شابان مغربيان يتناقشان مع عضوة في إحدى الجمعيات العاملة مع المهاجرين، في مليلة. المصدر: مهاجر نيوز
شابان مغربيان يتناقشان مع عضوة في إحدى الجمعيات العاملة مع المهاجرين، في مليلة. المصدر: مهاجر نيوز

مشردون في مليلية، يقيمون قبالة الشواطئ أو بالقرب من المناطق الحدودية مع المغرب. مهاجرون مراهقون وقاصرون مغاربة، يغامرون يوميا بانتظار فرصة لحياة أفضل. ففضلا عن المعاناة التي يعيشونها والعنف الذي يتعرضون له، لكنهم يأبون إلا أن يحفظوا ابتساماتهم وما تبقى لهم من طفولة مختبئة.

أطفال ومراهقون مغاربة يتسكعون في إحدى الحدائق الترفيهية بالقرب من أكاديمية الشرطة في مليلية. منهم من يلعبون كرة القدم، آخرون يتبادلون الأحاديث... أصوات المراهقين تطغى على كل ما يدور من أنشطة حول الحديقة، وكأنهم يسيطرون عليها بوجودهم الذي لا يخلو من البراءة وضحكهم الذي غالبا ما يكون مقترنا بأحداث مأساوية جرت مع أحدهم في الليلة السابقة.

للوهلة الأولى يمكنك الإحساس مباشرة بالمعاناة اليومية التي يضطرون لتحملها هنا في مليلية، ثيابهم رثة وأحذيتهم تبدو عليها علامات التلف، وجوههم تخفي غضبا ممزوجا بروح النكتة الساخرة، لكنهم مع ذلك يجلسون مسالمين لا ينظرون لأحد ويتعمدون عدم إزعاج غيرهم من رواد الحديقة.

للمزيد>>> في مليلة الإسبانية.. شبح الهجرة يتصدر الأحاديث اليومية

رائد، 17 عاما، كان يتلقى العلاج لجرح في قدمه كان قد أصيب به الليلة الماضية أثناء هربه من دورية الشرطة. متطوعة في إحدى الجمعيات الإنسانية في الجيب الخاضع للسيطرة الإسبانية كانت تغير له الضمادات وتحاول أن تحدثه لتلهيه عن ألم الجرح.

بجانب رائد كان عبد الله، مهاجر مغربي يبلغ من العمر 18 عاما، ينفث دخان سيجارته وهو ينظر لرائد والبسمة تعلو وجهه. كان يتعمد إلقاء النكات كلما بان الألم على زميله، ويتعمد إضحاك أصدقائه معه أيضا. "هذا عملنا اليومي"، قال عبد الله لمهاجر نيوز، أن نحاول تحمل مآسينا والابتسام بوجه الظلم المحيط بنا".

الظلم، الكلمة الأكثر ترددا على ألسنة هؤلاء المراهقين، المشردين في شوارع مليلية نهارا والخاضعين لسطوة رجال الأمن في مركز إيواء في ساحة "بلازا ديل توروس" في المساء.

"يخرجون من مركز الإيواء ليصبحوا مهاجرين غير شرعيين"

أيوب، شاب مغربي خرج حديثا من مركز "بوريسيما" لإيواء المهاجرين القاصرين بالقرب من مركز "سيتي"، وبات مشردا من حينها. يقول أيوب لمهاجر نيوز "أنا هنا منذ أكثر من سنتين. قصتي مشابهة للكثيرين من حولي، بداية أحمل تاريخي ميلاد، الأول مغربي والآخر إسباني. في المغرب عمري 23 عاما، وهنا أبلغ من العمر 18. عند وصولي إلى مليلية شكوا بكون قاصر، فأجروا لي فحص العظام وقدروا عمري بـ16 حينها. 

ويضيف الشاب "أمضيت الفترة كلها في المركز دون أن أتمكن من الاطلاع على حقوقي أو واجباتي. لم يكن هناك أي إرشاد لنا حول ما يمكن أن تكون خطوتنا التالية. الكثير منا (المغاربة) غالبا ما يخرجون من المركز دون أوراق، وبالتالي يصبحون في وضع غير شرعي ويحق للسلطات إعادتهم إلى المغرب".

يسترسل أيوب في شرح الظروف المعيشية والمعاناة التي يمر بها القاصرون في مركز الإيواء، ويشدد على أنهم لحظة خروجهم من هناك يشعرون وكأنهم ولدوا من جديد. لكن كل ما مر به الشاب لا يقارن بمعاناة أقرانه من المشردين، حسب قوله.

