سفينة "أوشن فايكنغ" تصل إلى موقع القارب وحوله تطفو الجثث. المصدر: إس أو إس ميدتيرانيه
سفينة "أوشن فايكنغ" تصل إلى موقع القارب وحوله تطفو الجثث. المصدر: إس أو إس ميدتيرانيه

بعد انتشار تقارير مؤكدة عن غرق وفقدان حوالي 130 مهاجرا في المتوسط قبالة السواحل الليبية نهاية الأسبوع الماضي، توالت ردود أفعال المنظمات الدولية التي انتقدت السياسة الأوروبية وحمّلت دول الاتحاد الأوروبي مسؤولية مأساة المهاجرين. وأعرب البابا فرانسيس عن حزنه واصفا ما حدث بأنه "لحظة عار"، فيما لم يصدر أي تصريح رسمي عن سلطات الدول الأوروبية المطلة على المتوسط.

 في رسالة مشتركة، حذرت المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية اللاجئين من أن المزيد من المهاجرين قد يجازفون بحياتهم خلال الأسابيع القادمة لعبور البحر الأبيض المتوسط، في ظل تحسن الأحوال الجوية والبحرية وتدهور الظروف المعيشية في ليبيا.

جاء ذلك التحذير بعد حادث مأساوي راح ضحيته عشرات المهاجرين. وكانت منصة "هاتف الإنذار" تلقت تنبيهات بوجود 3 قوارب معرضة لخطر الغرق، يوم الأربعاء الماضي 21 نيسان/أبريل. أحد تلك القوارب أنقذه خفر السواحل الليبي وانتشل جثتين من المياه، فيما عُثر لاحقا على حطام قارب كان يقل 130 مهاجرا وكانت الجثث تطفو حوله.

للمزيد: "تحققت أسوأ مخاوفنا".. جثث تطفو على المياه بعد انقلاب قارب كان يقل حوالي 130 مهاجرا

دعوة لاتخاذ خطوات عاجلة

الحادث الأخير يعتبر "أكبر خسارة في الأرواح في وسط البحر الأبيض المتوسط ​​منذ بداية العام"، بحسب المنظمة الدولية للهجرة. فخلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، غرق 300 شخص آخر على الأقل، ويعد ذلك ارتفاعا كبيرا مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي الذي سجل غرق حوالي 150 شخصا.

وتكرر مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة دعوتهما للمجتمع الدولي من أجل "اتخاذ خطوات عاجلة لوضع حد للخسائر في الأرواح التي يمكن تجنبها في عرض البحر. ويشمل ذلك إعادة تنشيط عمليات البحث والإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط​​، وتعزيز التنسيق مع جميع الجهات الفاعلة في مجال الإنقاذ، والتوقف عن إعادة الاشخاص إلى موانئ غير آمنة، وإنشاء آلية إنزال آمنة ويمكن التنبؤ بها".

"لحظة عار"

وعّبر بابا الفاتيكان فرنسيس عن حزنه الشديد بعد تلقيه الخبر، وقال أمام المصلين في ساحة القديس بطرس خلال لقاء أسبوعي أمس الأحد، "أعرب لكم عن حزني البالغ لهذه المأساة التي حدثت من جديد في الأيام الأخيرة في البحر المتوسط. أيها الإخوة والأخوات، لنتساءل جميعا عن هذه المأساة المتكررة. إنها لحظة عار".

وطلب البابا الصلاة على أرواح المهاجرين الذين هلكوا في البحر، وكذلك "لمن يمكنهم المساعدة لكنهم يفضلون أن يشيحوا بوجوههم"، في إشارة إلى سلطات الدول الأوروبية التي لم تتصرف.

واتهمت منصة هاتف الإنذار (خط ساخن لتبيه السلطات المعنية بوجود قوارب بحاجة للمساعدة) السلطات الأوروبية برفض تنسيق عملية البحث، وترك الأمر "في أيدي خفر السواحل الليبي فقط".

وقالت صفاء مسيهلي، المتحدثة باسم المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة الجمعة، إن الدول "رفضت التحرك لإنقاذ أرواح أكثر من 100 شخص. ناشدوا وأرسلوا نداءات استغاثة لمدة يومين قبل أن يغرقوا في مقبرة البحر الأبيض المتوسط الزرقاء. هل هذا إرث أوروبا؟"


منظمات إنسانية توجه رسالة إلى رئيس الوزراء الإيطالي

ووجهت عدة منظمات إنسانية رسالة إلى رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي، لحث بلاده على التعاون والتنسيق أثناء عمليات البحث عن المهاجرين المعرضين للغرق.

