وفقا للعديد من المنظمات الإنسانية العاملة في مخيم شاتيلا، يستضيف المخيم نحو 9 آلاف لاجئ من سوريا إضافة إلى 11 ألف لاجئ من سكانه الأصليين في مساحة لا تتعد 2 كلم مربع. تصوير: شريف بيبي
وفقا للعديد من المنظمات الإنسانية العاملة في مخيم شاتيلا، يستضيف المخيم نحو 9 آلاف لاجئ من سوريا إضافة إلى 11 ألف لاجئ من سكانه الأصليين في مساحة لا تتعد 2 كلم مربع. تصوير: شريف بيبي

"لا يمكنني الحديث عن تهجير واحد، لا أذكر إلا التنقل من مكان لآخر هربا من القصف أو الاشتباكات أو الملاحقات"، هكذا بدأت سهام* (اسم مستعار)، اللاجئة من مخيم اليرموك في سوريا، حديثها مع "مهاجر نيوز" أثناء زيارتنا لها في منزلها المتواضع في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

جاءت سهام مع عائلتها إلى لبنان من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين المحاذي للعاصمة السورية دمشق، "أصيب زوجي خلال إحدى جولات القصف التي شهدتها منطقة الحجر الأسود، حيث كنا نقيم، نحن لسنا مسيسين ولا علاقة لنا بالعمل السياسي" تروي سهام قصصا مروعة لما شهدته منطقة الحجر الأسود المحاذية لمخيم اليرموك.

عام 2012 شهدت منطقة الحجر الأسود تدهورا أمنيا حادا ناجما عن سيطرة مجموعات من الجيش الحر على مخفر المنطقة، فرد النظام السوري بقصف عنيف تمهيدا لاستعادة المواقع التي خسرها، ولاحقا سيطرة جبهة النصرة على تلك المنطقة.

"في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012 تركنا الحجر إلى مخيم اليرموك، أقمنا حينها أنا وزوجي المصاب وبناتي الثلاثة في منزل خالي". شاركت سهام حينها في أعمال الإغاثة ومساعدة العائلات النازحة.


خوفنا على حياة بناتنا أجبرنا على المغادرة


تقول سهام أن التدهور الأمني صاحبه مجموعة من الممارسات والأعمال السلبية التي كانت تقوم بها أطراف النزاع كافة، "كنت متطوعة مع بعض الشباب هناك، عملنا الإغاثي لم يرض بعض الناس من الطرفين، وصلتني تهديدات مباشرة حيث اتهمت من قبل الأطراف كافة بالعمل ضد مصالحها وأفكارها. كان خوفي وخوف زوجي على حياة بناتنا كبيرا فاتخذنا قرار المغادرة إلى لبنان".

وصلت سهام وعائلتها بداية إلى مدينة سعدنايل البقاعية في آذار/مارس 2013، لم تتوافر لهم حينها وسائل الحياة الكريمة، فأعمال الإغاثة لم تكن قد انتظمت بعد ولم يكن هناك منظمات إغاثية دولية عاملة في تلك المنطقة.

انتقلت العائلة لاحقا إلى بيروت، وتحديدا إلى مخيم شاتيلا. "لطالما سمعت عن المخيم من أهلي وأقربائي، كان لدي شعور غريزي بالانتماء إليه مع أني لم أعرفه مسبقا، إحدى الجمعيات المحلية العاملة على إغاثة اللاجئين القادمين من سوريا أمنت لي ولعائلتي المستلزمات الأساسية، حتى أن العاملين في تلك المؤسسة ساعدوني على إيجاد هذا المنزل الذي نقيم فيه الآن".


صعوبات وحياة قاسية


خلال سردها للصعوبات التي تواجه اللاجئين القادمين من سوريا في مخيم شاتيلا، تقول سهام "بعد قدومنا بفترة بسيطة، عانينا من التمييز ضدنا في الكثير من المجالات، برأيي هذا طبيعي إلى حد ما، فالفلسطينيون الذين كانوا يقيمون في هذا المخيم هم أنفسهم ضحايا لسياسات تمييزية وحرمان تاريخي، كما أن البنى التحتية للمخيم لم تتحمل الأعداد الهائلة التي جاءت نتيجة الأزمة في سوريا. إلا أن المشكلة ليست لدينا، بل هي لدى المسؤولين عن البنى التحتية للمخيم والقائمين على شؤون الفلسطينيين في لبنان".

