المرأة المحجبة التي طلب منها خلع الحجاب في مجلس محلي بفرنسا (فيسبوك لو باريزيان)
المرأة المحجبة التي طلب منها خلع الحجاب في مجلس محلي بفرنسا (فيسبوك لو باريزيان)

شهادات نساء مهاجرات عربيات في فرنسا، يسردن فيها بعض التعقيدات التي واجهنها خلال رحلة الاندماج في المجتمع الفرنسي، والتساؤلات التي كن يطرحنها، والطريقة التي تغلبن فيها على هذه الظروف في سبيل الوصول إلى "توازن واندماج صحيين".

لا تقل صعوبة عملية اندماج المهاجرين في المجتمعات المستضيفة عن سابقاتها من المراحل التي يمر بها المهاجرون. فهي مرحلة يتوجب على المهاجر فيها التعامل مع الماضي الذي يلاحقه، ومواجهة شعوره بالذنب نحو من تركهم خلفه، بالإضافة إلى محاولة التمسك بثقافته الأصلية. في الوقت ذاته، عليه أن يقوم بإجراءات إدارية طويلة ومعقدة، يصاحبها بحثه عن عمل أو مكان إقامة. ناهيك عن الضغط الذي يقع على عاتقه لاكتساب ثقافة المجتمع المستضيف، وإنشاء شبكة اجتماعية جديدة.

كل هذه التعقيدات تزداد صعوبتها عندما نتحدث عن النساء المهاجرات، وما مررن به قبل وخلال رحلة الهجرة.

مهاجر نيوز تواصل مع نساء مهاجرات من بلدان عربية، قدمن إلى فرنسا، وعشن تجارب مختلفة ليصلن إلى نوع من التوازن والاندماج مع المجتمع الفرنسي. نعرض بعضاً من قصصهن، والصعوبات التي مررن بها، والآليات التي اتبعنها لتخطيها.

للمزيد >>>> مهاجرات صوماليات في رومانيا.. "جميعنا نحتاج فرصة أخرى في الحياة، ونستحق الأمان والسلم"

 "ارتدائي للحجاب حدّ من فرصي المهنية.. والاندماج هو مهمة كل من المهاجر والمجتمع المستضيف"

تختلف تجربة سلمى*، وهي فلسطينية، عن قريناتها لأنها محجبة، مما يؤثر على فرصها في الحصول على عمل، بالإضافة إلى نظرة البعض لها.

تقول "لا أتذكر مواقف واضحة حصلت معي خلال حياتي اليومية، ويمكن أن أصنفها تحت بند العنصرية أو معاداة الإسلام. هذا يعني أنها تكاد تكون شبه معدومة، أو أنني لا أبدي اهتماماً لتصرفات فردية قد أواجهها خلال يومي. لكن معاناتي الحقيقية بدأت عند بحثي عن تدريب عملي أثناء وبعد الدراسة".

وتشرح "لا أستطيع تجاهل حقيقة أن كوني فلسطينية، ومسلمة ومحجبة، تشكل عائقاً أمام قبولي في كثير من طلبات التدريب والعمل. ذلك على الرغم من عدم استسلامي لفكرة أنه تم رفضي لهذه الأسباب فقط، بل أحاول إقناع نفسي بوجود أسباب أخرى أكثر منطقية".

ووفقاً لسلمى، تم سؤالها في بعض مقابلات العمل عما إذا كانت مستعدة لخلع حجابها في حال قبولها. وعلقت "أضحيت الآن أكثر وعياً لهذه الأمور، فأحاول اختيار المؤسسات والشركات التي تقبل التنوع ولا تعترض على توظيف نساء محجبات. وفي بعض الأحيان، عندما أنجح في اختبار إلكتروني لوظيفة ما وتتم دعوتي للمقابلة في الشركة، أستطيع معرفة نتيجتي بمجرد دخولي إلى الشركة، وبمجرد ملاحظة الموظفين وتنوعهم وأصولهم. ومع ذلك فأنا لا أقول إن الحجاب هو السبب الرئيسي وراء عدم قبولي في كثير من التدريبات والوظائف، لكنه عائق حقيقي يقلل من فرصي بشكل كبير".  

وأشارت سلمى إلى أن اثنتين من صديقاتها توقفتا عن ارتداء الحجاب بعض تعرضهن لمضايقات ونظرات "سلبية" خلال عملهما، إحداهما طبيبة والأخرى مهندسة في ""، وهي الشركة الوطنية للسكة الحديد في فرنسا.

تمكنت الشابة بعد محاولات عديدة من الحصول على فرص للتدريب العملي في شركات ذات طابع شرقي في فرنسا، "كالشركات المهتمة بالدول الأفريقية والعربية"، بالإضافة إلى عملها كمربية أطفال لدى عائلات مسلمة.

وفي سياق منفصل عن الحياة العملية، تقول سلمى أن جزءاً كبيرا من المجتمع، سواء الفرنسي أو حتى من المهاجرين العرب، يرون أن المرأة المحجبة "ضحية المجتمع أو ضحية الجهل، أو أنها لم تر الحقيقة بعد، أو أنها تحتاج بعض الوقت حتى ترى النور وتخلع حجابها"، وتعلق الشابة "إنه حكم على عقلي ووعيي بناء على مظهري، وهذا مرفوض".