ووقع على الرسالة منظمات غير حكومية، بعضها يستأجر سفنا للبحث عن المهاجرين الفارين من ليبيا على متن قوارب متهالكة، مثل "أوبن آرمز" و"سي ووتش" و"إس أو إس ميدتيرانيه"، إضافة إلى "هاتف الإنذار" ومنظمات أخرى.

وتشير المنظمات في الرسالة إلى أنه منذ انتهاء عملية صوفيا البحرية الأوروبية، "حاولت المنظمات غير الحكومية ملء الفراغ الذي تركته الدول. ولكن في ظل غياب تنسيق مركزي ومتناسق وفي الوقت المناسب للبحث والإنقاذ، فإن المأساة، كتلك التي وقعت يوم الخميس الماضي، هي عواقب على الجميع أن يتحملها".

وطلبت من رئيس الوزراء "اجتماعا لمناقشة المبادرات الملموسة التي يمكن أن تتخذها حكومتك، بما في ذلك أوروبا، لضمان عمليات تدخل إنقاذ منسقة وفي الوقت المناسب، بحيث يصبح إنقاذ الأرواح مرة أخرى أولوية".

واستنكرت منظمة "سي ووتش" الألمانية الوضع في تغريدة جاء فيها أنه عندما "توقفت الدول" عن الإنقاذ والبحث والتنسيق، "كان على المجتمع المدني التدخل".

 


مواقف المسؤولين الأوروبيين بين الصمت وإدانة المهربين

أما على صعيد ردود فعل المسؤولين الأوروبيين، كانت المفوضة الأوروبية للهجرة إيلفا جوهانسون واحدة من القلائل الذين ذكروا "الحدث المأساوي"، حسب وصفها، وقالت "كل حالة وفاة هي مأساة. إنقاذ الأرواح التزام دولي"، لكنها في نفس الوقت ألقت اللوم على المهربين "المجرمين الذين يستغلون أمل الأشخاص" للوصول إلى أوروبا.


في حين وجه وزير الداخلية الإيطالي السابق واليميني المتطرف ماتيو سالفيني نوعا من الإدانة لعمل سفن المنظمات غير الحكومية، قائلا "مزيد من الضحايا، مزيد من الدماء على ضمير مدعي فعل الخير، الذين يوجهون الدعوة في الواقع للمهربين وتجار البشر ويسهلون عملهم".

كما جاء تعليق وكالة حرس الحدود الأوروبي "فرونتكس" بشكل يدين المهربين، وقال المتحدث كرزيستوف بوروفسكي "لسوء الحظ، فإن الطقس المميت خلال الأيام القليلة الماضية في تلك المنطقة جعل من المستحيل تقريبا القيام بأي نوع من مهام الإنقاذ".

وألقى باللوم على تهور مهربي البشر في فقدان الأرواح، "كان من شبه المؤكد أن ينقلب الزورق المطاطي وينتهي الأمر بكل الناس في البحر".

وكانت سفينة "أوشن فايكنغ" الإنسانية التابعة لمنظمة "إس أو إس ميديتيرانيه" تبحر في منطقة البحث والإنقاذ قبالة السواحل الليبية، إلا أنها كانت تبعد عن موقع القارب المنكوب، وعندما وصلت أخيرا وجدت حوالي 10 جثث على الأقل تطفو على المياه.

وتعتبر منصة "هاتف الإنذار" أنه "كان من الممكن إنقاذ الأرواح، لكن جميع السلطات تركتهم عن عمد ليموتوا في البحر". وتؤكد على أنها كانت على تواصل مباشر لأكثر من 10 ساعات مع القارب المنكوب وأبلغت مرارا موقعه عبر نظام تحديد المواقع (GPS) للسلطات الأوروبية والليبية.

فيما قال المتحدث باسم خفر السواحل الليبي مسعود إبراهيم مسعود إن قواته "بذلت جهودا جادة". وأوضح لوكالة أسوشيتيد برس "قمنا بتنسيق عملية البحث... استمرت السفن في البحث في البحر لأكثر من 24 ساعة"، لكن البحر كان شديد الهيجان.

في السنوات الأخيرة، دخل الاتحاد الأوروبي في شراكة مع خفر السواحل الليبي ومجموعات محلية أخرى للحد من محاولات الهجرة عبر المتوسط. لكن الجماعات الحقوقية تقول إن هذه السياسات تترك المهاجرين تحت رحمة الجماعات المسلحة والمهربين، أو تجعلهم عالقين في مراكز احتجاز حيث يتعرضون لانتهاكات جسيمة.

 

للمزيد