في خانة محاولة الحكومة الجديدة الحفاظ على الاستقرار الداخلي الحالي، في وقت تنشغل المساعي لتثبيت التهدئة في البلاد التي تشهد حربا مدمرة منذ إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي في 2011.

أثار خبر إطلاق سراح عبد الرحمن ميلاد في طرابلس عاصفة من المواقف المستهجنة، كون المذكور يعد من أخطر المطلوبين "دوليا" في جرائم مرتبطة بتهريب المهاجرين والإتجار بالبشر.

ولمن لا يعرف ميلاد، هو نفسه الملقب بـ"البيدجا"، واحد من أشهر المهربين في مدينة الزاوية، واكتسب شهرة لاحقا عابرة للأراضي الليبية. "البيدجا" كان ضابطا في جهاز خفر السواحل الليبي التابع لحكومة الوفاق، وحسب الاتهامات المُوجهة إليه، فقد استغل منصبه وطبيعة عمله لتنفيذ الأنشطة الإجرامية المنسوبة إليه.

للمزيد<<< اعتقال قائد خفر سواحل ليبي بتهمة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين

كما أنه مدرج في قائمة عقوبات مجلس الأمن الدولي، ومتهم باستهداف وإغراق مراكب مهاجرين في عرض البحر، فضلا عن ورود اسمه في نشرة خاصة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية "الإنتربول".

وأثار قرار اعتقاله في تشرين الأول\أكتوبر من العام الماضي، جدلا واسعا في مناطق حكومة الوفاق، فاندلعت توترات أمنية في العاصمة طرابلس بين الميليشيات الموالية لوزير الداخلية فتحي باشاغا في حينه وميليشيات مدينة الزاوية التي يتحدّر منها "البيدجا".

"بدأت جماعة البيدجا بإطلاق النار فوق رؤوسنا، وهو كان حاضرا"

مهاجر نيوز كان نقل شهادات لمهاجرين من ضحايا "البيدجا"، أطلق زورق خفر السواحل الذي كان يقوده المهرب في المتوسط، النار على بعضهم. من بينهم جمال، مهاجر سوداني موجود في ليبيا منذ ثلاث سنوات.

جمال واحد من المهاجرين الذين تمت إعادتهم إلى ليبيا مرات عدة، يوضح "بداية لا بد لي من القول إن البقاء هنا ليس خيارا بالنسبة لي أو إلى الآلاف غيري. بقاؤنا هنا يعني موتنا". وأردف "في 2018 كنت من ركاب قارب مليء بالمهاجرين، كنا متجهين إلى أوروبا. في وقت ما من الرحلة تفاجأنا بزورق لخفر السواحل الليبي مسرع خلفنا، بدأوا بالدوران حول قاربنا، كدنا جميعا الوقوع في الماء، ومن دون سابق إنذار بدأوا بإطلاق النار باتجاهنا. كان الوضع مريعا، سقط بيننا جرحى كثر. البيدجا كان يقود زورق خفر السواحل".

للمزيد<<< ليبيا: الإفراج عن أحد "أخطر" مهربي البشر المتورط في ارتكاب أعمال عنف ضد المهاجرين

في شهادة أخرى، قال عبد الله، وهو مهاجر سوداني أيضا، إنه تعرض وآخرين للضرب والتعذيب من قبل البيدجا و"جماعته". وأضاف لمهاجر نيوز "أعادونا إلى طرابلس. طبعا طوال الطريق على متن زورق خفر السواحل كنا نتعرض للضرب والإهانات. في طرابلس بعد إنزالنا نلنا ما نلناه من الإهانات واللكمات قبل أن تبدأ جماعة البيدجا بإطلاق النار فوق رؤوسنا، وهو كان حاضرا. أعتقد أنهم كانوا يستمتعون برؤية الرعب في أعيننا".

إطلاق سراح وترقية

وفي خطوة أثارت جدلا في آذار\مارس الماضي، قامت حكومة طرابلس السابقة، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، بترقية "البيدجا" وهو قيد الاحتجاز، ذلك لمشاركته في الدفاع عن العاصمة أثناء هجوم شنته قوات تابعة للمشير خليفة حفتر.

