هيوا كوليتشي، غادر هنغاريا لتقديم طلب لجوء في آيسلندا
هيوا كوليتشي، غادر هنغاريا لتقديم طلب لجوء في آيسلندا

لسنوات، وجد مئات الأشخاص الذين حصلوا على الحماية في الاتحاد الأوروبي، والذين لم يروا مستقبلاً واعداً لهم في الدول الأعضاء المستقبلة، فرصة ثانية في أيسلندا. غير أن هذا الأمر قد تغير و لم يعد كالسابق.

"إنه شعور مثل المشي على حافة العالم." هكذا يصف هيوا كوليتشي سيره اليومي على طول طريق ساحلي في ريكيافيك، عاصمة أيسلندا، حيث يظهر البحر والسماء عادة باللون الرمادي. إذ يحاول كوليتشي من خلال الذهاب في نزهات طويلة  السيطرة على القلق الهائل الذي يشعر به حيال المستقبل القريب: "قد تكون آيسلندا المكان الذي سينتهي فيه العالم بالنسبة لي"، على حد تعبيره.

كوليتشي، رجل كردي يبلغ من العمر 40 عاماً، تقدم بطلب للحصول على اللجوء في آيسلندا الصيف الماضي. وكان قبل ذلك قد عاش في هنغاريا كلاجئ لمدة 14 عاماً. ويقول إنه لم يكن لديه أي أمل هناك في أن يتم قبوله كجزء من المجتمع، حيث واجه التمييز، وكان يعيش في ظل خوف دائم من الترحيل. وكحال مئات اللاجئين الآخرين في الصيف الماضي، قرر كوليتشي أن يجرب حظه في أيسلندا. إذ كان يُتداول أن آيسلندا لا تقوم بترحيل طالبي اللجوء إلى دول مثل هنغاريا، وأن هناك فرصة للبقاء فيها على الرغم من الحصول على"وضع" اللاجئ في هنغاريا. إلا أن الوضع قد تغير، هذا ما أدركه كوليتشي بعد أن رُفض طلبه في أيسلندا مرتين.

قبول اللاجئين في أيسلندا واتفاقية دبلن

في صيف عام 2020 ، على الرغم من قيود السفر وزيادة الضوابط الحدودية، وصل حوالي 300 طالب لجوء إلى أيسلندا. كان هذا بمثابة صدمة لدولة يبلغ عدد سكانها حوالي 300 ألف نسمة والتي تتلقى عادة حوالي 600 طلب لجوء سنوياً. وأفادت بعض وسائل الإعلام الأيسلندية عن "عدد قياسي من طالبي اللجوء"، ووفقاً لمديرية الهجرة الأيسلندية، كان معظم المتقدمين لعام 2020 من اللاجئين مثل كوليتشي، الذي كان يتمتع بالفعل بحماية دولية من بلد آخر في الاتحاد الأوروبي.

تقول ثورهيلدور هغالين، المتحدثة باسم مديرية الهجرة الأيسلندية: "ليس جديداً أن يصل المتقدمون للحصول على الحماية الدولية إلى أيسلندا من دول أوروبية أخرى.. ومع ذلك، فإن عدد الأشخاص الحاصلين على حماية دولية من دولة أوروبية أخرى، والذين يتقدمون بطلبات لجوء في أيسلندا، قد تزايد في السنوات والأشهر الماضية".

إن الحصول على صفة لاجئ في مكان آخر في أوروبا يؤدي تلقائياً إلى عدم إمكانية تقديم طلب لجوء مرة أخرى، وذلك وفقاً لاتفاقية دبلن، التي تعد آيسلندا طرفاً فيها، ويحق للأعضاء إعادة الأفراد إلى البلدان التي تم فيها جمع بصماتهم لأول مرة. غير أن قوانين الهجرة الأيسلندية تسمح للمسؤولين بتجنب إعادة الأشخاص إلى بلدان يكون وضع المهاجرين فيها متردياً.

وتقول ثورهيلدور هاغالين: "نحن نعلم كيف هو الوضع في دول مثل هنغاريا واليونان.. ولهذا السبب لا نعيد الأشخاص على الفور إلى هذه البلدان، لمجرد أنهم مسجلون هناك كلاجئين".

بالنسبة للأشخاص الذين ما تزال طلباتهم للجوء في اليونان أو هنغاريا معلقة أو مرفوضة، لهم الحق في تقديم طلب جديد في أيسلندا. وتتابع ثورهيلدور: "ستتم مراجعة طلباتهم بعد ذلك خارج لائحة دبلن". غير أن الأشخاص الذين لديهم حماية بالفعل، مثل كوليتشي، عليهم إقناع السلطات بأن لديهم "ظروفاً خاصة".

وتحدد ثورهيلدور الظروف الخاصة على النحو التالي: "إذا كان مقدم الطلب سيواجه صعوبات في الدولة المستقبلة بسبب تمييز خطير، أي فيما يتعلق بالحصول على الخدمات الصحية والتعليم وسوق العمل وما إلى ذلك، أو لوجود ظروف إنسانية صعبة في الدولة المستقبلة".

