نحو 300 مهاجر استقروا في حديقة فيلمان في الدائرة العاشرة للعاصمة باريس، قبل أن تقوم السلطات بإخلائهم الخميس 3 حزيران\يونيو 2021. مهاجر نيوز
نحو 300 مهاجر استقروا في حديقة فيلمان في الدائرة العاشرة للعاصمة باريس، قبل أن تقوم السلطات بإخلائهم الخميس 3 حزيران\يونيو 2021. مهاجر نيوز

نقلت السطات الفرنسية أمس المئات من المهاجرين ممن كانوا يقيمون في حديقة "فيلمان" في الدائرة العاشرة للعاصمة باريس، إلى مراكز إيواء في مناطق أخرى. معظم هؤلاء المهاجرين ممن تحدثوا مع مهاجر نيوز، أعربوا بشكل واضح عن تقلص أمانيهم في الحياة إلى مطالب بسيطة للغاية تتلخص بإيجاد مأوى وطعام. بعض من هؤلاء المهاجرين شاركوا مهاجر نيوز قصصهم وأمانيهم.

انتهت أمس أزمة مئات المهاجرين ممن كانوا يقيمون في إحدى الحدائق العامة في الدائرة العاشرة للعاصمة الفرنسية. هؤلاء كانوا قد تجمعوا في تلك الحديقة بعد مشاركتهم في تظاهرة في ساحة الجمهورية، طالبوا فيها بتحسين ظروفهم المعيشية وتأمين مساكن لهم.

للمزيد>>> بعد تحرك الجمعيات.. الشرطة الفرنسية تخلي حديقة وسط باريس وتؤمن السكن لمئات المهاجرين

عدد من المنظمات غير الحكومية رافق المهاجرين خلال تظاهرتهم حتى وصولهم إلى تلك الحديقة الأحد الماضي. جهود تطوعية ساهمت بتأمين الأساسيات لهم، سكان من الحي المحيط بالحديقة شاركوا بدورهم كل حسب طاقته، منهم من تبرع بالأموال وآخرون بالمواد العينية، حتى كان منهم من يتوجهون للحديقة للتحدث مع المهاجرين ومحاولة التخفيف عنهم.

بقي المهاجرون في الحديقة لنحو خمسة أيام قبل أن يتم نقلهم إلى مراكز إيواء. مهاجر نيوز
بقي المهاجرون في الحديقة لنحو خمسة أيام قبل أن يتم نقلهم إلى مراكز إيواء. مهاجر نيوز

مهاجر نيوز التقى بعدد من المهاجرين في الحديقة. قصصهم متشابهة إلى حد بعيد، لكنها متمايزة أيضا.

جنسيات متعددة، من السودان والصومال والتشاد واليمن، جمعهم سعيهم لتأمين مستقبل أفضل والهرب من الحروب والفقر في بلدانهم.

صعوبة الوصول للمعلومات

محمد، مهاجر تشادي يبلغ من العمر 24 عاما، وصل إلى فرنسا قبل نحو ستة أشهر قادما من إيطاليا. اشتكى محمد لمهاجر نيوز من صعوبة الوصول للمعلومات في فرنسا، "المشكلة هنا هي أنه لا أحد يخبرك بما عليك القيام به، كان علي اكتشاف عملية طلب اللجوء بنفسي، ولولا مساعدة الجمعيات لما تمكنت من ذلك بتاتا".

منذ وصوله، مكث محمد في منطقة بورت دو لا شابيل شمال باريس. هناك تجمع عدد من المهاجرين، يقيمون على الطرقات وتحت الجسور كونهم لا يملكون أي ملجئ يأويهم. "لولا المنظمات غير الحكومية لمت جوعا".

ولدى سؤاله عن سبب تواجده في الحديقة أجاب "جئت هنا يوم الأحد، بصراحة لا أعرف لماذا أتيت، أخبرني مهاجرون آخرون أنه سيكون لدينا مظاهرة كبيرة وبعد ذلك ستوفر لنا الحكومة ملاجئ مناسبة".

"أريد استعادة إيماني بالإنسانية"

قصة كامي، وهو مهاجر صومالي يبلغ من العمر 29 سنة تختلف إلى حد بعيد.

المهاجر الشاب وصل إلى فرنسا قبل نحو سنتين، قضى معظم تلك المدة في الشارع. يقول "نقلتني السلطات عدة مرات إلى ملاجئ، لكنها كانت مؤقتة. في كل مرة كنت أجد نفسي أعود إلى الشوارع... تم رفض طلب اللجوء الخاص بي، وهم يريدون إعادتي إلى إيطاليا، لكن الظروف هناك أسوأ بكثير مما هي عليه هنا، أريد البقاء في فرنسا أو الذهاب إلى بريطانيا".

زاوية لتوزيع الطعام على المهاجرين في الحديقة أنشأتها المنظمات الإنسانية. مهاجر نيوز
زاوية لتوزيع الطعام على المهاجرين في الحديقة أنشأتها المنظمات الإنسانية. مهاجر نيوز

أحلام كامي لم تعد كما كانت، فباتت أمنياته الآن مقتصرة على تأمين الأساسيات ليتمكن من الاستمرار في الحياة، "ليس لدي الكثير لأطلبه، أنا فقط بحاجة إلى مأوى، أريد أن أنام تحت سقف ولا أقلق من المطر أو الشرطة أو القوارض في الشوارع. أريد استعادة إيماني بالإنسانية".

