مجموعة من المهاجرات الصوماليات المقيمات في مركز "آيدروم" في تيميشوارا، ينتظرن رد السلطات عى طلبات لجوئهن، 15 تموز\يوليو 2021. شريف بيبي\مهاجر نيوز
مجموعة من المهاجرات الصوماليات المقيمات في مركز "آيدروم" في تيميشوارا، ينتظرن رد السلطات عى طلبات لجوئهن، 15 تموز\يوليو 2021. شريف بيبي\مهاجر نيوز

أنشأت منظمة "آيدروم" الرومانية غير الحكومية مركز استقبال مؤقت لحالات حرجة ضمن طالبي اللجوء الواصلين إلى مدينة تيميشوارا جنوب البلاد. يستقبل المركز عائلات وأمهات عازبات وفتيات مهاجرات وحيدات، يؤمن لهن المبيت ويشرف فريق متخصص من المنظمة على صحتهن النفسية والجسدية. مهاجر نيوز زار ذلك المركز والتقى بمجموعة من المهاجرات الصوماليات، جمعتهن غرفة المبيت وحكايات اللجوء وقصص الهجرة.

شكل مقر منظمة "آيدروم" في مدينة تيميشوارا قرب الحدود مع صربيا والمجر، ملجأ للعديد من العائلات والأمهات العازبات، ممن وصلوا رومانيا خلال السنوات القليلة الماضية، وطلبوا اللجوء فيها. المركز يحتوي على غرف للإقامة ومطبخ مشترك وحمامات، فضلا عن حديقة صغيرة ومساحة مخصصة للأطفال.

تدير المركز مجموعة من الموظفات في المنظمة، يشرفن على سير شؤونه اليومية، كما يهتممن بالصحة الجسدية والنفسية للمهاجرين المقيمين فيه، إضافة إلى تقديم بعض الاستشارات القانونية لهم عند طلب اللجوء.

كاتالينا نيكوليسكو، مديرة المركز، قالت لمهاجر نيوز إنه أثناء وجودها هناك، كانت شاهدة على مرور العشرات من العائلات والحالات الحرجة، ممن تمكنت والفريق العامل معها من مساعدتهم. نيكوليسكو ذكرت بعض الحالات التي تشعر بالفخر تجاهها، الذين حصلوا على اللجوء أثناء إقامتهم في المركز، وشاركوا في برنامج الاندماج الذي تشرف عليه دائرة الهجرة والاندماج التابعة للداخلية الرومانية، وباتوا حسب تعبيرها "عناصر فاعلين" في المجتمع التيميشواري.

كاتالينا نيكوليسكو، مديرة مركز الإيزاء التابع لمنظمة "آيدروم" في تيميشوارا"، 15 تموز\يوليو 2021. مهاجر نيوز
كاتالينا نيكوليسكو، مديرة مركز الإيزاء التابع لمنظمة "آيدروم" في تيميشوارا"، 15 تموز\يوليو 2021. مهاجر نيوز

"من هؤلاء من أصبح أبناؤهم أطباء وأساتذة ومهندسين"، تقول مديرة المركز، "بعضهم بقي على تواصل معنا، حتى أن أبناءهم عرضوا التطوع لدينا هنا لمساعدة مهاجرين آخرين".

يقع المركز على طرف تيميشوارا، في حي هادئ تسيطر على أجوائه أصوات العصافير. أما في الداخل، تخفت أصوات العصافير أمام همسات العائلات والمهاجرات المقيمات هناك.

"غرفة الشابات"

في إحدى غرف الإقامة، يعلو بكاء طفل رضيع، شابة صومالية ترتب حجابها قبل أن تخرج مسرعة لتعود بعبوة حليب. في الداخل مجموعة من النساء الصوماليات يتحلقن حول طاولة صغيرة، يبدوا عليهن الانهماك في حديث حول موضوع قد يكون مهما.

