تعمل ليتوانيا على تعزيز حدودها لكنها تقول إنها غارقة في المهاجرين الجدد الذين تساعدهم بيلاروسيا على العبور | الصورة: جانيس لايزانز / رويترز
تعمل ليتوانيا على تعزيز حدودها لكنها تقول إنها غارقة في المهاجرين الجدد الذين تساعدهم بيلاروسيا على العبور | الصورة: جانيس لايزانز / رويترز

فتح المجال أمام المهاجرين وتسهيل مروروهم إلى ليتوانيا، جعل من بيلاروسيا بلداً يواجه اتهامات بممارسة الضغط على الاتحاد الأوروبي عبر استغلال المهاجرين. كثيرون منهم يعيشون في ظروف صعبة للغاية، بعدما كانوا يرون في وصولهم إلى أوروبا خلاصا.

يلعب مصطفى حسين حمد بكرة في فناء المدرسة حيث يقضي معظم وقته. هو وعشرات المهاجرين الآخرين في مبنى مدرسة قديمة بعدما استطاعوا الوصول إلى ليتوانيا بعد رحلة مشي ليلا عبر الغابات الكثيفة قدوماً من بيلاروسيا المجاورة.

"لقد دفعت 1400 دولار بعد أن أخبرني أحد الأصدقاء بهذه الطريقة الجديدة"، قال الشاب البالغ من العمر 20 عاماً، والقادم من بغداد المستقر حالياً في مبنى مدرسة من طابقين تضم 160 شخصًا. يروي رحلته من العراق إلى أوروبا بحثا عن حياة أفضل في أوروبا قائلا "قالوا إنها طريقة مختصرة وسهلة بالطائرة إلى مينسك".

المبنى هو واحد من العديد من المرافق في ليتوانيا التي تم تحويلها لسكن لاحتواء مئات المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط وأفريقيا. يقول المسؤولون في دولة البلطيق إن هذا التدفق حدث بسبب السلطات البيلاروسية وضغطها على الاتحاد الأوروبي.

يتصاعد عدد الوافدين يوميًا عبر الحدود، يظهرون في الغابة أمام الحدود الليتوانية أمام السكان المحليين فجأة. وصل أكثر من 1700 شخص في الأسابيع الأخيرة، مقارنة بـ 80 شخصا فقط خلال عام 2020 بأكمله.

"عمل انتقامي"

تعتبر ليتوانيا أن التدفق الحاصل من الدولة الجارة هو عمل انتقامي تقوم به بيلاروسيا بقيادة الرئيس الكسندر لوكاشينكو، الذي قام منذ إعادة انتخابه لولاية سادسة في أغسطس 2020، بقمع احتجاجات المعارضة في دولته.

ليتوانيا: مشروع قانون جديد لردع المهاجرين

في مايو/أيار، حولت بيلاروسيا طائرة ركاب إلى مينسك لاعتقال صحفي معارض. رد الاتحاد الأوروبي جاء باعتبار ذلك قرصنة جوية وفرض عقوبات صارمة على بيلاروسيا. وأمر لوكاشينكو بدوره بوقف التعاون مع الاتحاد الأوروبي خاصة في ملف الهجرة غير النظامية.

وقال لوكاشينكو الأسبوع الماضي "إذا كان البعض يعتقد أننا سنغلق حدودنا مع بولندا وليتوانيا ولاتفيا وأوكرانيا ونصبح معسكرًا للأشخاص الفارين من أفغانستان وإيران والعراق وسوريا وليبيا وتونس ، فهم مخطئون تماما. "لن نحتجز أحداً، إنهم لا يأتون لبلدنا، بل إلى أوروبا المستنيرة والدافئة والمريحة''.

المهاجرون المستقرون في المدرسة في قرية فيريبايجاي، حوالي 140 كيلومتر غرب فيلنيوس، يعيشون تحت مراقبة الشرطة ولا يسمح لهم بالمغادرة. بعضهم كشفت إصابتهم بفيروس كورونا وخضعوا لعزل صحي داخل المنشأة.

يوم الثلاثاء (13 يوليو/تموز) فرّ ستة مهاجرين من مجمع في منطقة لازديجاي القريبة، مما أدى إلى قيام الشرطة بتفتيش مستعينين بكلاب بحث مدربة وطائرات هليكوبتر.


رحلة خطرة

مثل غيره من العراقيين الآخرين، قدم حمد على متن رحلة نظمتها وكالة رحلات جوية مباشرة إلى مينسك. قال "كانت الطائرة ممتلئة".

الخطوط الجوية العراقية لديها رحلتين أسبوعيا إلى مينسك على طائرة بوينج 747 يمكن أن تستوعب ما يصل إلى 500 راكب. أظهر موقعها على الإنترنت أن رحلة يوم الأربعاء ممتلئة، وكذلك اليومان التاليان.

قال حمد إنه بمجرد وصوله إلى مينسك، نُقل هو وآخرون إلى فندق حيث صودرت جوازات سفرهم. بعد أربعة أيام ، نقلوا عبر سيارات في مجموعات من ثلاثة أشخاص.

