أطفال لاجئون سوريون يلعبون في أحد المخيمات غير الرسمية في مدينة بر الياس في البقاع، شرق لبنان، 22 نيسان\أبريل 2021. رويترز
أطفال لاجئون سوريون يلعبون في أحد المخيمات غير الرسمية في مدينة بر الياس في البقاع، شرق لبنان، 22 نيسان\أبريل 2021. رويترز

مرة جديدة، يجد اللاجئون في لبنان أنفسهم عرضة للتمييز وفي مواجهة خطر يتهدد مستقبل أبنائهم. فمع إقرار وزارة التربية اللبنانية تاريخ الامتحانات الرسمية للعام الجاري، يجد هؤلاء اللاجئون أنفسهم أمام معضلة تأمين أوراق ثبوتية من سوريا، سيضطرون لدفع مبالغ مالية من أجل الحصول عليها (وهو ما ليس باستطاعتهم نتيجة الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان)، فضلا عن عدم تمكن معظمهم من التوجه إلى سوريا نتيجة انتهاء صلاحيات إقاماتهم، وبالتالي سيكونون عرضة للسجن أو للترحيل في تلك الحالة.

"لا أعتقد أن هناك ظلم أكثر من هذا، منذ سنوات وأراقب أطفالي يكبرون في هذا البلد، تعلموا فيه وأنشأوا علاقات اجتماعية فيه، حتى أنهم يتحدثون باللهجة اللبنانية، مع ذلك لا يمكنهم تحصيل مستقبل هنا. لن يتمكنوا من التقدم للامتحانات الرسمية هذا العام".

بهذه العبارات وصف خالد، اللاجئ السوري في لبنان منذ العام 2015، المعضلة التي تواجهه وأولاده حاليا. لدى خالد ثلاثة أبناء، جميعهم مرشحون للتقدم للامتحانات الرسمية هذا العام (بريفيه وبكالوريا). "قبل فترة اتصلت بي إدارة مدرسة الأولاد طالبة مني تأمين وثائق رسمية لهم ليتمكنوا من الخضوع للامتحانات. في البداية لم أعتقد أن الأمر معقد لهذه الدرجة. كان علي تأمين بيانات قيد لهم جميعا من سوريا، ثم علي مصادقتها من وزارة الخارجية اللبنانية ومن السفارة السورية في بيروت. اكتشفت أن الأمر معقد إلى حد كبير، بداية يحتاج لمبلغ مالي أنا لا أملكه حاليا. كما أنني لا أستطيع الذهاب لسوريا في الوقت الحالي، فليس لدي أوراق في لبنان، وخروجي الآن سيضعني بمواجهة خطر السجن أو الترحيل".

للمزيد<<< الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا.. كارثة على أبواب اللاجئين في لبنان

امتحانات إلزامية

ما قاله اللاجئ السوري المتواجد في منطقة البقاع اللبنانية، المحاذية للحدود السورية، ينطبق على الكثير من العائلات التي لديها أبناء أو بنات من المفترض أن يتقدموا هذا العام للامتحانات الرسمية.

ووفقا للنظام التربوي في لبنان، على كافة الطلاب الخضوع لامتحانات رسمية إلزامية في نهاية الصف التاسع (البروفيه) وفي نهاية الصف الثاني عشر (بكالوريا).

وكانت وزارة التربية اللبنانية قد ألغت في السابق بعضا من المتطلبات المشروطة لخضوع الطلاب السوريين للامتحانات الرسمية، كشرط إثبات الإقامة، بناء على قرار من مجلس الوزراء. لكن حتى الآن، لم يتم إلغاء هذا الشرط، على الرغم من أن الامتحانات حددت مواعيدها خلال آب\أغسطس القادم.

مفوضية اللاجئين، الوكالة الأممية المعنية بتسيير شؤون اللاجئين السوريين في لبنان، كانت قد نشرت تعميما حول ضمان خضوع أبنائهم للامتحانات الرسمية هذا العام، دون أن تقدم توضيحات إضافية حول تلك الضمانات وما على اللاجئين القيام به".

"حاولت الاتصال بالمفوضية مرارا دون أن أحظى بأي رد أن توضيح"، يقول خالد، "وهذا أمر متوقع...".

"انخفضت معدّلات التحاق اللاجئين السوريين بالمدارس في لبنان إلى 1% فقط في المرحلة الثانوية"

"هيومن رايتس ووتش" نشرت بيانا الثلاثاء، الرابع من أيار\مايو الجاري، بعنوان "لبنان: اسمحوا للطلاب اللاجئين السوريين بتقديم الامتحانات"، تحدثت فيه عن تلك المشكلة. المنظمة الحقوقية أوردت في بيانها شهادات لعدد من الأسر السورية ممن يواجهون تلك المشكلة، وتحدثت عن تحديات تأمين الأوراق الثبوتية التي طلبتها المدارس من تلك العائلات.

وفقا للبيان، "هناك أُسر سورية باعت أثاث منازلها أو استدانت لدفع رسوم الوثائق، حتى أنّ أفرادها تسلّلوا إلى سوريا، مخاطرين بالعقاب الشديد، للحصول على الوثائق التي طلبتها السلطات اللبنانية... لأن السوريين الذين لا يحملون إقامة قانونية ويغادرون لبنان عبر المعابر الحدودية الرسمية يمنعون من العودة".

وأضاف "انخفضت معدّلات التحاق اللاجئين السوريين بالمدارس في لبنان إلى 1% فقط في المرحلة الثانوية، ويتفاقم الوضع في ظلّ تفشي كورونا".