17 عاما في شوارع أوروبا

حكاية عبده تلخص الكثير من مآسي هذه الفئة من المقيمين في الدول الأوروبية. عبده من اليمن، عمره 38 عاما، ووصل إلى أوروبا في 2004. يقول لمهاجر نيوز "بيني وبين الشارع في أوروبا معرفة قديمة، فقد زرت معظم دول الاتحاد الأوروبي تقريبا. بداية وصلت إلى إيطاليا ومنها إلى الدول الأخرى... بصمت في هولندا، حيث عشت في شوارعها ثلاث سنوات متتالية. تيقنت أنه ما من أمل لي هناك فذهبت إلى المملكة المتحدة في 2007. بعد عامين طردوني إلى هولندا، قلت لهم إن ظروفي المعيشية هناك كانت معدمة لكنهم لم يعيروني أي انتباه. لاحقا ذهبت إلى فرنسا في 2010 ثم إلى ألمانيا ثم إلى النرويج، وفي كل مرة كنت أهرب من الشرطة لأنني لا أريدهم أن يعيدوني إلى هولندا".

ويضيف "شاركت في مظاهرة ساحة الجمهورية وشاهدت الشرطة وهم يملئون الحافلات بالعائلات والأطفال... تركونا عن قصد...".

ويختم "لأقول لك الحقيقة، أنا مندهش من الطريقة الأوروبية في التعامل معنا، فهي ليست إنسانية بأي حال من الأحوال. إنني أشكر المنظمات غير الحكومية على مساعدتنا ولكن في النهاية هذا لا يكفي ولن يدوم".

"قضية سياسية"

أما سعيد، وهو لاجئ من السودان يبلغ من العمر 34 عاما، أكد لمهاجر نيوز إنه حصل على وضعية اللجوء قبل نحو عامين، لكنه ما زال في الشارع، "ما من حقوق أو امتيازات للاجئ أو المهاجر هنا. جميعنا متساوين بالتشرد، وجميعنا بات ضائعا لا يعرف سبب وجوده هنا. فالحياة في الشوارع تخلق منك شخصا جديدا، وليس بالضرورة شخصا أفضل".

خيام المهاجرين في الحديقة. مهاجر نيوز
خيام المهاجرين في الحديقة. مهاجر نيوز

يشعر سعيد بالامتنان للمنظمات وللمتطوعين من سكان الحي المحيط بالحديقة "أشكر المنظمات غير الحكومية على دعمها، لكنهم لا يستطيعون تزويدنا بأي شيء سوى الخبز والقهوة. منذ أن جئت إلى هنا شعرت بالكثير من التعاطف معنا من السكان المحليين في المنطقة، أخبرني معظمهم أنهم يعتقدون أن قضية الهجرة برمتها في فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى هي قضية سياسية. لكن لماذا يجب أن ندفع من إنسانيتنا وحياتنا مقابل مثل هذه القضية التي لا علاقة لنا بها".

وختم قائلا "آمل أن يأخذونا من هنا إلى ملاجئ مناسبة، كلنا، أولئك الذين لديهم وضع اللاجئ والمرفوضين، نحن جميعا بشر ونستحق جميعا معاملة جيدة".

"الموت أفضل من حياة الجحيم"

حسين أيضا، وهو مهاجر أفغاني يبلغ من العمر 27 عاما، بات على دراية واسعة بحياة الشارع في فرنسا. يقول لمهاجر نيوز "وصلت إلى فرنسا في نهاية 2015، رفض لجوئي حينها فذهبت إلى لوكسمبورغ. لم أتمكن من طلب اللجوء هناك، لم أستطع التحدث بلغتهم فغادرت إلى إسبانيا. مرة أخرى، كان كل شيء معقدا بالنسبة لي. فعدت إلى فرنسا قبل 20 يوما، ومن حينها وأنا أعيش في الشارع".

للمزيد>>> مهاجرون مشردون يفترشون إحدى حدائق باريس.. أجواء تضامن تهوّن عليهم مأساتهم

لا يمكنني استيعاب أنه قد مر على مغادرتي لبلادي ست سنوات لم أنجح خلالها في الحصول على إقامة طبيعية في أي من البلدان التي زرتها. من الصعب لي أن أستوعب أنني أضعت سنوات كاملة في الشوارع، منذ كان عمري 21 عاما. لا أعتقد أنني أملك الكثير من الخيارات، ومع معرفتي المسبقة بالوضع السيء في بلادي، لكني سأعود إلى أفغانستان إذا لم أتمكن من الحصول على حق الإقامة الشرعية هنا. قد أقتل هناك، لكن من الأفضل أن تموت مرة واحدة على أن تعيش حياة كاملة في الجحيم".

انتهت مرحليا أزمة هؤلاء المهاجرين بنقلهم إلى ملاجئ أعدتها مسبقا السلطات الفرنسية. لكن مع إجلائهم يبقى السؤال حول مصيرهم ومصير غيرهم من المشردين في الشوارع قائما، هل ستتخذ فرنسا قرارات لتغيير سياسات وإجراءات اللجوء لديها؟ هل ستنتهي أزمة المهاجرين المشردين في شوارع المدن الفرنسية؟

 

للمزيد

Webpack App