أريد أن أعيش في بلد آمن لا أشعر به بالخوف على حياتي أو مستقبلي. وجدت الطمأنينة هنا في رومانيا، وإذا حصلت على اللجوء سأبقى

خفت الحديث عند تعريفنا بأنفسنا وسبب الزيارة، من الخلف تدخل امرأة تحمل الرضيع البالغ من العمر شهرين ويدعى وليد. بداية الحديث كانت صعبة بعض الشيء، إذ لم تكن جميعهن تتكلمن العربية. تلاطمت الكلمات بعبارات بالإنكليزية حينا والعربية أحيانا، حتى بلغة الإشارة أيضا.

خرجنا جميعنا إلى الحديقة خلف المركز، جلست المهاجرات حول طاولة خشبية بحشرية عالية، كانت كل منهن تريد الإدلاء بقصتها وطرح الاستفسارات عن عملية اللجوء.

"تعرفنا على بعضنا في صربيا"

نجمة وعائشة ونعيمة وسودا، جميعهن تتراوح أعمارهن بين الـ17 والـ23، عازبات، أجمعن على أن سبب مغادرتهن الصومال كان الحرب، والخوف من المستقبل المظلم هناك.

لم تكن رحلة الشابات سهلة قبل الوصول إلى رومانيا، فمنهن من غادرت الصومال إلى إثيوبيا، ومنها إلى إيران حيث استعن بمهربين ليوصلوهن إلى تركيا ومنها إلى اليونان. أخريات سافرن من الصومال إلى تركيا مباشرة، إذ كن يملكن ثمن التأشيرة، التي يبدو أنها مكلفة بالنسبة لعائلاتهن.

يتوافر في المركز مساحات خضراء وحديقة صغيرة، تشكل منفذا للمقيمين فيه، 15 تموز\يوليو 2021. شريف بيبي \ مهاجر نيوز
يتوافر في المركز مساحات خضراء وحديقة صغيرة، تشكل منفذا للمقيمين فيه، 15 تموز\يوليو 2021. شريف بيبي \ مهاجر نيوز

خرجت نجمة من الصومال نهاية 2018، أمضت نحو شهر ونصف على الطريق إلى تركيا قبل أن تتمكن من الوصول إلى اليونان. أقامت الشابة في أحد المخيمات القريبة من أثينا لمدة سنة ونصف، تدبرت أعمالا مختلفة حينها لتتمكن من جمع الأموال لإكمال رحلتها. في أيار/مايو 2020 عاودت نجمة رحلتها باتجاه صربيا.

"أمضيت في صربيا 11 شهرا، تعرفت خلالها على عدد من زميلاتي هنا. لم أرد البقاء هناك، بصراحة ما من وجهة مثالية أو نهائية لي، أريد أن أعيش في بلد آمن لا أشعر به بالخوف على حياتي أو مستقبلي. وجدت الطمأنينة هنا في رومانيا، وإذا حصلت على اللجوء سأبقى".

ووصلت نجمة إلى رومانيا قبل نحو شهر، أمضت منه ثلاثة أسابيع في ذلك المركز.

"أي مستقبل وأي حياة في الصومال. هناك الكل في خطر كل يوم، لا تعرف متى تقتل. عندما اتفقت وزوجي على الهجرة كان قرارا عصيبا، لكن أعتقد أنه كان القرار الأمثل لتأمين مستقبل الأطفال".

نعيمة وعائشة شاركتا نجمة في ما كانت تقول، فرحلتهما لم تكن مختلفة كثيرا عنها. الاختلافات كانت في الفترات الزمنية التي أمضتها الفتاتان في البلدان على طريقهما. تحدثتا عن المهربين والأموال الطائلة التي اضطرت عائلتهما لدفعها مقابل تهريبهما من الصومال. تقول نعيمة "عائلتي دفعت 900 يورو مقابل إيصالي إلى تركيا. ودفعوا مبالغ طائلة أخرى من أجل إخراجي إلى اليونان إلى أن وصلت هنا. لم أمض وقتا طويلا على الطريق مثل نجمة، وأشاركها رأيها في هذه البلد وإمكانية أن أبقى فيها".

