خريطة مأخوذة من موقع خرائط غوغل تظهر حدود بيلاروسيا المشتركة مع ليتوانيا. المصدر: غوغل
خريطة مأخوذة من موقع خرائط غوغل تظهر حدود بيلاروسيا المشتركة مع ليتوانيا. المصدر: غوغل

فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية قاسية على بيلاروسيا، التي ردت بقرار تعليق التعاون مع الأوروبيين حول قضايا التهريب والهجرة غير الشرعية. ليتوانيا جارة بيلاروسيا، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، رأت أن حكومة مينسك تتعمد استخدام المهاجرين كورقة ضغط على الأوروبيين لتحقيق مكاسب سياسية. سلطات الجمهورية البلطيقية أعلنت عن تكثيف عمليات مراقبة حدودها مع بيلاروسيا، واستعانتها بضباط من وكالة "فرونتكس" الأوروبية (يصلون ابتداء من يوم غد 30 حزيران/يونيو) للمساعدة بتلك المهمة.

بيلاروسيا (روسيا البيضاء)، الدولة الحليفة لروسيا والجارة لدول الاتحاد الأوروبي، شكلت في الفترة الأخيرة مادة دسمة للحوارات والنقاشات السياسية حيال مستقبل ذلك البلد ونظامه الحاكم، فضلا عن علاقته التي تثير قلق الأوروبيين بجيرانه، دول البلطيق الثلاث، الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

ولعل القضية الأبرز التي تحضر في أذهان المتابعين لأحداث بيلاروسيا، هي إقدام سلطات تلك البلاد على إجبار طائرة مدنية على تحويل مسارها والهبوط في مينسك، وذلك لاعتقال صحافي بيلاروسي معارض كان على متنها.

الاتحاد الأوروبي حينها أعرب عن استنكاره لما قامت به حكومة الرئيس ألكسندر لوكاشينكو، المتهم من الغرب بالسيطرة على مقاليد الحكم بشكل غير ديمقراطي، فيما ترى فيه موسكو حليفا وثيقا وعنصرا داعما لها في مواجهة الدول التي تشكل العمود الفقري لحلف شمال الأطلسي.

الرد الأوروبي لم يتأخر كثيرا، حيث فرض الاتحاد عقوبات اقتصادية على بيلاروسيا الخميس الماضي، ردت عليها مينسك بوقف التعاون بقضايا الهجرة غير الشرعية، فضلا عن منع مسؤولي الاتحاد من الدخول إلى أراضيها.

خارجية بيلاروسيا قالت أمس الإثنين 28 حزيران/يونيو إنها ستتحرك لتعليق اتفاقية إعادة القبول مع الاتحاد الأوروبي، المرتبطة بوقف الهجرة غير الشرعية. وكان لوكاشينكو حذر في وقت سابق، ردا على العقوبات الأوروبية، من أن بلاده لن تحاول بعد الآن وقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين من دول أخرى إلى الاتحاد الأوروبي.

"هجوم هجين ضد أوروبا"

للناظر إلى موقع بيلاروسيا الجغرافي، يجدها على تقاطع طرق استراتيجي مع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، إذا ما استثنينا أوكرانيا، ولديها حدود واسعة خاصة مع ليتوانيا، إحدى جمهوريات البلطيق الثلاث والعضو في الاتحاد.

معبر راكاي الحدودي بين ليتوانيا وبيلاروسيا المغلق مؤقتا، 15 حزيران/يونيو 2021. رويترز
معبر راكاي الحدودي بين ليتوانيا وبيلاروسيا المغلق مؤقتا، 15 حزيران/يونيو 2021. رويترز


مسؤولون ليتوانيون كانوا قد وجهوا الاتهامات لسلطات بيلاروسيا بفتح حدودها (680 كلم) أمام المهاجرين وتسهيل دخولهم إلى الأراضي الليتوانية.

غابريليوس لاندسبيرجيس، وزير خارجية ليتوانيا، كان قد اتهم بيلاروسيا بـ"استخدام اللاجئين كسلاح ضد الاتحاد الاوروبي".

وخلال حديثه مع صحيفة الفاينانشال تايمز البريطانية، قال السياسي اليميني إن بيلاروسيا شاركت في "هجوم هجين ضد أوروبا"، عبر جلب المهاجرين عن طريق وكالات سياحية مملوكة للدولة من بغداد أو اسطنبول، وإرسالهم إلى الحدود مع ليتوانيا.

وأضاف أن وكالة السياحة البيلاروسية (Tsentrkurort) كانت تستخدم طائرات بوينغ 777 لجلب المهاجرين من بغداد، وزعم أن هناك ألف عراقي وسوري حاليا في مينسك.

