لاجئون يعملون في ألمانيا
لاجئون يعملون في ألمانيا

ما أثارته كورونا من تعقيدات في حياة البشر منذ ظهورها إلى اليوم كثيرة جداً، ومن بين الفئات الأكثر تضرراً من انتشار الوباء، اللاجئون والمهاجرون الجدد في ألمانيا، حسبما يؤكد سياسيون ألمان. فكيف توقف تطور هذه الفئات؟ وما هي أبرز المشاكل التي سببتها كورونا في حياتهم الجديدة؟

 

 أن يقف الفيروس عائقاً أما تطور حياتهم في البلد الجديد ليس كلاماً يرددونه تذمراً فقط، بل هي حقيقة ظهرت انعكاساتها السلبية على اللاجئين والمهاجرين الجدد في ألمانيا جلياً على مختلف المستويات، سواء ماديا أو نفسيا، أو حتى على مدى اندماجهم وتطور لغتهم وتواصلهم بالألمانية مع الألمان.

هذه الحقيقة، أكدتها دراسة أجراها مركز أبحاث تابع للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين في مدينة نورنبورغ خلال شهر أبريل/نيسان 2021، إذ عبر اللاجئون الذين شاركوا في الاستطلاع أن تواصلهم مع الألمان قد انخفض كثيرا في 2020 بسبب القيود المفروضة المرتبطة بوباء كورونا. كما عبر الكثير من المشاركين في الاستطلاع عن مخاوفهم من تدهور مهارتهم في اللغة الألمانية.

دراسة أجراها مركز أبحاث تابع للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين تؤكد تدهور تواصل اللاجئين بالألمان
دراسة أجراها مركز أبحاث تابع للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين تؤكد تدهور تواصل اللاجئين بالألمان

إغلاق المدارس!

"لم يمر وقت طويل على بدء تعلمي اللغة الألمانية في المدرسة، حتى تسببت كورونا في إقفالها وتوقف تحصيلي وتطوري"، تحكي دنيا . أ في حديث لمهاجر نيوز. وصلت دنيا إلى ألمانيا في إطار تجمع عائلي نهاية 2018، ولم تتمكن من بدء تعلم اللغة بسبب حملها وانتظرت سنة كاملة للتسجيل في مدرسة خاصة لتعليم اللغة، لكن كورونا أوقفت مسار تعلمها بعد وقت وجيز.

"لم يكن أمامي حل غير الأونلاين، رغم أن ذلك صعب بوجود طفلي إلا أنني وجدت الأمر مريحاً نوعاً ما، فالوقت الذي كنت أضيعه في التنقل كسبته الآن"، تشرح دنيا مزايا البديل الذي اختارته لعدم التوقف عن تعلم اللغة، موضحة أن التعلم عن بعد ليس بنفس الفعالية لأنها تفتقد التواصل المباشر ما قبل الدرس وبعده مع الزملاء، لكنها تجده حلاً أفضل من التوقف نهائياً.

من بين 20 شخص في قسم دنيا، 18 طالباً اختار الاستمرار في تعلم اللغة عن بعد حتى ما بعد كورونا، خاصة الأمهات والموظفين، الذين وجدوا في الأمر حلاً لمشكل الوقت والتنقل.

من جهته، يرى المحافظ حسن، خبير بمكتب العمل الألماني، أن تأثير كورونا على اللاجئين والمهاجرين كبير جدا فيما يخص التعلم والعمل والتواصل، "فإغلاق المدارس تسبب للكثيرين في توقف تعلم اللغة، خاصة الأمهات والرجال الذين ليست لديهم معرفة كبيرة بالأجهزة الذكية".

صورة تعبيرية لأحد العاملين في مكتب العمل الألماني يستقبل أحد الباحثين عن عمل
صورة تعبيرية لأحد العاملين في مكتب العمل الألماني يستقبل أحد الباحثين عن عمل

وشدد المتحدث، انطلاقا من متابعته لحالات مختلفة من اللاجئين، أن "دروس الأونلاين لم تعجب الكثيرين، فالاستفادة فيها أقل بكثير من درس حضوري تفاعلي مع أستاذ وزملاء في القسم بشكل مباشر"، موضحاً أنه من الضروري أن تكون "المبادرة الفردية والإصرار على التعلم أساس تفكير اللاجئين والمهاجرين الجدد في ألمانيا، فالتعلم عبر اليوتوب أو أي تطبيقات لتعلم اللغة بالإضافة إلى التلفزيون والراديو وقراءة الجرائد سيكون سلاحهم من أجل اندماج أسرع". موصياً بعدم انتظار كل شيء من الدولة والاعتماد على تطوير الذات، لأن اللغة هي مفتاح النجاح في التدريب أو العمل في ألمانيا.