محاصرون في هنغاريا

قبل وصوله إلى أيسلندا، كان كوليتشي واثقاً من أن قضيته ستندرج بشكل مقنع ضمن فئة "الظروف الخاصة". وأعرب عن اعتقاده بأن سياسات هنغاريا التمييزية والعنصرية قد أبقته مستبعداً عن المجتمع. يقول كوليتشي: "بدأ الإقصاء فور وصولي. كان الدعم المالي من الدولة يكاد معدوماً، لذلك بحثت بشدة عن وظيفة، أي وظيفة، للبقاء على قيد الحياة". ولكن مع عدم معرفته باللغة الهنغارية، اقتصرت خياراته على وظائف مثل مساعد المطبخ أوأعمال خدمية في المطاعم. يقول كوليتشي: "كان أصحاب العمل من المهاجرين أيضاً، وغالباً أصحاب محلات الكباب". ويتابع إن مثل هذه الوظائف تأتي دائماً بعقود غير رسمية تماماً أو دون أي عقد على الإطلاق وتتطلب عملاً طويلاً ومرهقاً في بيئات منعزلة"، موضحاً أنه لأعوام طويلة لم يكن لديه أي علاقات أو اتصالات مع السكان المحليين، ولا حتى فرصة لتعلم اللغة المحلية "كنت محاصراً."

 وقد قدم كوليتشي لسلطات الهجرة الأيسلندية سجلاً لحوالي مئات من طلبات العمل التي لم يتم الرد عليها من قبل الشركات المجرية التي قدمها عليها قبل بضعة أشهر من مغادرته هنغاريا - كنموذج لجهوده من أجل الاندماج.  ويعتقد أنه "لولا وضعي كلاجئ، لكانت إحدى طلباتي الوظيفية قد نجحت". وأضاف أنه في مناسبات عدة، أجابه أصحاب العمل أن توظيف لاجئ سيكون معقداً للغاية بالنسبة لهم.

وتعرف هنغاريا بسجل حافل في إساءة معاملة طالبي اللجوء. كان رئيس وزرائها، فيكتور أوربان، قد دعا علناً وبشكل متكرر اللاجئين بـ "الغزاة المسلمين، لتدمير النسيج الثقافي لأوروبا". ويقول كوليتشي إنه سمع كلمات رئيس الوزراء يتردد صداها من فم السكان المحليين: "ذات مرة طلب مني صاحب المنزل المغادرة بعد شهر من توقيع العقد. فقد اكتشف أصولي وأخبرني أنه لا يريد "غازي مسلم" يسكن في بيته ". ويشير كوليتشي إلى أن الأمر لا علاقة له بالإيمان. ويقول: "تقوم الدولة بتشويه صورة كل لاجئ قادم من دولة ذات أغلبية مسلمة، حتى وإن كانوا ملحدين".

رئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان
رئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان


عندما ضرب الوباء هنغاريا، فقد كوليتشي الأمل الأخير في الحصول على مستقبل هناك، حيث أغلقت المطاعم وانخفضت الوظائف شبه الرسمية الأخرى في قطاع الخدمات، بينما ألقى المسؤولون المجريون باللوم على المهاجرين في الوباء. بعد ذلك، ما إن فتحت المطارات مرة أخرى في حزيران/ يونيو، اقترض كوليتشي بعض المال لتغطية سفره إلى أيسلندا وغادر هنغاريا.


ضغوط لتغيير قانون الهجرة

تم رفض طلب كوليتشي للحصول على اللجوء مرتين. ويشعر أن السلطات تسعى لترحيله لإرسال إشارة تحذيرية حمراء للآخرين الذين يخططون للمجيء إلى أيسلندا. فيما تقول محاميته آنا أرنديس: "إن مديرية الهجرة ترفض هذه الطلبات بحجج واهية للغاية".

تعمل أرنديس مع الصليب الأحمر الآيسلندي منذ عام 2009. وتقدم المساعدة القانونية لطالب اللجوء. وقالت: "بدأت السلطات الأيسلندية الآن في إعادة الأشخاص إلى هنغاريا، الأمر الذي لم تفعله منذ ثلاث سنوات". مضيفة: "في اعتقادي، السبب وراء ذلك أن عدداً كبيراً جداً من الأشخاص (الذين لديهم حالة مماثلة) تقدموا بطلبات لجوء فجأة."

والجدير بالذكر أنه قبل شهرين من وصول هيوا، قدم وزير العدل الأيسلندي مشروعاً جديداً بشأن قانون الهجرة إلى البرلمان. مشروع القانون الذي إذا تم إقراره، فإنه سيسرع من معالجة الطلبات المقدمة من قبل الأشخاص الذين حصلوا على الحماية في دول أوروبية أخرى. وتقول أرنديس: "يمكن للقانون الجديد أن يسهل على الحكومة ترحيل الأشخاص إلى اليونان وهنغاريا".

في حين أعربت جمعية المحامين التابعة للصليب الأحمر وجماعات حقوقية آيسلندية أخرى عن مخاوفها بشأن انتهاكات حقوق الإنسان المحتملة في ظل القانون الجديد. كما انتقد بعض أعضاء البرلمان الأيسلندي الوزير لضغطه لإعادة الناس إلى المجر واليونان وسط جائحة.

وبالعودة إلى كوليتشي، فأنه ينتظر في هذه الأيام تلقي القرار النهائي على استئنافه الأخير. ويقول: "التفكير في الترحيل إلى هنغاريا يخيفني حتى الموت". وعلى العكس من ذلك، فإن احتمال البقاء في أيسلندا يلهمه ويقول: "أريد أن أدرس لأصبح مدرساً هنا.. يمكنني تعليم الأطفال أن يقدروا قيمة الحياة البسيطة، التي كنت أتمنى الحصول عليها".

 

للمزيد