وأنهت سلمى حديثها، قائلة "كل ما أحاول فعله هو أن أندمج في المجتمع مع الحفاظ على هويتي، وهذا لا يعني تمسّكي بالماضي، بل الحفاظ على كياني مع التحلي بالمرونة الكاملة للتعلم واكتساب قيم جديدة. وهذا الاندماج لا يمكن أن يحدث من قبل المهاجر فقط، يجب على الدولة والمجتمع المستضيف أن يساعدوه في ذلك".

للمزيد >>>> بعد تعليق المهاجرين الإضراب عن الطعام في بروكسل.. ترقب حذر وأجساد متعبة في ظل تمسك السلطات بموقفها

"عانيت من الصور النمطية التي يسقطها بعض الفرنسيين على المهاجرين"

لارا* مهاجرة سورية مسيحية، قدمت إلى فرنسا في 2013، ومرت بتجربة طلب اللجوء، فاللجوء، حتى حصلت على الجنسية الفرنسية قبل نحو عامين.

تقول لارا إنها قضت أعوامها الثلاثة الأولى في فرنسا منغمسة في دراستها الجامعية، بالإضافة إلى الإجراءات الإدارية المصاحبة لطلب اللجوء، وإن أغلب علاقاتها الاجتماعية كانت مع فرنسيين. وتصف الشابة هذه الفترة قائلة "كانت البداية صعبة جداً، ما بين التعرف على ثقافة جديدة، بالإضافة إلى مشاعر الخوف على من بقوا في سوريا والحرب التي كانت دائرة هناك، ناهيك عن الشرخ النفسي الذي يشعر به المهاجر عندما يغادر بلده مرغما".

وفيما يتعلق بنظرة الفرنسيين لها، أبدت الشابة استياءها من "الصورة النمطية التي يسقطها بعض الفرنسيين على أي شخص يأتي من الشرق الأوسط"، بغض النظر عن دينه أو عاداته أو ثقافته. تشرح "كان يتم سؤالي عن سبب عدم ارتدائي للحجاب لمجرد أنني سورية، كما كان يتم نصحي بعدم أكل لحم الخنزير أو شرب الكحوليات لأنها ليست محللة على المسلمين. ببساطة، كان يتم التعامل معي كمسلمة لمجرد أنني سورية".

سارت لارا في طريقها نحو الاندماج، فأنهت دراستها وحصلت على وظيفة في باريس، وتعيش حالياً مع صديقها. وتقول "أنا أنتمي إلى سوريا وفرنسا. سوريا تمثل ذكرياتي والوطن الذي كبرت فيه. أما فرنسا، فتمثل الوطن الذي بنيت شخصيتي فيه، كما أنني وصلت إلى الاستقلال المادي هنا، ما يعتبر مهمة صعبة جداً في سوريا حتى قبل الحرب". 

"كل من سبقونا إلى هنا، واستقروا وقرأنا تجاربهم، وصلوا في نهاية المطاف إلى حالة من التوازن مع المجتمع"

هند* تونسية قدمت إلى فرنسا قبل أربع سنوات، والتحقت بالجامعة في باريس.

وبما أنها لم تحصل على منحة دراسية، كانت تعمل في مكانين مختلفين، لتوفير ما يكفي لدفع إيجار شقتها وتغطية تكاليف متطلباتها الأساسية.

تشرح "كانت الفترة الأولى معقدة للغاية. لكن لحسن الحظ، استقبلني أقرباء لي يعيشون هنا، وساعدوني على استيعاب الصدمة الأولى التي يتلقاها أي شخص يغادر بلده ويصل إلى بلد مختلف تماماً".

لكن ومع الوقت، وجدت هند أن علاقتها بأقربائها في فرنسا تحدد من تجربة اندماجها في المجتمع الجديد، وتقيد من شغفها لاكتشافه. تقول "على الرغم من أنني كنت أعيش في باريس، إلا أنني كنت أتحدث العربية طوال الوقت، وآكل طعاماً تونسياً وعربياً، ولا أحتفل سوى بالأعياد الإسلامية. كل هذه التفاصيل جعلت انغماسي بالحياة الجديدة محدوداً جداً، فكان لا بد من تغيير".

قررت الشابة أن تحدد من علاقتها بأقربائها، وقامت باستئجار شقة صغيرة في إحدى ضواحي باريس الهادئة، وقضت معظم وقتها بين الجامعة وعملها. تعلق "لحسن حظي، أسرتي في تونس لم تشكل أي ضغط علي أثناء تواجدي في فرنسا، بل كانوا يدعمونني ويغذون طموحي لمواجهة الحياة السريعة جداً هنا، ويدفعونني نحو اكتشافها أكثر فأكثر".

لا تعتبر هند أنها وصلت إلى حالة كاملة من الاستقرار في فرنسا، حيث لا زالت تدرس وتجدد إقامتها بشكل دوري، بالإضافة إلى بحثها عن عمل مستقر. لكنها تستدرك قائلة "كل من يختار الهجرة يعلم أن الطريق ليس سهلاً. وكل ما عشته وأعيشه من صعوبات من جهة، أو لحظات سعيدة من جهة أخرى، هي نتائج حتمية لقراري الأساسي وهو الانتقال للحياة في فرنسا. وبكل الأحوال، كل من سبقونا إلى هنا، واستقروا وقرأنا تجاربهم، وصلوا في نهاية المطاف إلى حالة من التوازن والاندماج مع المجتمع، لكنها رحلة طويلة وتحتاج إلى الصبر والأمل".  

 

للمزيد