في تلك الفترة، كانت الجهود الإغاثية تعتمد إلى حد كبير على الجهود الفردية لبعض الأفراد والجمعيات المحلية، ما ساهم إلى حد كبير في تخفيف معاناة اللاجئين القادمين من سوريا إلا أنه لم يشكل أي ضامن حيال ما قد يكون عليه مستقبل تلك العائلات. تتحدث سهام بكثير من الأسى عن تلك المرحلة، "لم نتخيل أن تكون الأوضاع المعيشية للفلسطينيين في لبنان على هذه الحال، الحياة في مخيم شاتيلا كانت بالنسبة لي قرار بالانتحار البطيء".


فكرت سهام وزوجها مليا في مستقبل العائلة في المخيم، قرر زوجها المجازفة والذهاب إلى أوروبا عبر أحد المهربين. عام 2014 سافر إلى تركيا بشكل شرعي ومن هناك استقل أحد "قوارب الموت" المتوجهة إلى اليونان. "وصل زوجي إلى ألمانيا، هو اليوم في برلين حيث يتابع علاجه من الإصابة في سوريا، وضعه الصحي تحسن كثيرا، كما أنه حصل على بطاقة الإقامة وأنجز أوراق لم الشمل ليستدعينا للعيش معه هناك".

تعمل سهام اليوم في مجال العمل الإنساني في إحدى المنظمات المحلية العاملة في مخيم شاتيلا. "لا يمكن لنا أن نتخط هذه المرحلة إن لم نتكاتف سويا، علينا العمل على إعادة بناء الأمل لدى الناس، وهذا يتطلب الكثير من الجهد". لدى سهام ثلاث بنات يعشن معها في شاتيلا، زينة* وقمر* وهناء*. تعتمد سهام على دخلها من المنظمة بشكل حصري للقيام بكافة الالتزامات تجاه عائلتها، من أجرة المنزل إلى الطعام إلى مصاريف المدارس.


"ما مرينا به أمر من النكبة..."


دمشق بالنسبة لسهام هي كل ما سبق من حياتها "هناك طفولتي وذكرياتي وعائلتي، هناك تزوجت وأنجبت، سأعود يوما إلى دمشق، إلى الحجر الأسود، ولكن ليس اليوم فحياة بناتي ومستقبلهن يفرض علي العمل على تأمين غد أفضل لهن بعيدا عن الحروب والمآسي".

لا تتوانى سهام خلال حديثها عن الكلام عن فلسطين والعودة إليها، تتحدث بشغف عن مخيم اليرموك وحياتها السابقة، تذكر كيف أنها كانت تسعى للمشاركة في كافة الأنشطة المرتبطة بفلسطين وحق العودة، وفي هذا تقول "حق العودة مازال مقدسا لنا، إلا أننا اليوم أبعد ما نكون عن فلسطين، قد تشكل لي الحياة في ألمانيا فرصة للراحة وتحقيق بعض ما كنت أصبو إليه وأنا صغيرة، كأن أكمل تعليمي مثلا... النكبة اليوم بالنسبة لي تتمثل بخسارة أحلام الشباب ومستقبلهم".

تضيف سهام "ما مرينا به أمر من النكبة، نحن سمعنا عن نكبة فلسطين من أهلنا، هم تهجروا من فلسطين إلى المخيمات، أما نحن فتهجرنا من المخيم إلى المجهول، التهجير واللجوء أضاعا البوصلة ووضعانا أمام مهمة الحفاظ على الذات والبحث عن غد أفضل".


*لأسباب خاصة بالعائلة، تم اعتماد أسماء مستعارة للشخصيات

 

للمزيد

Webpack App