تعتمد مدرسة صيدا الوطنية على مفهوم الدمج الكامل للطلاب السوريين في مناهجها التعليمية. الصورة: شريف بيبي
تعتمد مدرسة صيدا الوطنية على مفهوم الدمج الكامل للطلاب السوريين في مناهجها التعليمية. الصورة: شريف بيبي

يكثر الحديث عن مآسي ومشاكل وصعوبات اللجوء السوري في لبنان على كافة الصعد، إلا أن الحديث عن التعليم، وخاصة تعليم الأطفال السوريين الهاربين مع أهلهم من ويلات الحرب الدائرة في بلادهم، قد يحتل الحيز الأهم من أي نقاش قد يثار حول هذا الموضوع.

مدارس خاصة تستقبل طلابا من اللاجئين السوريين


أثناء دخولنا إلى مدرسة صيدا الوطنية الواقعة في الجزء القديم من مدينة صيدا، لاحظنا للتو أنها تشغل جزءا كبيرا من الخان الأثري المشرف على ميناء المدينة التاريخي، تلفحك روائح الرطوبة الدالة على قدم جدران المدرسة، الباحة الرئيسية تتوسطها بئر قديمة كانت تستخدم لخدمة سكان الخان. كيفما التفت في هذه المدرسة تجد نفسك بحضور التاريخ المهيب الذي يحكي قصة هذه المدينة القديمة.

داخل المدرسة، التقينا منى سعد، من مؤسسة معروف سعد الثقافية المسؤولة عن إدارة المدرسة، قالت لـ"مهاجر نيوز" أن الصعوبات التي تواجه المؤسسات التعليمية الخاصة في استيعاب طلاب من اللاجئين السوريين هائلة، مع تزايد النقص في تمويل المشاريع التربوية من المؤسسات الدولية الخاص بهذا الشأن.

تحتل المدرسة جزءا من خان صيدا الأثري

تقول "نعمل في هذه المدرسة على دمج الأطفال السوريين بشكل كامل مع نظرائهم اللبنانيين، لدينا حوالي 250 تلميذا، لا نعتمد نظام الدوامين لأسباب متعددة قد يكون أولها أن الأعداد ليست ضخمة إلى هذا الحد".

خلال التجوال على الفصول الدراسية، طبعا كان حضور تاريخ المكان قويا، بالحجارة الرملية والعناقيد الحجرية والقبب المضاءة بقطع من البلور. داخل أحد الفصول، كانت المعلمة تهم بشرح درس في الرياضيات، لم أقاطع الحصة في البداية، حاولت أن أتمايز الطلاب السوريين من اللبنانيين، لم أستطع. سألت المعلمة إذا ما كان هناك تلاميذ سوريين في الحصة، فأشارت إلى حوالي نصف الفصل، حينها تأكدت من أن مفهوم الاندماج الذي تتبعه هذه المدرسة فعال وشامل لدرجة أن اللهجة التي يتكلم بها الأطفال هي لهجة صيداوية لا سورية.

تدرس مدرسة صيدا الوطنية اللغة الفرنسية كلغة أجنبية أولى، وفي هذا تقول منى "نعاني الكثير من هذا الموضوع، أغلب أهالي الطلاب وخصوصا السوريين يطالبوننا بتدريس الإنكليزية، الأمر الذي أدى إلى فقداننا العديد من التلاميذ السوريين مع الوقت".

تحظى المدرسة بمنحة خاصة من وزارة التربية اللبنانية كونها تستقبل طلابا من اللاجئين السوريين والفلسطينيين. "تصنف هذه المدرسة ضمن فئة المدارس الخاصة المجانية، حيث كنا قد أنشأناها قبيل الحرب الأهلية اللبنانية لنؤمن لتلاميذ المنطقة التعليم".

تستقبل المدرسة التلاميذ حتى الصف السادس

لا تنكر منى حصول مشاكل مع المحيط من بعض اللبنانيين، حيث أدت موجة اللجوء السوري واستقبال المدرسة لأعداد من التلاميذ السوريين إلى قيام بعض الأهالي اللبنانيين بسحب أولادهم من المدرسة، "في هذا لا يمكننا القيام بالكثير، إنهم أحرار، إلا أننا لن نتخلى عن واجب تقديم المساعدة لكل من هو بحاجة بغض النظر عن جنسيته".


المدارس الرسمية اللبنانية.. نظام دوامين لاستيعاب التلاميذ السوريين


على مستوى المدارس الرسمية الصورة تختلف إلى حد بعيد. إذ تقول مديرة إحدى المدارس الرسمية، فضلت عدم الكشف عن اسمها، أن هناك الكثير من الشوائب المرتبطة بنظم تعليم الأطفال السوريين في لبنان. فمن ناحية، فإن نظام الدوامين الذي اعتمد في الكثير من المدارس الرسمية اللبنانية كان له أثر سلبي على الطاقم التعليمي لناحية الجهد المبذول والمردود المادي غير الكافي، كما كان له أثر بالغ على وجودة التعليم للأطفال اللاجئين. أضف إلى ذلك، لم يتم تدريب جميع المعلمين على العمل مع الأطفال اللاجئين الذين يعانون من مشاكل نفسية مرتبطة بالمآسي التي شهدوها.

