المرأة المحجبة التي طلب منها خلع الحجاب في مجلس محلي بفرنسا (فيسبوك لو باريزيان)
المرأة المحجبة التي طلب منها خلع الحجاب في مجلس محلي بفرنسا (فيسبوك لو باريزيان)

شهادات نساء مهاجرات عربيات في فرنسا، يسردن فيها بعض التعقيدات التي واجهنها خلال رحلة الاندماج في المجتمع الفرنسي، والتساؤلات التي كن يطرحنها، والطريقة التي تغلبن فيها على هذه الظروف في سبيل الوصول إلى "توازن واندماج صحيين".

لا تقل صعوبة عملية اندماج المهاجرين في المجتمعات المستضيفة عن سابقاتها من المراحل التي يمر بها المهاجرون. فهي مرحلة يتوجب على المهاجر فيها التعامل مع الماضي الذي يلاحقه، ومواجهة شعوره بالذنب نحو من تركهم خلفه، بالإضافة إلى محاولة التمسك بثقافته الأصلية. في الوقت ذاته، عليه أن يقوم بإجراءات إدارية طويلة ومعقدة، يصاحبها بحثه عن عمل أو مكان إقامة. ناهيك عن الضغط الذي يقع على عاتقه لاكتساب ثقافة المجتمع المستضيف، وإنشاء شبكة اجتماعية جديدة.

كل هذه التعقيدات تزداد صعوبتها عندما نتحدث عن النساء المهاجرات، وما مررن به قبل وخلال رحلة الهجرة.

مهاجر نيوز تواصل مع نساء مهاجرات من بلدان عربية، قدمن إلى فرنسا، وعشن تجارب مختلفة ليصلن إلى نوع من التوازن والاندماج مع المجتمع الفرنسي. نعرض بعضاً من قصصهن، والصعوبات التي مررن بها، والآليات التي اتبعنها لتخطيها.

للمزيد >>>>

"عانيت من الازدواجية في حياتي.. ولا تتردوا في طلب المساعدة من طبيب أو خبير نفسي" 

رنا* فلسطينية تبلغ من العمر 29 عاماً، وصلت فرنسا قبل ستة أعوام، ومرت بعدة مراحل على الصعيد الأكاديمي والإداري والنفسي، حتى وصلت إلى "حالة من الاستقرار" على حد تعبيرها.

تقول الشابة "أنا لا أرتدي الحجاب، ولكني قدمت من مجتمع مسلم محافظ. عند وصولي إلى فرنسا، كنت أرفض تماماً فكرة العلاقات العاطفية خارج إطار الزواج، أو شرب الكحول وغيرها مما تحرمها الديانة الإسلامية. وعلى الرغم من أن ملابسي ومظهري لا يدلون على أي تشدد ديني، إلا أنني كنت دائماً محط تساؤلات زملائي من الفرنسيين، لماذا لا آكل طعاماً معينا؟ لماذا لا أواعد شاباً؟ لماذا لا أقضي وقتا طويلاً في الملاهي الليلية؟ وغيرها".

وفقاً لرنا، شعرَت بضغط نفسي كبير بسبب هذه التساؤلات، التي حالت دون إحساسها بأي نوع من الاندماج أو الاستقرار خلال سنواتها الثلاث الأولى في فرنسا. مما دفعها إلى محاولة "الاستسلام للمجتمع الفرنسي وعاداته". تصف الشابة هذه المرحلة "قررت ألا أتمسك بالماضي، وألا أضع أي حواجز بيني وبين المجتمع هنا. وعلى الرغم من الفضول ومتعة استكشاف جوانب أخرى للمجتمع، أثر قراري هذا على علاقتي بعائلتي في فلسطين، وباتت لدي حياة مزدوجة، إحداها صاخبة ومليئة بالتجارب الجديدة أعيشها في فرنسا، وأخرى متوازنة أظهرها لأهلي عندما أتواصل معهم".

تزامنت معاناة رنا من "الحياة المزدوجة"، مع دخول فرنسا للحجر الصحي الأول بسبب جائحة كورونا، مما ساهم في مضاعفة الضغوط النفسية الواقعة عليها، بالإضافة إلى شعورها بـ"غياب أي نوع من الحياة الروحانية لتعبئة الفراغ الهائل الذي خلفه الحجر الصحي وإجراءات التباعد الاجتماعي". تصف الشابة هذه الفترة قائلة "كنت أصاب بنوبات من الانهيار العصبي، ولم أكن قادرة على تحديد الأسباب أو الحلول، فالصخب الذي كنت أعيش فيه قبل ذلك، انطفأ تماماً مع الحجر الصحي، وبت وحيدة في مواجهة كل التناقضات التي كانت تحيط بي".

قبل نحو عام، قررت رنا أن تتوجه إلى طبيبة نفسية من أصول مهاجرة لطلب المساعدة، ما شكل "نقطة تحول في علاقتها مع المجتمع الفرنسي، وعلاقتها مع عائلتها في فلسطين، بالإضافة إلى علاقتها مع ذاتها". وتقول "ساعدني ذلك في إيجاد نقطة توازن".

