إنقاذ طفل مهاجر في المتوسط. أرشيف
إنقاذ طفل مهاجر في المتوسط. أرشيف

سجلت منظمات حقوقية أممية ومحلية في ليبيا عددا من حالات الاعتداءات الجنسي على مهاجرين أطفال، سواء في المناطق الليبية المختلفة أو داخل مراكز الاحتجاز التابعة لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية. قصص الاعتداءات مرعبة، خاصة وأنها تحدث في وقت يصعب على الضحايا التقدم بشكوى بشأنها للشرطة لاعتبارات متعددة.

شهدت ليبيا على مدار سنوات الحرب الطاحنة التي عصفت بها منذ الإطاحة بنظام الرئيس السابق معمر القذافي، الكثير من الانتهاكات والجرائم التي وثقتها دول ومنظمات دولية وأممية، بعضها قد يرتقي إلى مستوى جرائم حرب.

لكن في خضم هذا الصراع الذي أرهق الليبيين واتسم بتعدد محاوره المحلية والإقليمية، وجدت فئة من سكان ليبيا، تعتبر الأكثر ضعفا مقارنة بالفئات الأخرى، نفسها في قلب ذلك الصراع، وفي بعض الأحيان من أكثر المتضررين منه، إنهم المهاجرين.

قصص الهجرة في ليبيا تكاد لا تنضب، ومعها الكثير من الأهوال التي شهدها هؤلاء هناك على أيدي تجار البشر وعصابات التهريب، وعلى رأسها الاعتداءات الجنسية. تلك الجريمة لم تكن يوما مقتصرة على فئة دون أخرى، بمعنى أنها لم تكن محصورة بالمهاجرات، فالكثير من المهاجرين، من الذكور والإناث وحتى الأطفال، تعرضوا للتحرش والاغتصاب المتكرر في مراكز الاحتجاز وفي سجون تجار البشر وحتى في المدن الليبية.

للمزيد>>> حصري: مصدر مطلع على أنشطة تهريب البشر يروي لمهاجر نيوز تفاصيل "رحلة الموت" للمهاجرين في ليبيا (2\2)

وغالبا ما استخدمت العصابات المسؤولة عن الانتهاكات بحق المهاجرين "سلاح" الاغتصاب، كوسيلة لرفع الضغط على المهاجرين وعائلاتهم لتحصيل الأموال منهم، فضلا عن اعتباره ثمنا لأي "خدمة" أو لتلبية طلب للمهاجرين أثناء احتجازهم.

عدد من المنظمات غير الحكومية أثارت قضية الاعتداءات الجنسية والاغتصاب بحق المهاجرين في ليبيا، وعلى رأسها الاعتداءات التي طالت القاصرين منهم.

"السلطات لا نية لديها بمحاسبة الجانين، خاصة إن كانوا ليبيين"

طارق لملوم، من "مؤسسة لبلادي لحقوق الإنسان" الليبية، قال لمهاجر نيوز إن الخطورة التي ترافق قضايا الاغتصاب والاعتداء الجنسي مرتبطة بكونها تستهدف فئة المهاجرين المصنفة بالضعف والهشاشة. "نتلقى الكثير من الشكاوى حيال تلك القضية من مناطق مختلفة في ليبيا. نحاول مواكبة تلك القضايا بشكل دائم ومستمر، لكن هناك صعوبات كثيرة تحول دون ذلك".

للمزيد>>> "تناوبوا على اغتصابي ستة أشهر.. هل من الممكن أن ينظر أحد إلينا في هذا الجحيم؟

وأورد المتطوع في المنظمة الحقوقية أن المهاجرين أنفسهم، ممن تعرضوا لمثل تلك الجرائم، يجدون من الصعب الإبلاغ عنها، "فهم غالبا ما يتحولون من مدعين إلى مدعى عليهم نتيجة افتقارهم لأوراق الإقامة في ليبيا، فضلا عن مخاوفهم من ردود الأفعال في حال قيامهم بالشكوى.

وتحدث لملوم عن حالة لطفل سوري يبلغ من العمر 10 أعوام غرب ليبيا، تعرض للاغتصاب من عدد من الليبيين، "لم يتمكن الأب من التبليغ عن تلك الحادثة خوفا من عواقب ذلك ولافتقاره لأوراق الإقامة".

وخلال البحث في تلك الانتهاكات، يبرز سؤال حول مسؤولية السلطات المحلية في منعها، أو في معاقبة المسؤولين عنها، والذين في معظم الأحيان يكونون معروفون للضحايا. لكن لملوم قال إن هناك شعورا عاما بأن السلطات لا نية لديها بمحاسبة الجانين، خاصة إن كانوا ليبيين.

قضية أخرى طالت فتاة يمنية قاصرة تم اختطافها في مدينة طرابلس. مصدر في المدينة قال لمهاجر نيوز إن أم الفتاة قالت إنها تعرف الخاطفين، وإنها تقدمت بشكوى لدى الشرطة. لكن طارق لملوم عاد وألقى باللوم على عدم تحرك السلطات، التي اكتفت "بتحرير محضر في مخفر الشرطة. سامية عبد الله (الفتاة)، المولودة عام 2007، مضى على اختطافها 11 يوما حتى الآن وما من خبر عنها".

للمزيد>>> "المهرب وعدني بالوصول إلى أوروبا.. فاحتجزني في ليبيا"

المصدر في المدينة قال إنه "للأسف النتيجة معروفة في مثل تلك الحالات، التي غالبا ما تنتهي بالاعتداء الجنسي العنيف والمتكرر".