طريق جديد؟

وحسب وسائل إعلامية محلية ليتوانية، وصل ما مجموعه 515 مهاجرا إلى ليتوانيا قادمين من بيلاروسيا منذ مطلع العام الجاري (336 عراقيا و46 إيرانيا و42 سوريا و39 بيلاروسيا و17 روسيا و11 تركيا و10 سريلانكيين، بالإضافة إلى طاجيك وأفغان ويمنيين ومصريين وصوماليين)، مقابل 81 فقط خلال 2020.

وفي أحدث إحصائية، وصل 80 مهاجرا خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي إلى ليتوانيا، عبر الطريق نفسه.

مخيم بابراد في ليتوانيا على الحدود مع بيلاروسيا، 15 حزيران/يونيو 2021. رويترز
مخيم بابراد في ليتوانيا على الحدود مع بيلاروسيا، 15 حزيران/يونيو 2021. رويترز


وفقًا لجدريوس ميشوتيس، ممثل دائرة حرس الحدود الحكومية، قال إن الوضع على الحدود مع بيلاروسيا "متوتر للغاية". ممثل دائرة حرس الحدود قال "بعد احتجاز المهاجرين، غالبا كنا نتصل بحرس الحدود البيلاروسي وندعوهم لإجراء تحقيق مشترك في كيفية عبور المهاجرين للحدود. لكن ردودهم مؤخرا باتت بطيئة للغاية، ولا يتفاعلون مع طلباتنا، ما يعقد التحقيقات في انتهاكات الحدود".

للمزيد>>> كأس العالم في روسيا.. "فرصة ذهبية" للدخول إلى أوروبا؟

يذكر أن اللافت في مجموعة المهاجرين التي عبرت خلال نهاية الأسبوع الماضي هو وجود جنسيات جديدة بينهم لم يتم تسجيل أي من حامليها في السابق. السلطات الليتوانية أعلنت أن بين هؤلاء الوافدين الجدد مهاجرين يحملون جنسيات غامبيا وغينيا والمغرب. فهل يوحي ذلك بنشوء طريق هجرة جديدة عبر بيلاروسيا باتجاه ليتوانيا؟

"فرونتكس" إلى ليتوانيا

الارتفاع الملحوظ بعمليات العبور من بيلاروسيا دفع بالسلطات الليتوانية إلى تعزيز الرقابة على حدودها، عبر رفع أعداد جهاز حرس الحدود، إضافة إلى إرسال وحدات من جهاز الأمن العام ومؤسسات أخرى لدعم الحرس.

إضافة إلى ذلك، سيتم الاستعانة بوحدات من الوكالة الأوروبية لمراقبة وحماية الحدود "فرونتكس". روستافي ليوباييف، رئيس دائرة حرس الحدود في ليتوانيا، أعلن أن ستة ضباط من الوكالة سيصلون غدا الأربعاء 30 حزيران/يونيو إلى ليتوانيا، على أن يصل عدد ضباط الوكالة الأوروبية إلى 30 بحلول منتصف الشهر القادم.

ضباط "فرونتكس" سينضمون بعتادهم وآلياتهم إلى نحو 1500 عنصر ليتواني موكلين حماية الحدود مع بيلاروسيا. وحسب ليوباييف، "سيساعدون ليتوانيا على ضمان حماية حدودها مع بيلاروسيا".

السيناريو التركي

تسارع أحداث الهجرة عبر الحدود بين بيلاروسيا وليتوانيا أعاد إلى الأذهان الأزمة التي اندلعت على الحدود التركية-اليونانية في 2019، بعد قرار أنقرة فتح الحدود من جانبها بوجه الراغبين من المهاجرين بالتوجه إلى أوروبا. مناوشات واشتباكات محدودة وقعت على الحدود البرية مع اليونان، كما تم تسجيل عدة محاولات لإبعاد المهاجرين القادمين عبر بحر إيجه وإعادتهم إلى تركيا. وسائل إعلامية عدة وثقت دور "فرونتكس" في عمليات الإبعاد تلك.

مهاجرون قرب معبر بازاركولي التركي على الحدود مع اليونان أثناء أزمة الحدود التي وقعت في شباط/فبراير 2020، ينتظرون فرصة للعبور باتجاه أوروبا. أرشيف
مهاجرون قرب معبر بازاركولي التركي على الحدود مع اليونان أثناء أزمة الحدود التي وقعت في شباط/فبراير 2020، ينتظرون فرصة للعبور باتجاه أوروبا. أرشيف


التوترات الدبلوماسية بلغت ذروتها في ذلك الحين بين تركيا و"حلفائها" الأوروبيين الذين اتهم بعضهم سلطات أنقرة باستخدام المهاجرين "كسلاح" لتحصيل المزيد من المكاسب السياسية.

هل تشهد الحدود البيلاروسية-الليتوانية سيناريو مشابه؟ وهل سيدفع المهاجرون ثمن العلاقات السياسية الملتهبة أصلا بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي؟

 

للمزيد

Webpack App