"سجن بمساحة 13 كلم"

ليس بعيدا عن أيوب، كان حسن يجلس وحيدا ينظر إلى هاتفه الخلوي. يقول إن عمره 22 عاما، يتكلم الإسبانية بشكل جيد والبسمة تكاد لا تفارق محياه.

وفقا لهذا المهاجر الذي وصل إلى مليلية قبل عام، الحياة هناك "أشبه بسجن تبلغ مساحته 13 كلم. ما من مكان يمكنك التوجه إليه، أنت عالق هنا. لا يمكنني الذهاب إلى إسبانيا ولا أريد العودة للمغرب".

يصف حسن الوضع وكأنه دائرة متصلة، لا يمكن مغادرتها بسهولة، "ليس أمامي وأمام غير من هؤلاء الشبان سوى البحر، علينا تدبر أمرنا للوصول إلى البر الإسباني بأي طريقة".


ليس لدى حسن أي مكان ليبيت فيه، فقرر مع أصدقاء له أن يستوطنوا على سفح إحدى التلال المواجهة للبحر. وغالبا ما ينتشر المهاجرون المغاربة في أماكن مختلفة من الجيب، سواء عند البحر أو بالقرب من المناطق الحدودية مع المغرب، يجمعون بضعة أكياس بلاستيكية وحاجيات من القمامة لينشؤوا بها نوعا من الملجأ، يحتموا به من الرياح والأمطار. 

العلاقة مع الشرطة: عنف وابتسامات

ليس لدى حسن، كما غيره من هؤلاء المراهقين، أي أوراق رسمة أو مدخول مادي. هم يعتمدون بشكل شبه كلي على ما قد تقدمه لهم الجمعيات غير الحكومية من مساعدات، إن وجدت. فضلا عن ذلك، هم يضطرون للاختباء معظم الوقت بعيدا عن أعين الشرطة، فوفقا لحسن وزملائه "إذا رصدنا شرطي غاضب، سيحاول صب جام غضبه علينا. لدي أصدقاء أصيبوا بندوب دائمة في وجوههم، آخرون كسرت أرجلهم وأيديهم، العنف الذي نواجهه هنا من الشرطة لا يوصف".

الحديث عن عنف الشرطة مع هؤلاء الشبان غالبا ما يرافقه ضحكات وابتسامات، يبدؤون مباشرة بسرد أحداث وقعت معهم حول عنف تعرضوا له أو إجراءات تمييزية مذلة مارستها الشرطة بحقهم. يقول أيوب "بتنا نعرف رجال الشرطة، نعرفهم بالأسماء والألقاب، وهم يعرفوننا. وعند بدء جولة العنف بحقنا يبتسمون لنا، ونحن نبتسم، إنها دوامة عبثية كلنا عالقون بها".

مصير مجهول

تقدر الجمعيات والمنظمات المعنية بشؤون المهاجرين القاصرين في مليلية وجود نحو 200 إلى 300 مهاجر مغربي قاصر مشرد هناك. مارتا، من المفوضية الإسبانية لرعاية اللاجئين، "يكاد يكون من المستحيل بالنسبة لهؤلاء الشبان طلب اللجوء، فهم محكومون بالصد المباشر والإعادة إلى المغرب... بسبب النظام الحالي، على هؤلاء المهاجرين، خاصة المشردين منهم أن يعيشوا هذه المشقات في مليلية".

يذكر أن السلطات الإسبانية والمغربية كانت قد وقعت على اتفاقية تجيز للأولى ترحيل المهاجرين من مواطني المغرب مباشرة، لحظة دخولهم الأراضي الإسبانية.

متطوع في إحدى الجمعيات غير الحكومية قال لمهاجر نيوز "مصير هؤلاء الشبان مجهول تماما. بسبب ما يقاسوه هنا، يمكن للشبكات الإجرامية أن تصطادهم بسهولة. جزء منهم للأسف وقع ضحية تلك الشبكات وباتوا مدمني مخدرات، آخرون يهيمون في شوارع المدينة يتوسلون المارة. هذه مشكلة نظام عام وعلى السلطات الإسبانية المباشرة بحلها".

وإلى أن يتبين ما الذي ستقدم عليه السلطات الإسبانية لمساعدتهم، سيستمر هؤلاء الشبان بالعيش في شوارع مليلية، بانتظار فرصة لمغادرة الجيب إلى البر الأوروبي. منهم من يريد أن يتعلم، آخرون يريدون العمل لإعالة أسرهم، لكن ربما قد يكونون جميعا مشتركين في أمنية واحدة، أن يتمكنوا من عيش طفولتهم بهناء.


شريف بيبي، موفد مهاجر نيوز إلى مليلية

 

للمزيد