اعتداءات جنسية على مراهقين في مركز الزاوية

وكالة "أسوشيتد برس" الإخبارية نشرت مقالا حول الاعتداءات الجنسية التي تطال الفتيات القاصرات في مراكز الاحتجاز التابعة لهيئة مكافحة الهجرة الليبية. إحدى الفتيات قالت إنها تم إنقاذها من قبل خفر السواحل الليبي أثناء محاولتها الهجرة إلى أوروبا. تم إنزالها في ميناء طرابلس قبل أن يتم إيداعها مركز احتجاز المهاجرين في مدينة الزاوية.

تحدثت الشابة البالغة من العمر 17 عاما عن اعتداءات متكررة عليها من قبل الموكلين بحراسة المركز، "على الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي أعاني فيها من اعتداءات جنسية، إلا أن الأمر مؤلم أكثر الآن كونه صادر عن أشخاص من المفترض أنهم موكلون بحمايتنا".

وأضافت الشابة التي لم يتم التطرق إلى أي تفصيل متعلق بهويتها، "علينا أن نقدم شيئا مقابل الذهاب إلى الحمام أو الاتصال بعائلاتنا أو لتجنب الضرب... يبدو الأمر كما لو أننا محتجزون من قبل تجار البشر".

وتم إحضار الفتاة مع ثماني مهاجرات أخريات إلى مركز الزاوية، بعد أن تم إنقاذهن وآخرون في شباط\فبراير الماضي.

للمزيد>>> بعد إعادتهم إلى ليبيا... ما الذي ينتظر المهاجرين هناك؟

وسرد المقال، نقلا عن مهاجرات أخريات، تفاصيل مرعبة حول الطرق التي يتم الاعتداء بها عليهن، وكيف أن تلك الاعتداءات غالبا ما تكون مقرونة بتنفيذ الحراس لطلبات بديهية لتلك المراهقات، كأن يطلبن الذهاب إلى الحمام مثلا.

محاولات انتحار

فتاة أخرى يقدر عمرها بـ15 عاما تعرضت للاعتداء الجنسي خلال الفترة نفسها في المركز نفسه، نقلت إلى أحد مراكز منظمة "أطباء بلا حدود" في أيار/مايو الماضي بعد محاولتها الانتحار. لكنها ما لبثت وأن أعيدت إلى نفس المركز بعد تلقيها العلاج.

المنظمة قالت إنها قدمت العلاج لفتاتين من المركز المذكور تعرضتا للاغتصاب، ودعت إلى إطلاق سراح كافة القاصرين في ذلك المركز، و"طالبت الجهات الفاعلة في مجال الحماية للتدخل، لكن تلك المحاولات باءت بالفشل".

عدد من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية، كالمنظمة الليبية لحقوق الإنسان، تحدثت عن الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون في مراكز الاحتجاز الرسمية. فينسينت كوشتيل، المبعوث الخاص لمفوضية اللاجئين لوسط البحر الأبيض المتوسط ​​، قال إن المفوضية وثقت مئات حالات اغتصاب لنساء أثناء احتجازهن إما في معتقل جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية أو سجون تجار البشر...

بدوره، وجه طارق لملوم أصابع الاتهام للمنظمات الأممية والدولية المعنية بحماية المهاجرين واللاجئين، "مفوضية اللاجئين واليونيسف تتحملان المسؤولية أيضا عن تلك الحالات. اليونيسف كانت على علم بقضية سامية، وأنه تم اختطافها في 2019 أيضا، لكنها لم تنفذ المطلوب منها. أما مفوضية اللاجئين فتكتفي بتقديم الدعم النفسي لعائلات الضحايا عبر الهاتف".

وختم قائلا "طبعا السلطات الليبية هي المسؤولة الأولى عما يحصل على أراضيها، لكن على تلك المنظمات أيضا الاطلاع بدورها وبالبرامج التي تقول إنها موجودة هنا لتنفيذها، ومنها برامج الحماية. اللاجئون والمهاجرون لم يستفيدوا من أي من تلك البرامج".

 مهاجر نيوز حاول التواصل مع مفوضية اللاجئين في ليبيا للسؤال حول هذه القضية، لكن لم يردنا أي جواب.

جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية ممول من الاتحاد الأوروبي

وتم اعتراض ما يقرب من 13 ألف مهاجر من قبل خفر السواحل الليبي وإعادتهم إلى ليبيا من بداية العام حتى 12 حزيران/يونيو الجاري، حيث يتم إيداع معظمهم في مراكز يديرها جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية.

يذكر أن المراكز الـ29 التابعة للجهاز، تعرضت بشكل متكرر للانتقادات الحادة حول افتقارها للنظافة الأساسية والرعاية الصحية والغذاء والماء، إضافة إلى الضرب والتعذيب. ويتلقى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الدعم والتدريب، بما في ذلك مفاهيم مرتبطة بحقوق الإنسان، من خلال صندوق ائتمان الاتحاد الأوروبي المخصص لأفريقيا بقيمة 4.9 مليار يورو.

للمزيد>>> إطلاق سراح "البيدجا".. ردود أفعال المهاجرين ومواقف دولية مستنكرة

وكانت السلطات الليبية قد نفذت عددا من عمليات التوقيف بحق أشخاص بتهم مرتبطة بالإتجار بالبشر وتعذيب المهاجرين، لكن سرعان ما كان يتم إطلاق سراحهم نتيجة للتوازنات الهشة في البلاد، وحفاظا على الهدوء الأمني والسياسي النسبي الذي لحق بعملية الانتخابات الأخيرة التي شهدتها البلاد.

 

للمزيد

Webpack App