مركز تسجيل المهاجرين في مليلية للحصول على طلب اللجوء
مركز تسجيل المهاجرين في مليلية للحصول على طلب اللجوء

أحد المهاجرين في مركز سيتي في مليلية، الجيب الإسباني شمال المغرب، تواصل مع مهاجر نيوز ليروي جزءا من تجربته هناك. قصة تختصر معاناة المئات من المهاجرين القادمين من دول شمال أفريقيا، العالقين في متاهة اللجوء، فهم لا يمكنهم إكمال رحلتهم ولا العودة إلى أوطانهم، وفي الوقت نفسه يشاهدون سنين حياتهم تمر دون أن يتمكنوا من تحصيل حياة كريمة.

لا أريد ذكر اسمي أو أي تفصيل من هويتي، فأنا أخشى على نفسي من ردود فعل القيمين على هذا المركز. قصتي واحدة من مئات القصص الأخرى هنا. أنا موجود في مركز سيتي في مليلية منذ سنة وأربعة أشهر.

خرجت من بلادي بسبب الضائقة الاقتصادية وقلة فرص العمل. أنا متزوج ولدي خمسة أولاد، والأوضاع الاقتصادية بتدهور مستمر، فكانت الهجرة الحل الوحيد المتاح أمامي. لم أفكر كثيرا بالوجهة، أردت الذهاب إلى مكان يؤمن لي الحياة الكريمة، مكان يؤمن بالحقوق الإنسانية للبشر أجمعين.

أحد أقربائي نصحني بالتوجه إلى إيطاليا. تواصلت مع أحد المهربين، استدنت مبلغ ثمانية آلاف يورو لدفع تكاليف الرحلة، لم أكن أعرف أن ذلك سيكون أسوأ قرار اتخذته في حياتي.

سنة وأربعة أشهر كانت كفيلة بتغيير مفهومي عن الإنسانية وقارة الإنسانية (أوروبا)، مدة كافية جعلتني أتعرف على اليأس المتجسد في وجوه المهاجرين هنا في المركز. مهاجرون، وأنا منهم، يتملكهم هاجس المستقبل والأيام الضائعة من حياتنا.

لن أطيل في الشرح أكثر، فقصتي ستختصر ما سبق.

"مرت الأيام والأشهر وأنا ما زلت هنا"

في السابع من شباط فبراير 2020 وصلت إلى مركز سيتي. أثناء التحقيق الأولي قلت الحقيقة بالكامل، فأنا لا أريد أن أخفي شيئا، كما أنني لم أكن على علم بتفاصيل قانون اللجوء والشروط والحالات التي يحق فيها طلبه. ببساطة قلت لهم إنني هارب من الفقر، لم أعرف أن الصدق سيضعني في خانة الرفض.

صورة من الأرشيف، طابور توزيع الطعام داخل مركز استقبال المهاجرين في مليلية، 26 آذار\مارس 2020. الحقوق محفوظة
صورة من الأرشيف، طابور توزيع الطعام داخل مركز استقبال المهاجرين في مليلية، 26 آذار\مارس 2020. الحقوق محفوظة

بعد فترة جاءني بيان برفض طلب اللجوء الخاص بي، حينها لم أستسلم وآمنت بقرارة نفسي أن الأمور ستحل وستفتح الأبواب أمامي لطلب اللجوء في مكان آخر. مرت الأيام والأشهر وأنا ما زلت هنا. اليأس وجد طريقا إلي، أقسم بالله أنني لا أنام معظم الليالي بسبب تفكيري بالمأزق الذي وقعت فيه. أنا عمري 39 عاما، وعائلتي تتوقع مني إعالتها، والمدينون يطالبون عائلتي بسداد الدين، فبدلا من أن أحصّل حياة كريمة وفرصة لإثبات نفسي، وجدت نفسي في هذه الورطة. المشكلة أنهم لا يقترحون أي نوع من الحلول علينا، توجهت مرة إلى أحد الموظفين في المركز طالبا منه السماح لي بالعودة إلى بلادي. أجابني حينها أن العودة الطوعية حاليا غير متاحة. ما الذي يريدونه منا؟ كيف يمكننا تحمل هذه الظروف ونشاهد الوقت يجري من عمرنا؟

عنصرية

أحاول من وقت إلى آخر البحث عن فرصة عمل يومية، دهان أو بلاط أو عامل ورشة، طبعا لدي بعض الخبرة المهنية لكني أساسا خريج جامعي، وكنت أطمح في وقت سابق إلى إكمال دراساتي العليا، لكن الظروف لم تسمح لي بذلك. هنا، إذا ما تمكنت من الحصول على عمل، أتقاضى حوالي 25 يورو كأجرة يومية. أقوم بما بوسعي لجمع 100 أو 150 يورو شهريا لأرسلها إلى عائلتي، وأتدبر أموري أنا وآخرين ريثما تحل المصيبة التي علقنا فيها.

