اللاجئون السوريون والعراقيون اضطروا لترك بلدهم بسبب أوضاع بلدهم| Photo: picture-alliance/AP Photo
اللاجئون السوريون والعراقيون اضطروا لترك بلدهم بسبب أوضاع بلدهم| Photo: picture-alliance/AP Photo

كان يبحث عن الأمان وهي تتطلع إلى الحرية، لكن فقدان الكرامة على طول طريق البلقان وعيش في الخفاء وانتظار طويل للحصول على حق اللجوء في هولندا، هذا ما عانته عائلة عراقية شابة، فرت من بلدها إلى هولندا وجازفت بكل شيء لتحقيق حلمها في البحث عن مستقبل أفضل.

"كانت لحظة فرح أقوى من الفرح بزواجنا". هكذا وصفت علياء (31 عاما) فرحها لحظة تلقيها تصال هاتفي يعلمها نبأ حصولها على حق اللجوء في هولندا ما سمح للعائلة الحق في الحصول على منزل وكسب لقمة العيش. فحصول علياء على حق اللجوء يعني أن زوجها أحمد (32) عاما وابنها سيحصلان على حق اللجوء تلقائيا، حسبما أكد المحامي المسؤول عن قضية لجوءهما. "أخيرا حصلنا على كل ما أردناه... حياة طبيعية مثل أي عائلة أخرى في هولندا". يقول أحمد لوكالة فرانس برس التي التقت العائلة ورافقتهما منذ بداية دخولهم أوروبا.

 أربع سنوات استمرت معاناة العائلة العراقية. عبر قطار انتقلت العائلة، ومعهم مئات السوريين والأفغان والعراقيين من رجال ونساء وأطفال ومسنين وجرحى ومبتوري الأطراف، من صربيا إلى الاتحاد الأوروبي لينتهي بهم الأمر في مركز بائس لإيواء المهاجرين الجديدة في مدينة دويفن الصغيرة في شرق هولندا.

حان موعد الرحيل...

بعد نجاة الزوجين من اعتداء في مدينتهم بغداد قرر الزوجان المغادرة. كان ذلك في عام 2014. ويتذكر أحمد هذه الليلة ويقول " ليلة الغعلان عن خطوبتنا، دعوت علياء إلى تناول العشاء في مطعم في بغداد اسمه "مستر تشيكن". فجأة، انفجرت قنبلة وقتل زبائن حولنا، وجرحت علياء بوجهها الذي ما زال يحمل ندوبا" ويستطرد قائلا "في ذلك اليوم، رأيت الموت. لو جلسنا إلى طاولة أخرى لما كنا نجونا".

لم يفكر أحمد قبل ذلك مغادرة العراق "أحب بلدي" يقول أحمد ولكن ولادة طفلهما آدام عام 2015 كانت المحرك الأساسي لهذه الخطوة "في العراق عندما تذهب إلى العمل في الصباح لا تعرف إطلاقا ما إذا كنت ستعود حيّا في المساء". ما دفعه لبيع محله في تمويل "رحلة اللجوء" يؤكد أحمد.


بالنسبة لأحمد، لم تكن هذه رحلة لجوئه الأولى، ففي عام 2006 في ذروة الحرب الأهلية في العراق، فرت عائلته إلى سوريا، ثم عادت إلى بغداد عندما غرق البلد المضيف بدوره في أعمال عنف. "عاما بعد عام استمر الوضع في العراق في التدهور والفساد والميليشيات استولت على السلطة" يقول أحمد واصفا الوضع في بلده. ثم جاء تنظيم الدولة الإسلامية في 2014 ما أدى إلى موجة جديدة من الهجرة. قال أحمد "أجبرنا على الهجرة ولم يكن لدينا خيار مطلقا". يقول أحمد. وبحسب أرقام المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة، فإن نحو 89 ألف عراقي عبروا البحر المتوسط إلى اليونان وإيطاليا في 2015.


قلق وتعب وخوف من إعادتهم إلى الوطن...

لن تنسى هذه العائلة أبدا العذاب الذي عاشته للوصول إلى مبتغاها. مع وصولهما إلى اليونان عن طريق البحر، بدأت المعاناة بدءا من عبور الحدود الصربية المجرية لدخول الاتحاد الأوروبي. ففي خريف 2015، أقامت المجر أسلاكا شائكة هناك لاحتواء التدفق المستمر للمهاجرين القادمين من البلقان. إذا قبض عليهما، فسيوضعان في مركز احتجاز. لذلك، توجّب على علياء وأحمد أن يضعا مصيرهما في يدي مهرّب نقلهما أثناء الليل مع آخرين إلى وسط حقل حيث تعين عليهما النجاة من سارقي اللاجئين والشرطة المجرية على حد سواء.

واستطاعت هذه المجموعة التي تتقدم بصمت وتضم نساء وأطفالا، النجاة بصعوبة من كمين: فقد كان رجال يتنكرون بملابس شرطيين يستعدون لمهاجمتهم. استخدم بعض المهاجرين غصون الأشجار للدفاع عن أنفسهم فيما تبعثر آخرون. علياء مرتبكة من الخوف لكن المهاجمين اختفوا أخيرا في الظلام. لا أشك بأنهم كانوا لصوصا.

