بوابة مركز "سيتي" لاستقبال المهاجرين في مليلية، 21 مايو\أيار 2021. مهاجر نيوز
بوابة مركز "سيتي" لاستقبال المهاجرين في مليلية، 21 مايو\أيار 2021. مهاجر نيوز

بقدرة استيعاب تصل إلى 700 شخص كحد أقصى، يكافح مركز "سيتي" لاستقبال المهاجرين في جيب مليلية لتأمين شؤون أكثر من ألف مهاجر متواجدين فيه حاليا. جميع المقيمين في "سيتي" هم من طالبي اللجوء، لكن هناك المئات غيرهم، من طالبي اللجوء أيضا، ممن لا يحق لهم التواجد بداخله. مهاجر نيوز توجه إلى المركز واطلع على يوميات المهاجرين فيه، وفي ما يلي عينة من تلك الشهادات.

أشعة الشمس الحارقة لا توفر أحدا، نساء وأطفال ورجال يتجمعون أمام مدخل مركز "سيتي" لاستقبال المهاجرين وطالبي اللجوء في جيب مليلية الإسباني شمال المغرب. الأصوات تتعالى وتتداخل، لغات مختلفة ولهجات متعددة، التعب والإعياء يبدو على وجوه البعض نتيجة وقوفهم أمام مدخل المركز منذ ساعات الصباح.

قبالة المدخل ركن بعض الموظفين سياراتهم، تجد أطفالا وشبانا يجلسون بمحاذاتها طمعا بالحماية من أشعة الشمس الحارقة، آخرون استندوا إلى جدار المركز الحديدي وبأيديهم أكياس فيها خضار وفاكهة، ينتظرون تغيير الحارس ليأتي آخر يقول إنه يسمح لهم بإدخال تلك المواد إلى المركز.

ليس جميع الواقفين هناك مسجلين في الداخل، مهاجر نيوز التقى بأحمد، وهو مهاجر مغربي وصل إلى مليلية قبل نحو عامين سباحة من بني أنصار. لم يوفق أحمد بطلب اللجوء الخاص به، وهو الآن قيد الاستئناف حيث أوكل قضيته لمحام في مليلية ليتابعها.

"لم أعد أحلم"...

أحمد، الذي يبلغ من العمر 32 عاما، يسعى منذ لحظة وصوله إلى الجيب الإسباني لإيجاد مكان في المركز، "أنام في الشارع أو في الأحراج القريبة من هنا. لم يعد بإمكاني التحمل"، يكفكف دمعة سالت من عينه قبل أن يتابع "لم أعد أحلم، لم يعد لدي أي طموح، حياة دمرت أمام عيني وأنا لا يمكنني فعل شيء. حتى المحامي الذي أوكلته قضيتي، بعد أن أخذ مني مبلغ 400 يورو، بات يرفض تلقي اتصالاتي. ماذا أفعل؟ إلى أين ألجأ؟ أنا آتي إلى هنا يوميا، أقف أمام باب المركز لساعات طويلة على أمل أن يسمحوا لي بالدخول، لكن لم أوفق".

بوابة ممكننة يمر عبرها المهاجرين المقيمون داخل مركز سيتي، 21 أيار\مايو 2021. مهاجر نيوز
بوابة ممكننة يمر عبرها المهاجرين المقيمون داخل مركز سيتي، 21 أيار\مايو 2021. مهاجر نيوز

أثناء الحديث مع أحمد، علا صراخ بعض الواقفين، تحلقوا حول إحدى المتطوعات العاملات مع "المفوضية الإسبانية لرعاية اللاجئين"، كانت تقول لهم إنها لا يمكنها تأمين أماكن لهم في الداخل، وإنه عليهم أن يكونوا حاصلين على حق اللجوء. كانت المتطوعة في موقف لا تحسد عليه، فالجميع ينظر إليها وكأنها أملهم الوحيد، وهي تحاول التخفيف عنهم ونصحهم بما يجب أن يقوموا به.

تركنا أحمد وتوجه إلى تلك الجموع يحاول مرة أخرى أن يتوسل مكانا في الداخل.

"لم أعد أعرف نفسي"...

إلى جانب تلك المجموعة جلست أمينة، شابة مغربية في العشرينات من العمر. تحمل أمينة كيسا صغيرا وتنظر إلى محيطها وكأنها غير معنية بكل ما يجري. قالت الشابة لمهاجر نيوز "أنا هنا من نحو عام ونصف، أنام في الشارع أو في الأحراش أو في مبان مهجورة. أحاول أن أقتات من أي مصدر متاح لي"، تصمت، تبكي، ثم تعاود "لم أعد أعرف نفسي، لم أنظر في مرآة منذ زمن، لم أهتم بنفسي منذ زمن. جسدي ما عاد يحتمل النوم على الأرصفة. لا يريدون السماح لي بالدخول إلى هذا المركز لأنني لا أحمل حق اللجوء. أريد النوم على سرير في الداخل لليلة واحدة فقط، هذا بات حلمي وهدفي. تخيل، معظمنا هنا بتنا بلا أحلام، ولا أخفيك سرا، ما عدت أعرف لما أنا هنا أصلا".