تلخص الشابة تجربتها قائلة "بدأت مؤخراً أشعر بالراحة والسلام تجاه اندماجي في المجتمع هنا، فأنا لم أفقد انتمائي لمجتمعي وأهلي، وفي الوقت ذاته لم أسمح للماضي بأن يقيّد من حاضري ومستقبلي. لم تكن رحلة الاندماج سهلة، ولا أجزم أنها انتهت بعد، لكني أنصح كل فتاة أو شاب ممن يواجهون عقبات من هذا النوع، ألا يترددوا في طلب المساعدة سواء ممن سبقوهم في هذه الرحلة، أو من أشخاص ذي خبرة في التعامل مع ظروف مماثلة". 

للمزيد >>>> مهاجرات صوماليات في رومانيا.. "جميعنا نحتاج فرصة أخرى في الحياة، ونستحق الأمان والسلم"

"الطموح الأكاديمي كان طريقتي للاستقلال عن عائلتي والوصول إلى علاقة مُرضية مع المجتمع"

ولدت نسرين* في فرنسا، لوالدين جزائريين، وكبرت في إحدى المدن الصغيرة بالقرب من الحدود السويسرية، قبل أن تنتقل إلى خارج فرنسا لاستكمال دراستها الجامعية، ثم عادت واستقرت في باريس.

تواجه مثيلات نسرين، من الفرنسيات المولودات لوالدين مهاجرين، عقبات خاصة أحياناً، لا سيما فيما يتعلق باندماجهن الكامل في المجتمع الفرنسي، فهن فرنسيات المولد والجنسية، وفي كثير من الأحيان لا يتكلمن سوى الفرنسية، لكن ومع ذلك لديهن جانبهن من صراع الاندماج.

نشرت صحيفة لوموند الفرنسية، تقريراً في أيلول/سبتمبر الماضي، تحدث عن الحياة العاطفية السرية التي تعيشها الفتيات الفرنسيات من أصول مغاربية، والصراع الذي يخضنه لمحاولة التوفيق بين قيم الأسرة وقيم المجتمع.

https://www.lemonde.fr/m-le-mag/article/2020/09/25/la-vie-sentimentale-cachee-de-jeunes-francaises-d-origine-maghrebine_6053621_4500055.html

ووفقاً للشابة التي تبلغ 25 عاماً، يتمثل الصراع الذي تعيشه مثيلاتها بخيارين اثنين، "إما أن نحاول العيش بنظام حياة فرنسي، وبالتالي ننسلخ عن المبادئ التي كبرنا عليها. أو أن نتمسك بنظام الحياة الجزائري المسلم (بالنسبة لها)، فتصبح مهمة الاندماج الكامل صعبة جداً".

ووصفت نسرين طفولتها، قائلة "لم تكن طفولة جيدة في المدرسة. عاملتني المعلمات على أنني أقل جمالاً من زميلاتي الفرنسيات، فبشرتي سمراء وشعري أجعد وعيوني ليست زرقاء أو خضراء. لا شك أنني تخطيت هذه المواضيع مع الوقت والتعود، لكن السنين الأولى في المدرسة كانت صعبة جداً".

بعد تخرجها من المدرسة الثانوية، قررت الشابة أن تستكمل دراستها في المملكة المتحدة، لتحقيق طموح أكاديمي بشكل أساسي، ولمحاولة إيجاد بعض الاستقلال عن عائلتها. تقول "التفوق الأكاديمي كان طريقتي الوحيدة للابتعاد قليلاً عن أجواء العائلة، وما يصاحبها من تقييد للرأي وللحرية في اتخاذ القرارات". كما أشارت إلى تجارب الكثير من قريناتها ممن يضطررن إلى الزواج بعد عمر معين، ودون أن يخضن تجارب أكاديمية أو عملية حقيقية، وعلقت "رأيت أن مصيري سيكون مثلهن، لذا قررت أن أغيره بنفسي".

ووفقاً لنسرين، تجربة السفر والدراسة في الخارج، وتأثيرها على شخصيتها، غيرت إيجابياً من نظرة أسرتها لها، وساهمت في تعزيز ثقتها بنفسها مما ساعدها في فرض ذاتها في المجتمع، بعد أن عادت إلى فرنسا. تقول "بمجرد عودتي من بريطانيا، كانت مبادئي واضحة، وكان لدي تصور كامل عن حياتي وشكلها، وبالتالي كان موقف عائلتي هو أن أمارس حياتي بشكل طبيعي في باريس، لكن عندما أزورهم في المنزل، وخلال اللقاءات العائلية، يجب أن أُظهر المبادئ التي تشاركها عائلتنا".

وتحلل الشابة هذه العلاقة، قائلة إن ثقافة "الحشومة"، أي الحياء، تنتشر بكثرة لدى الجاليات العربية، وخاصة المغاربية، و"هي ثقافة لا تتعلق بالدين بشكل أساسي، بل تتعلق بصورة اجتماعية معينة، تحاول العائلات المهاجرة أن تحافظ عليها أمام بعضها البعض. وأنا بدوري أحترمها كجزء من احترامي لأسرتي ووالديّ. لكني أختلف مع جزء كبير منها، لذلك لا أطبقها في حياتي اليومية في باريس".

وأردفت "في نهاية المطاف، على الأسر المهاجرة أن تعلم بأن أبناءها سيسلكون طريقهم الخاص ليصلوا إلى علاقة مُرضية مع المجتمع هنا، وأن ما عاشه الأبوان يختلف تماماً عما قد يعيشه أبناؤهم". 

 

للمزيد