خطواتهما الأولى في أوروبا التي كانا يحلمان بها لم تكن سهلة. ففي بودابست، لا توافق الفنادق ولا حتى بيوت الدعارة على تأجير غرفة للمهاجرين. ليتوجب عليهما النوم في الشارع مع طفلهما، بسبب إنفاق مدخراتهما.

الوصول إلى هولندا مصدر راحة... لكن غير دائم!

كان لأحمد عائلة كبيرة في هولندا، لكن استقبالهم لم يكن مرحب به وهو ما جعل أحمد يشعر بـ"الخيانة" كما يصفها مضيفا بالقول "كان الدواء المر". ليبدأ بعد ذلك رحلة تشرد استمرت أربع سنوات نقلا خلالها من مخيم إلى آخر بما في ذلك سجن سابق للنساء، ومن منطقة إلى أخرى، وكانا ضائعين في متاهة من الإجراءات الإدارية اللامتناهية.

في كانون الأول/ديسمبر 2015 عندما عثرت وكالة فرانس برس عليهما، كانت العائلة تعيش في صندوق من الخشب بدون باب أو سقف في مركز مخصص لإقامة المعارض في مدينة ليوفاردن شمال هولاندا. حينها وصف أحمد حياتهما " الأمر أشبه بكونك طائرا في قفص".

لاجئون عراقيون في تركيا..."مفوضية اللاجئين أدارت ظهرها لنا"

بقيت حياتهما معلقة على خيط الأمل في الحصول على حق اللجوء الذي بدونه، لا يمكنهما العمل أو استئجار منزل أو التخطيط للمستقبل. لكن طلبهما رفض مرتين. لأنه، وفق ما قيل لهما، إن أحمد عاد إلى العراق بعد نفيه في سوريا، وهو الأمر الذي يتناقض مع الادعاءات بأنه غير آمن في بلاده. واستأنفا في المرتين، لكن من دون جدوى.

عاش الزوجان مختبئين لمدة عام من دون وثائق، مجبرين على التوسّل من أجل الحصول على مبيت عند معارفهما مع شعور بأنهما فقدا كرامتهما. وقال أحمد "لم أستطع فعل أي شيء يتضمن إبراز أوراق ثبوتية. لقد كانوا ينظرون إلي بازدراء... كنت أقل قيمة من أي شخص آخر". وتضيف علياء بالقول "في بعض الأحيان، كان الأمر أكثر مما أستطيع تحمله".

بصيص أمل بعد معاناة!

وفقا لدائرة الهجرة والأجانب في هولندا، فإن عدد طلبات اللجوء في هولندا وصل عام 2015 إلى نحو 58880 طلب. ليبقى السؤال الذي يراود أحمد دوما"هل كان الأمر يستحق تعريض نفسك للخطر للوصول إلى هذا المنفى في أوروبا؟".

بالنسبة لعلياء، فإن البلد الجديد جعلها تكتسب ميزات جديدة أهمها أنه أصبحت أكثر ديناميكية وواثقة من نفسها،. فهي، وبسبب ما تعرضت له في العراق، تمكنت من جلب حق اللجوء لأسرتها. فعلياء لم تغادر العراق أبدا، وفي بغداد، اضطرت إلى ترك المدرسة الثانوية بعدما تعرضت لتهديد من إسلاميين متطرفين. وتشير علياء إلى الامل الذي كانت تستمده من طالبي لجوء أخرين تعرفت عليهم من بينهم إمرأة بولندية وتضيف بالقول "عشنا لحظات كثيرة معا منها الحلوة ومنها ما كان مريرا، لكنهم أصبحوا عائلتي الجديدة".

العراقيون في لبنان ...لاجئون منسيون بانتظار "إعادة التوطين"

لكن حنينها إلى وطنها لا ينضب ودموعها تخونها عندما تتذكر عائلتها في العراق، لكن رغم ذلك "لا أشعر بالندم على المغادرة" تقول علياء لوكالة فرانس برس.

وتتمسك اللاجئة العراقية بجذورها وتحاول أن ترسخ هذه الجذور لدى ابنها من خلال قصص ترويها له عن بلدها الأم باللغة العربية "سيكبر هنا لكن عليه أن يعرف من أين أتى"..

أما أحمد ، فهدفه الآن الحصول على رخصة قيادة ليتمكن من تأسيس شركة خاصة به في مجال النقل. ويأمل بالحصول على الجنسية الهولاندية خلال أربع سنوات "لأتمكن من ممارسة حقوقي ومسؤولياتي في البلد الذي تبنانا". يقول أحمد. ويستطرد "الطريق ما زال طويلا لكن الأسوأ أصبح خلفنا. الآن كل شيء ممكن"..

د.ص ( أ ف ب)

 

للمزيد

Webpack App