وشوهد "البيدجا" بعد إطلاق سراحه في مسقط رأسه في مدينة الزاوية، غرب ليبيا، حيث كان يقود وحدة تابعة لخفر السواحل.

للمزيد<<< بعد إعادتهم إلى ليبيا... ما الذي ينتظر المهاجرين هناك؟

عمر، مهاجر سوري موجود في ليبيا منذ سنوات عدة، قال لمهاجر نيوز إنه تلقى خبر إطلاق سراح البيدجا من دون أي استغراب، "هذا يدل على سطوة الميليشيات في هذه البلاد وقدرتها على التحكم بالقرارات القضائية. أنا لا أعرف البيدجا، ولكني أعرف أشخاصا حاولوا الهجرة عن طريقه. هو في النهاية مهرب، ويقوم بأنشطته كغيره من المهربين. لكن سؤالي هنا، لماذا كل هذا الاستهجان بحق شخص واحد، في حين أن الأهوال تمارس بحقنا كمهاجرين في مدينة بني وليد، حيث تسود قصص التعذيب والإتجار بالبشر والأهوال الأخرى بحق المهاجرين، ولم يتحرك أحد لإيقافها هناك".

وأضاف "سمعت أن جماعة البيدجا في الزاوية هددت باقتحام السجن لإخراجه، هل أطلقوا سراحه خوفا منهم أم ثمنا للتسوية السياسية المتوقعة في البلاد؟".

انزعاج أوروبي

بدوره، قال نيكولا فراتوياني، النائب في البلمان الإيطالي عن حزب اليسار، إن "إطلاق سراح أحد مهربي البشر الليبيين (البيدجا) وترقيته يعدّ خبراً مقلقا ومزعجا... كونه شخصا مسؤولا عن عمليات تعذيب، ومخالفات أخرى حسب السلطات الدولية".

صحيفة "لا ستامبا" الإيطالية نشرت مقالا تحدثت فيه عن تبعات إطلاق من وصفته بأنه "أحد أخطر مهربي البشر في ليبيا"، وقالت "بعد إطلاق سراحه من السجن وعودته إلى مدينته، يمكن للبيدجا أن يستعيد كل أعماله المربحة التي تضمنت في ذلك الوقت أيضا تهريب النفط. ووفقا لمصادر محلية، يمكن إعادة قبوله في خفر السواحل الليبي وحتى ترقيته إلى رتبة أعلى".

وأورد كاتب المقال أن "اسم البيدجا انتشر داخل إيطاليا في 2019، بعدما تم الكشف عن مشاركته ضمن وفد ليبي بصفته ضابطا في حرس السواحل، في اجتماعات عقدت في روما" بتنظيم من المنظمة الدولية للهجرة وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، ومشاركة الصليب الأحمر ووزارتي العدل والداخلية.

قضية بنكهة سياسية

أما صحيفة "لاريبيوبليكا" الإيطالية قالت إن "الإفراج عنه يخص شخصا سيء السمعة، ارتكب بحسب الأمم المتحدة أخطر الجرائم ضد المهاجرين الفارين إلى السواحل الأوروبية".

واعتبرت الصحيفة، أن ذلك يمثل "استهزاء" بالعملية القضائية، مشيرة إلى أن "السبب الحقيقي لاعتقال البيدجا في تشرين الأول/أكتوبر ليس بسبب اتهامه بقضايا الاتجار بالبشر والانتهاكات بحق المهاجرين، وإنما بعد نشره مقطع فيديو انحاز فيه إلى رئيس الحكومة آنذاك فايز السراج، في صراعه مع وزير داخليته فتحي باشاغا".

وكان متابعون للشأن الليبي قد قالوا حينها إن اعتقال "البيدجا" جاء بعدما نشر فيديو انتقد فيه الاستعانة بالمرتزقة السوريين والأتراك في الحرب (ضد حفتر)، وإشارته إلى العلاقة التي تجمع وزير الداخلية فتحي باشاغا بتركيا.

وأضافت "لا ريبوبليكا" أن "إطلاق سراح البيدجا هو نتيجة طبيعية لمحاولات التهدئة التي تقودها الحكومة الحالية (حكومة الدبيبة)، لضمان الحفاظ على الاستقرار القائم حاليا".

 

للمزيد

Webpack App