للمزيد<<< مهاجر سوداني في المغرب.. "اختطفت في تشاد وتم إرسالي إلى ليبيا للقتال مع الميليشيات"

في معظم الأحيان، يعاملنا الإسبان، من سكان مليلة، بعنصرية مقيتة. حتى هنا في المركز نعاني من عنصرية هائلة. تلك المعاملة تأتينا هنا من عناصر شركة الأمن، المُكلفة بحفظ الأمن داخل المركز. هم ليسوا من الشرطة، ولكنهم يمارسون علينا أشد أنواع الرقابة. يمنعوننا من إدخال الطعام من خارج المركز، يفتشوننا دوما، يبحثون عن أي سبب لإهانتنا والتسبب لنا بمشكلة مع رجال الشرطة. كل هذا علينا تحمله بصمت. البكاء بات جزءا من ليالينا الطويلة هنا. أشعر وكأنني في عزلة، في سجن مفتوح، مستعبد، لا أفق أمامي، أشعر وكأن حياتي باتت ملك شخص آخر يستمتع بإضاعتها أمام ناظريه لإرضاء شهوة ما.

تلك المعاملة والظروف جعلوني أخشى من إظهار هويتي أمام أي كان، لذلك طلبت منكم عدم إظهار شيء يدل على شخصيتي.

"ذكريات رمضان تمزق أرواحنا"

عادة، قبيل رمضان، تنتابنا حالة من الفرح والبهجة، ننشغل بتحضير أنفسنا للصيام ولموائد الإفطار واجتماع العائلة. هذا ما يعصر روحي كل يوم وعلى كل مائدة إفطار. الاشتياق لعائلتي أنهك روحي، وأنا عالق هنا، أحصل على الحريرة يوميا مع قطعة خبز، وقطعة جبن مع قطعة خبز أخرى للسحور. أحن إلى تلك الليالي حين كنت أجتمع وأولادي وزوجتي كل مساء، على الرغم من الفقر وقلة الحيلة، لكن كان هناك ما يعوض. حين أجتمع وأصدقائي هنا في المركز على مائدة الإفطار، نبدأ بالتندر والتحدث عن ليالي الشهر الفضيل في بلادنا، نشعر باليتم والعجز.

لو كانوا يرفضون إعطاءنا حق اللجوء، فليخرجونا من هنا وليدعونا نكمل طريقنا، أو فليعيدونا إلى بلادنا. أما أن يبقوا علينا في هذه الحالة فهذا أمر غريب.

للمزيد<<< أكثر من 200 مهاجر تونسي في مليلة يضربون عن الطعام احتجاجا على ظروفهم المعيشية

أقول للأوروبيين إن الرحمة أساس الإنسانية، جئتكم سعيا لتوفير حياة كريمة لعائلتي، ما هو الذنب الذي اقترفته لأعامل بهذه الطريقة؟ لماذا أبقيتم علي كل هذه المدة إن كنتم في النهاية ستعيدونني إلى بلدي؟ هل أردتم تدمير حياتنا، نجحتم، وإعادتنا إلى بلادنا ستقضي علينا نهائيا، سيكون علي أن أسد الدين المتراكم علي وأن أعيل أسرتي في آن واحد. مع ذلك ربما سيكون الوضع أفضل من الآن، على الأقل لو مت سأكون بين أحضان من أحب.

"هناك من لا يصدق ما يحصل في هذا المركز"

هناك أشخاص كثر، أعرفهم، تمكنوا من الوصول إلى البر الإسباني. معظمهم تم تعيين مرشدين اجتماعيين لهم، وحددوا لهم مواعيد مع أطباء نفسيين. من هذه الناحية أنا سعيد لهم وأتمنى لهم السعادة، لكن المفاجئ والمشترك بينهم جميعا أنه حين يتكلمون مع المرشدين الاجتماعيين عن هذا المركز وما يحصل فيه، يتفاجؤون، حتى أن بعضهم يرفض تصديق تلك الروايات. لا يريدون تصديق أن مثل هذه الأمور تحصل في أوروبا.

لن أطيل أكثر، لن أتحدث عن المعاملة السيئة من الشرطة، أو الضرب الذي نتعرض له من قبلهم من حين لآخر. لن أتحدث عن نوبات التفتيش الفجائية التي تكون نتيجتها بعثرة أغراضنا والدوس على ثيابنا، فضلا عن الإهانات. لن أتحدث عن الطعام وقلته أو نوعيته، أو منعنا من جلب الطعام من الخارج. كل هذا يمكن أن يُحكى فيه مطولا، كل ما أردته هو أن أسرد قصتي وأريح صدري، لعل أحدهم يقرأ ويتمكن من القيام بشيء من أجلنا.

 

للمزيد