التكاليف المادية تشكل العائق الأساسي

بدوره، قال المركز اللبناني للدراسات "يقدر عدد اللاجئين السوريين في لبنان بحوالي مليون ونصف المليون، منهم 879,529 مسجلين في مفوضية الأمم المتحدة للاجئين. وحوالي 78% من اللاجئين السوريين المسجلين (فوق سن 15 عاماً) لم تكن لديهم في 2019 تصاريح إقامة قانونية".

وأورد المركز أنه "من بين الأسباب الرئيسية لعدم حصولهم على إقامة، التكاليف المادية، نحو 450 ألف ليرة لبنانية للفرد في العام. وتتضاعف تلك التكلفة في حال مرت مدة شهرين دون تجديدها. وبالنسبة إلى الحصول على جواز سفر من السفارة السورية في لبنان، فإن تكلفة جواز السفر تصل إلى 325 دولاراً، بينما متوسط الدخل الشهري للأسرة الواحدة من اللاجئين السوريين يصل إلى 267 دولارا".

ودعت هيومن رايتس ووتش وزارة التربية اللبنانية إلى "دعم الحقّ في التعليم وإلغاء شرطها بحيازة الطلاب إقامة قانونية لتقديم الامتحانات المدرسية فورا. ينبغي أن تلغي الحكومة اللبنانية بشكل دائم القيود التمييزية المتعلّقة بإتاحة التعليم للطلاب اللاجئين".

للمزيد<<< العراقيون في لبنان.. لاجئون منسيون بانتظار "إعادة التوطين"

بيل فان إسفلد، مدير مشارك في قسم حقوق الطفل في "هيومن رايتس ووتش"، قال "تكافح العائلات السورية اللاجئة بشدّة لتأمين التعليم لأطفالها، لكنّ شروط الحكومة اللبنانية المستحيلة لتأمين الوثائق توصد الأبواب في وجه محاولات هذه العائلات. على المانحين الدوليين إعلاء الصوت بشأن سياسات لبنان التمييزية التي تدمّر حياة ومستقبل الأطفال اللاجئين، والضغط من أجل إتاحة الوصول التام إلى التعليم".

أما مها شعيب، مديرة مركز الدراسات اللبنانية، فقالت "يُفرّط لبنان بمئات الملايين من الدولارات التي يرسلها المانحون لتعليم الأطفال اللاجئين عبر منع هؤلاء الأطفال من التقدّم للامتحانات المدرسية. ينبغي للمانحين الدوليين، الذين تبرّعوا بسخاء لتفادي ضياع جيل، مطالبة الحكومة بإزالة هذه العوائق أمام التعليم نهائيا".

وأضافت في بيان نشرته على موقع إحدى الوسائل الإعلامية "كثيرا ما تستخدم وكالات الأمم المتحدة مصطلح ‘الفئات المستضعفة‘ لوصف اللاجئين. ومع ذلك، فإنها تزيد من ضعفهم من خلال وضع آليات مبهمة مع السلطات اللبنانية في ما يتعلق بالمستقبل الدراسي والأكاديمي للأطفال السوريين. إذ يتركونهم تحت رحمة القوانين اللبنانية القائمة على التمييز، ويفرضون عليهم مرتبة أدنى وهم ينتظرون الموافقة- بعيدة المنال- على طلب بالمن عليهم لاستئناف دراستهم".

"المدارس مجبرة على اتباع تعليمات وزارة التربية"

مدير إحدى المدارس الرسمية في مدينة طرابلس شمال لبنان (طلب التحفظ عن ذكر هويته)، قال لمهاجر نيوز إن "بعض مدراء المدارس كانوا متسامحين مع الطلاب السوريين لجهة التساهل في عدم تمكنهم تأمين الأوراق الثبوتية اللازمة. لكن ذلك يمكن تطبيقه فقط ضمن إطار صلاحيات هؤلاء المدراء، أي داخل المدرسة، أما حين يتعلق الأمر بالامتحانات الرسمية، فيصبح الموضوع خارج نطاق سيطرتهم، إذ عليهم تطبيق تعليمات وزارة التربية".

للمزيد<<< الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا.. ما الخيارات المتاحة أمام اللاجئين السوريين في لبنان؟

وأضاف "للأسف الخاسر الأول والأخير في هذه الوضعية هم الأطفال السوريون. ننتظر قرارا من مجلس الوزراء لتعديل متطلبات الأوراق المطلوبة منهم ليتمكنوا من التقدم للامتحانات، لكن مع الأزمات الاقتصادية والسياسية المتتالية التي نعيشها حاليا، أخشى أن هذا القرار لن يبصر النور".

وأكد المدير أنه فتح أبواب مدرسته للطلاب السوريين دون قيد أو شرط، لكنه غالبا ما كان يصطدم بالإجراءات القانونية الواجب اتباعها، "خاصة التعاميم الصادرة عن وزارة التربية".

***وأثناء إعداد هذه الورقة، نشرت وزارة التربية اللبنانية تغريدة على حسابها على تويتر قالت فيها "توضيحا لما نشر حول ما يعانيه بعض الأجانب والنازحين من عدم القدرة على تأمين الإقامات لأولادهم بالسرعة اللازمة، ما يسبب التأخر في تأمين الأوراق للترشح للامتحانات الرسمية... تم إعداد الكتاب وإرساله وفقا للأصول القانونية إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء لاستصدار القرار بالموافقة على ضمان حق هؤلاء المرشحين بالتقدم من الامتحانات الرسمية".

 

للمزيد