"كان السائق يتحدث الكردية، أوصلنا عند الغسق إلى وسط الغابة ووجهنا في اتجاه الاتحاد الأوروبي"، قال حمد.

وقال عراقي آخر، حيدر القروج، إنه دفع 1500 دولار للوصول إلى مينسك. قطع رفقة أشخاص آخرين غابة ومستنقعاً. يقول "لقد جابهنا خطر الحيوانات البرية وعراقيل أخرى كثيرة، اعتقدت أننا سنموت في تلك الغابة. لكن الحمد لله! لقد نجونا ووصلنا إلى هنا".

لا يتوفر أحد من المهاجرين الـ 160 الموجودين في مدرسة فيريبيجاي على جواز سفر، يقول البعض إنهم فقدوا وثائقهم خلال رحلتهم، بينما يؤكد آخرون أنه قد تمت مصادرتها في بيلاروسيا.

تستخدم السلطات الليتوانية هواتف المهاجرين لتحديد هويتهم، بينما تقوم المحاكم الإقليمية بمعالجة طلبات لجوئهم.

حرب سلاحها "المهاجرون"

أقر البرلمان الليتواني يوم الثلاثاء (13يوليو/تموز) تشريعا لتسريع ترحيل المهاجرين الذين يعبرون الحدود بشكل غير قانوني. كثير من الحقوقيين يرون أن من شأن القانون أن ينتهك حقوق هذه الفئة، لكن للحكومة والمشرع رأي آخر.

وقالت وزيرة الداخلية أغني بيلوتايت "هذا وضع بالغ الخطورة، هذه ليست هجرة عادية، إنها حرب ضدنا، لذا يجب أن يكون الرد مناسبا".

سيزور وزير الخارجية غابريليوس لاندسبيرغيس تركيا والعراق هذا الأسبوع لمحاولة فتح المجال أمام إمكانية إعادة من رفض طلب لجوئهم في ليتوانيا. وتعهدت وكالة فرونتكس، بتعزيز الدعم "بسبب ضغط الهجرة المتزايد على الحدود مع بيلاروسيا''. أقيم سياج جديد من الأسلاك الشائكة هذا الشهر، بالإضافة إلى التخطيط لاستثمار 41 مليون يورو (48 مليون دولار) لتعزيز كامل لـ 678 كيلومترا (421 ميلا) من الحدود مع بيلاروسيا.

وقالت رئيسة الوزراء الليتوانية إنغريدا سيمونيتي، إنه بتشجيعه تدفق المهاجرين، يسعى لوكاشينكو للإجهاز على البنية التحتية والسياسة في بلده. وقالت في تصريح لأسوشييتد بريس إن "الهجرة الجماعية المنظمة هي انتقام واضح". واعتبرت سيمونيتي أنه "لا يقتصر استغلال المهاجرين على المجرمين فحسب، بل تقوم الأنظمة أيضًا بذلك''.

زعيمة المعارضة البيلاروسية سفياتلانا تسيخانوسكايا، التي رشحت الانتخابات ضد لوكاشينكو وفرت إلى ليتوانيا تحت ضغط رسمي في مينسك، تشاطر سيمونيتي وجهة نظرها. إذ قالت "من الواضح أنها محاولة للانتقام من ليتوانيا والاتحاد الأوروبي بأكمله لدعمهم للمجتمع المدني في بيلاروسيا''.


واتهمت سيمونيتي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستخدام تكتيكات مماثلة في 2016 لتشجيع المهاجرين على العبور إلى النرويج وفنلندا. ونفت روسيا تلك المزاعم في ذلك الوقت. وقالت "بوتين ولوكاشينكو لا يهتمان حقًا بأشخاص من العراق أو البلدان الأفريقية. إنهم يريدون فقط استخدامهم كأداة لزيادة الضغط على الاتحاد الأوروبي".

يزعم الناشط المعارض البيلاروسي بافيل لاتوشكا أن مرسوم لوكاشينكو الأخير الذي يوفر الدخول بدون تأشيرة إلى بيلاروسيا لمواطني 73 دولة تلقوا التلقيح ضد فيروس كورونا كان يهدف إلى زيادة تدفق المهاجرين. وقال إن وحدة خاصة من وكالة الحدود البيلاروسية تنقل المهاجرين إلى الحدود الليتوانية وتساعدهم على العبور في مناطق تخضع لحراسة خفيفة.

ولم تعلق لجنة حرس الحدود في بيلاروسيا على التصريح. وقالت سيمونيت "حتى لو لم تكن هناك أحزاب قوية في البلاد، فهناك تحركات بعضها مدعومة مالياً من النظام''.كما أعرب سكان فيريبيجاي عن قلقهم بشأن تزايد توافد المهاجرين.

ظهرت مؤخراً مجموعة مناهضة للمهاجرين تضم أكثر من 50 شخصًا. وكانت وسائل التواصل الاجتماعي تعج بالتحذيرات من "تهديدات محتملة''. في ميناء كلايبيدا، ونظم المستأجرون في أحد المباني السكنية مسيرة بعد انتشار شائعات بأن مئات المهاجرين سيقيمون في حيهم، وهو ما لم يكن حينها صحيحا.


م.ب ( وكالات)

 

للمزيد