كما لفت المتحدث إلى أن من بين الأسباب التي ساهمت في توقف تطور اللغة لدى اللاجئين والمهاجرين الجدد بعد ظهور الفيروس، هو أن "الكثيرين أغلقوا على أنفسهم في بيوتهم خوفا من الإصابة به، وصار الحديث في المنزل بلغتهم الأم فقط وانقطع تواصلهم مع الألمان، وهو ما أدى لتراجع مكتسباتهم اللغوية والتواصلية وهو أمر سيء للغاية سببه كورونا".

توقف التدريبات المهنية

أكد لنا المحافظ حسن، الخبير بمكتب العمل الألماني، أن بعض التكوينات المهنية تأثرت كثيراً، خاصة مجال تعلم الطبخ والتدريب في الفنادق وشركات إصلاح السيارات، إضافة إلى ذكره لنموذج لاجئ توقف مساره وتدريبه وحرم من فرصة عمل كانت أكيدة بسبب كورونا.

الحديث هنا عن لاجئ تقدم للحصول على فرصة عمل كرجل أمن، وجد مكتب العمل تدريبا له لمدة أسبوع فقط، يتمكن بعده من الالتحاق بالعمل، لكن قرارا بوقف التدريب حينها بسبب فرض الإغلاق جعله متوقفا منذ ما يزيد عن سنة، لم يتدرب أو يعمل خلالها وظل معتمدا على إعانات الدولة عوض تحقيق كسب بمجهوده الشخصي كما كان يطمح.

التدريب المهني يفتح الباب أمام اللاجئين لدخول سوق العمل الألماني
التدريب المهني يفتح الباب أمام اللاجئين لدخول سوق العمل الألماني

ويوضح المحافظ حسن، أن هناك مجالات تدريبات ضمن شركات معينة لم تتوقف، لكنها قلصت عدد المتدربين بسبب الإجراءات الوقائية والمشاكل المادية، مما جعل الدولة تخصص للشركات دعما ماديا من أجل تشجيعهم على الاستمرار في تكوين أناس جدد، تفاديا لأزمة خلال سنوات الخصاص.

فقدان العمل والتواصل مباشر

دراسة معهد أبحاث التوظيف التابع للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين في نورنبورغ، أكدت أن أكثر المواقف التي جمعت بين الألمان واللاجئين، كانت أماكن العمل والتدريب المهني. وهو ما تؤكده قصة أحمد جواد الزبيدي، مهاجر عراقي يقطن منذ ست سنوات في ألمانيا.

كان تأثير جائحة كورونا على أحمد كبيراً، إذ فقد عمله في محل الحلاقة الذي كان يشتغل فيه بمدينة نورنبرغ، بسبب قرار الإغلاق أولا، وقلة الزبائن بعد قرار الفتح، مما لم يساعد صاحب المحل على إعادة طاقم المحل للعمل.

أحمد جواد الزبيدي، مهاجر عراقي مقيم بألمانيا، فقد عمله بسبب الإغلاق الذي تسببت فيه كورونا
أحمد جواد الزبيدي، مهاجر عراقي مقيم بألمانيا، فقد عمله بسبب الإغلاق الذي تسببت فيه كورونا

يقول الزبيدي إن كورونا والخوف من الإصابة بها، جعل ما لا يقل عن ستين بالمئة في تقديره خائفين من انتقال العدوى لهم، فاختاروا الاعتماد على أنفسهم وحلق شعرهم في المنزل بمساعدة أفراد الأسرة لبعضهم. وهو ما جعل هذه الحرفة وممتهنيها يعانون بشكل كبير، إذ تسبب فقدان العمل لأحمد بالاضطرار للتسجيل بمكتب العمل والاعتماد على تعويضاته المادية.

قبل الجائحة، يقول أحمد في حديثه لمهاجر نيوز، إنه كان يفكر في افتتاح مشروع خاص به، لكن آثار الجائحة الاقتصادية والنفسية، أوقفت كل أحلامه وخططه، وجعلته معتمدا على الإعانة في أبسط متطلبات الحياة.

وشدد المتحدث أن اندماجه في المجتمع الألماني تأثر بقوة في فترة توقفه عن العمل، "كما ضعفت قدرات المحادثة التي درسناها في الدورات التدريبية الخاصة باللغة الألمانية"، بسبب التوقف عن اللقاء بالزبائن وأيضا الزملاء والأصدقاء التي تمكن من التعرف عليهم طيلة فترة تواجده في ألمانيا.

 ماجدة بوعزة

 

للمزيد