صمتت أمينة وأشاحت بوجهها بعيدا، لم تعد تريد التحدث. أمينة وأحمد والمئات غيرهما من المغاربة، يعانون من نفس الظروف كون طلبات لجوئهم مرفوضة، بحكم اتفاقيات بين إسبانيا والمغرب، وهم مهددون بالإعادة إلى المغرب في أي لحظة، لكن ظروف كورونا وإغلاق الحدود لا تسمح باستئناف عمليات الإعادة حاليا.

"لا يرغبون بوجودنا هنا، مع ذلك لا يريدوننا أن نغادر"

خلف أمينة كان سعيد وعبدالله، مهاجران مصريان مقيمان داخل المركز. كانا يستمعان إلى أمينة بأسى وغضب. انتفض سعيد ليقول "كيف يمكن لهم أن يتركوا امرأة وحيدة في الشارع بهذا الشكل. أريد أن أساعدها لكن ما بيدي حيلة. لكن أريد القول أن الحياة في الداخل ليست بهذه السهولة، فنحن عرضة للتفتيش المفاجئ بشكل شبه يومي، ونحن ممنوعون من إدخال المواد الغذائية من الخارج. وإن حصل واعترض أحدنا على شيء فعليه مواجهة عنف رجال الأمن".

أكد الشاب المصري البالغ من العمر 18 عاما أن ظروف الحياة داخل "سيتي" ليست مثالية، لكنهم على الأقل لديهم سقف يأوون تحته. "أنا حاصل على حق اللجوء، وعلى بطاقة التنقل، ومع ذلك يرفضون السماح لي الانتقال إلى البر الإسباني. القانون بصفي، لكن الشرطة لا تريد تطبيقه".

يقع مركز سيتي غرب جيب مليلية، بمحاذاة الشريط الحدودي الفاصل بين الجيب الإسباني وبلدة فرخانة المغربية، 21 أيار\مايو 2021. مهاجر نيوز
يقع مركز سيتي غرب جيب مليلية، بمحاذاة الشريط الحدودي الفاصل بين الجيب الإسباني وبلدة فرخانة المغربية، 21 أيار\مايو 2021. مهاجر نيوز

يهز عبدالله برأسه وهو ينفث دخان سيجارته، "غريب أمرهم هنا، يعاملونا بفظاظة وبعنف، يوضحون لنا دائما أنهم لا يرغبون بوجودنا هنا، مع ذلك لا يريدوننا أن نغادر"، يختم المهاجر المصري جملته بابتسامة صفراء وهو ينظر إلى مجموعة من الأطفال تجمعوا قبالة مدخل المركز، يقول "أكاد أجزم أن الكبير بينهم (الأطفال) لا يتخطى الأعوام الـ14. هؤلاء دمرت حياتهم بالكامل، معظمهم وقعوا ضحايا شبكات الإتجار بالمخدرات والعصابات الإجرامية. كيف سيتعاملون (الإسبان) معهم لاحقا؟ كيف سيعيدون تأهيلهم؟ من يتحمل مسؤولية ضياعهم؟".

"إذا لم نتمكن من الوصول إلى البر الإسباني، فمصيرنا سيكون سيئا للغاية"

بدر، مهاجر يمني يبلغ من العمر 37 عاما، كان واقفا بالقرب من المهاجرين المصريين، قال لمهاجر نيوز "جئت قبل عام، تسلقت السور قبالة الميناء من جهة بني أنصار. بعد الحجر الصحي طلبت اللجوء ونقلوني مباشرة إلى هنا. لا يمكنني الشكوى من الظروف العامة هنا، فأنا أرى المقيمين في الخارج وعذاباتهم. كل ما أريد معرفته هو متى سينقلونا من هنا".

تحدث بدر عن تجربة عبوره الحدود، ومدى فرحه لمغادرة المغرب، حيث كانت الإقامة "جهنمية" حسب تعبيره. لكنه يأسف لحال الكثيرين ممن رفضت طلبات لجوئهم أو العالقين في مليلية، "ما من مستقبل أو حياة هنا. أنا ممنون كوني مقيم داخل المركز لكن في نهاية الأمر إذا لم نتمكن من الوصول إلى البر الإسباني، فمصيرنا سيكون سيئا للغاية".


شريف بيبي، موفد مهاجر نيوز إلى مليلية

 

للمزيد