"من أجل أطفالنا تحملنا مشاق الرحلة"

على الجهة الأخرى من الطاولة كانت كل من كوثر وسعدية وأيال وحبيبة وهندة يستمعن لقصص الشابات العازبات، فهن أكبر سنا ومتزوجات ولديهن أطفال تركوهن في الصومال.

تقول حبيبة "أي مستقبل وأي حياة في الصومال. هناك الكل في خطر كل يوم، لا تعرف متى تقتل. عندما اتفقت وزوجي على الهجرة كان قرارا عصيبا، لكن أعتقد أنه كان القرار الأمثل لتأمين مستقبل الأطفال".

لم تكن رحلة الشابات سهلة أبدا قبل الوصول إلى رومانيا، فمنهن من غادرت الصومال إلى إثيوبيا، ومنها إلى إيران حيث استعن بمهربين ليوصلوهن إلى تركيا ومنها إلى اليونان، 15 تموز\يوليو 2021. شريف بيبي \ مهاجر نيوز
لم تكن رحلة الشابات سهلة أبدا قبل الوصول إلى رومانيا، فمنهن من غادرت الصومال إلى إثيوبيا، ومنها إلى إيران حيث استعن بمهربين ليوصلوهن إلى تركيا ومنها إلى اليونان، 15 تموز\يوليو 2021. شريف بيبي \ مهاجر نيوز

أمضت حبيبة نحو عام على الطريق قبل أن تصل إلى رومانيا قبل نحو شهر. بالنسبة لها، مصلحة أطفالها الثمانية ومستقبلهم كانا الدافع الرئيسي لتحملها كل العذابات التي مرت عليها خلال هذه السنة.

"أطفالنا وحياتهم، هذا ما يدفعنا للقيام بهذه المغامرات"، تقول هندة، "خرجت من الصومال نهاية 2019 إلى السودان فتركيا فاليونان فصربيا، إلى أن وصلت أخيرا هنا (قبل نحو شهر)".

لم ترغب هندة بالحديث عن تفاصيل رحلتها، خاصة في تركيا واليونان، لكن التأثر كان يبدو شديدا عليها وهي تتحدث عن مرورها بهما. كوثر تدخلت في إحدى اللحظات لتقول إن التجربة كانت صعبة خاصة في اليونان، "تعرضنا للكثير من الاستغلال هناك. كنا نعرف أننا مظلومات، لكن هدفنا كان جمع الأموال لإكمال الرحلة".

"جميعنا والدات لطفلي"

لم يبد على أي من المهاجرات أنهن قد قررن بشأن الخطوة القادمة. فقد مضى على وجودهن في رومانيا نحو شهر، وطلبات لجوئهن مازالت قيد الدراسة، لكنهن تقريبا كن قد قطعن وعودا على أنفسهن بالبقاء سويا والاهتمام ببعضهن.

تقول سعدية وهي تحمل طفلها، "تعرفنا على بعضنا في صربيا، معظمنا، ووقفنا بجانب بعضنا، ولولا دعمهن لا أعلم كيف كان سيكون وضعي".

خرجت سعدية في أيلول/سبتمبر 2020 من الصومال وهي حامل، تاركة ورائها خمسة أطفال آخرين مع والدهم. وصلت المهاجرة إلى رومانيا قبل شهرين، حيث وضعت رضيعها، "لولا أنني أشعر بالانتماء إلى هذه المجموعة لكنت ضعيفة جدا وحدي. بالنسبة لي بات لرضيع تسعة أمهات بالإضافة لي، جميعهن يساعدنني بالاهتمام به. جميعنا نحتاج فرصة أخرى في الحياة، جميعنا نستحق الأمان والسلم والهدوء".

تتشارك المهاجرات غرفة المبيت في المركز، ويتشاركن الطعام والحياة اليومية، حتى أنهن يتشاركن الأمل والتفاؤل بغد أفضل. لكن خلف أملهن يختبئ خوف كبير من رفض اللجوء والاضطرار للعودة مجددا إلى الطريق. وإلى أن يحصلن على أجوبة شافية بالنسبة لهن، سيبقى التفاؤل مهربهن الوحيد وملجأهن من الإحباط والندم. 

 

للمزيد

Webpack App