وتضيف المديرة "أما على مستوى المشاكل والأمراض المجتمعية فحدث ولا حرج، الاكتظاظ في الفصول الدراسية يجعل من الصعب على أي أستاذ متابعة الحالات التعليمية لديه، مع الوقت يخلق هذا الوضع بعدا بين الأساتذة والطلاب، فلا يهتم الأستاذ برفاهية طلابه وتنتشر بين صفوف الطلاب ثقافة اللامبالاة والتسيب".

وتقول المديرة "في المدرسة لدينا مثلا، هناك أكثر من ألف تلميذ سوري مسجلين في دوام بعد الظهر، مقابل هؤلاء ليس لدي سوى متابعين نفسيين اجتماعيين اثنين، ما يجعل من المستحيل متابعة حالات الأطفال بشكل فردي وإيجاد العلاجات المناسبة لكل حالة".

تقول صفاء، إحدى المعلمات اللبنانيات المداومات خلال الفترة المسائية في إحدى المدارس الرسمية في صيدا "تعليم الطلاب السوريين فعلا صعب، هم بحاجة إلى ضبط أكثر من الطلاب اللبنانيين نتيجة الظروف التي مروا ويمرون بها، ومع ذلك نحاول جاهدين ضبطهم، لا يمكنك تخيل المشاكل والأمراض المجتمعية التي يحملونها معهم ونضطر للتعامل معها". وتضيف "نعلم أن واجبنا تقديم كل ما لدينا لرفاهية هؤلاء الأطفال، إلا أن الوزارة والهيئات المانحة يتأخرون علينا دائما بمعاشاتنا، ما يؤثر على نفسياتنا بطبيعة الحال، فكيف علينا أن نتحمل كل هذه التبعات؟".

إلى جانب ذلك كله، وردت شكاوى كثيرة من أهالي بعض التلاميذ السوريين كونهم يتعرضون للعنف اللفظي والجسدي من قبل المعلمين، حيث قالت لنا آمنة، وهي إحدى أمهات الأطفال الذين يترددون على المدرسة الرسمية في صيدا "كان عمر يجيء إلي يوميا بآثار كدمات على رقبته وظهره، وكان يخشى الذهاب إلى المدرسة، عندما علمت بأنه يتعرض للتعنيف من قبل أستاذه لم أعد أرسله إلى المدرسة".


مبادرات المجتمع المدني


هناك مشكلات إضافية تواجه الأطفال الذين يتابعون تعليمهم في المدارس الرسمية، حيث يشير بعض الأهالي والأطفال ممن التقيناهم إلى أن وسائل النقل تشكل عائقا كبيرا، حيث تتسبب الاعتبارات المتعلقة بالمسافة والسلامة في بقاء عدد كبير من الأطفال دون تعليم.

وتقول مجموعة من الأمهات اللاجئات في أحد التجمعات في منطقة الخيام جنوب لبنان إنهن يشعرن بالقلق حول سلامة أطفالهن وهم في طريقهم إلى المدرسة، ولكنهن تساءلن قائلات "ما الخيار الذي نملكه؟"، فهن يدركن بصورة مؤلمة المخاطر حيث أن واحد من أبناءهن المراهقين تعرض للضرب على يد مجموعة من الأشخاص المحليين وهو في طريقه من المدرسة إلى المنزل.

تبادر منظمات أهلية إلى إقامة أنشطة تربوية للأطفال السوريين المقيمين في التجمعات البعيدة عن المدن

من أجل سد هذه الثغرات، تؤمن العديد من المنظمات الأهلية التعليم غير النظامي في شكل دروس استلحاقية، ودعم للمهارات، والمساعدة في الفروض المنزلية. حتى إن عددا كبيرا من المنظمات الأهلية يدير مدارس محلية كاملة المواصفات في تجمعات اللاجئين حيث المدارس الرسمية بعيدة أو لا تتسع لتلامذة إضافيين. لكن في التعليم غير النظامي، لا يمكن إعطاء شهادات، وتختلف البرامج إلى حد كبير في الجودة والنطاق.

كما تستقدم بعض المنظمات في لبنان أنشطة تعليمية إلى تجمعات اللاجئين للعمل مع الأطفال الذين لا يمكنهم الذهاب إلى المدرسة، مثل مبادرة "الباص التعليمي" التي تشرف عليها مؤسسة عامل، حيث تجول باصات مليئة بالمواد والموارد التعليمية على تجمعات اللاجئين في عدد من المناطق اللبنانية، وتقوم بأنشطة منهجية ولامنهجية مع الأطفال غير القادرين على الالتحاق بالمدارس.

ووفقا لأحمد أبو العينين، منسق البرنامج التربوي في مؤسسة عامل، "نتيجة التقييمات التي قمنا بها أطلقنا هذا المشروع لنعوض النقص في الخدمات التعليمية للأطفال المقيمين في التجمعات البعيدة عن المدن، بطبيعة الحال هذا المشروع لا يعوض دور المدرسة المنهجي".


 

للمزيد