يعاني بعض المهاجرين في مخيم رودنينكاي في ليتوانيا من جروح بالغة | تصوير: عباس الخشالي / خاص لمهاجرنيوز
يعاني بعض المهاجرين في مخيم رودنينكاي في ليتوانيا من جروح بالغة | تصوير: عباس الخشالي / خاص لمهاجرنيوز

وصول هذا الكم الهائل من اللاجئين إلى ليتوانيا عبر بيلاروسيا أدى إلى انتقادات أوروبية لحكومة الأخيرة واتهامها باستخدام اللاجئين كورقة ضغط ضد أوروبا، مهاجر نيوز استطلعت آراء العديد من الألمان حول هذه المشكلة ورصدت أراءّ مختلفة، نقدمها إليك في التقرير التالي.

"هربت من الحرب والعنف الذي عانيت منه في بلادي" هذا تماماً ما دفع كوثر للفرار من بلدها. إلى ليتوانيا عبر بيلاروسيا وصلت المهاجرة الصومالية وهدفها الوصول "إلى ألمانيا" كما تؤكد مشيرة إلى أن الحياة التي تعيشها في مخيم المهاجرين في ليتوانيا سيء جدا.

كوثر هي واحدة فقط من بين آلاف المهاجرين الذين وصلوا إلى ليتوانيا من بيلاروسيا وتم حجزهم في مخيمات خاصة. لم تشهد ليتوانيا وصول هذا الكم الهائل من المهاجرين إليها. ففي عام 2020 وصل 80 مهاجرا فقط مقابل 4100 وصلوا ليتوانيا حتى الآن في هذا العام.

وبحسب الكثير من الخبراء فإن الارتفاع غير المسبوق في عدد المهاجرين الواصلين إلى أوروبا عبر بيلاروسيا يظهر أن الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو يسير على خطى نظيره التركي رجب طيب أردوغان في استخدام ورقة اللاجئين لتصفية حسابات سياسية.

وهو ما كان واضحا في تصريحاته عندما قال: "لن نوقف أحداً... فالناس في طريقهم من مناطق الحرب إلى أوروبا الدافئة والمريحة ... وهناك حاجة للعمالة في ألمانيا"! بهذه الكلمات هدد الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو أوروبا، وخاصة ألمانيا، بالسماح بمرور أعداد كبيرة من اللاجئين، وذلك رداً على العقوبات التي فرضتها أوروبا على بلده بسبب الانتخابات المتنازع عليها واعتقال المعارضين والسياسيين.

أثارت خطوة رئيس بيلاروسيا الكسندر لوكاشنكو باستخدام ورقة اللاجئين عبر إرسالهم إلى دول أوروبية مثل ليتوانيا وبولندا قلق الألمان، وولدت مشاعر وآراء متفاوتة في كيفية معالجة هذا الأمر.

وكانت بولندا قد أعلنت أن عددا غير مسبوقا من المهاجرين غير الشرعيين عبروا الحدود قادمين من روسيا البيضاء منذ يوم الجمعة الماضي (06 آب/أغسطس)، وسط اتهامات لمينسك باستخدامهم كورقة للضغط على دول الاتحاد الأوروبي.

وشهدت بولندا وليتوانيا زيادة كبيرة في أعداد المهاجرين في الأسابيع الأخيرة لدرجة أن الدولتين طلبتا المساعدة من الاتحاد الأوروبي. الوكالة الأوروبية لحرس الحدود "فرونتكس" تعهدت بإرسال 36 عنصرا إضافيا من حرس الحدود إلى ليتوانيا وقالت إن الذارع التنفيذية للاتحاد الأوروبي "جاهزة لمساندة" هذه الدولة الأوروبية بمبلغ يصل إلى 12 مليون يورو.

الطالبة بيتينا فرويندينبيرغ وهي طالبة علوم سياسية في جامعة بون، قالت إن ما يحدث هو أمر متوقع بعد عام من إعادة انتخاب الرئيس لوكاشينكو في بيلاروسيا، خاصة أنه وقبيل إعادة انتخابه وجه تهديدات للاتحاد الأوروبي، متهما إياه بدعم المعارضة. قالت الطالبة الألمانية إن لوكاشينكو هدد أيضا باللجوء إلى اتخاذ تدابير مضادة في حال فرض عقوبات جديدة على بلاده، ويبدوا أن ما يحدث الآن هو تنفيذ الوعود التي صرح بها الرئيس البيلاروسي. وفي حين وافقت بيانكا فيند أيزن زميلتها بيتينا في رأيها، رأت في حديث لمهاجر نيوز إنه من الضروري أن يكون هناك توافق بين أوروبا والولايات المتحدة من أجل ألا تؤثر العقوبات الأمريكية على الوضع في أوروبا. إذ فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات حكومية بيلاروسية٬ وذلك بعد حادث اعتقال الصحفي البيلاروسي المعارض رومان براتاسيفيتش. وقالت بيانكا "لا يوجد تنسيق كبير بين الولايات المتحدة وأوروبا حول موضوع بيلا روسيا، ففي حين نسمع عن عقوبات أمريكية جديدة على حكومة مينسك، نرى أن المتضرر الأكبر لأية ردة فعل هي الدول الأوروبية، كما شاهدنا بالأعداد غير المسبوقة للاجئين القادمين".


معبر راكاي الحدودي بين ليتوانيا وبيلاروسيا المغلق مؤقتا، 15 حزيران/يونيو 2021. رويترز
معبر راكاي الحدودي بين ليتوانيا وبيلاروسيا المغلق مؤقتا، 15 حزيران/يونيو 2021. رويترز


استخدام اللاجئين "جريمة"

غونتر كلاس وهو موظف متقاعد، قال لمهاجر نيوز إن استخدام اللاجئين من قبل حكومة مينسك يعد جريمة ضد الإنسانية، وقال „اللاجئون بشر مثلنا، لديهم أطفال وعائلات، من المعيب استخدامهم كورقة ضغط من أجل تحقيق مصالح سياسية، فقط لأنهم ضعفاء ولا يملكون خيارهم بأيديهم. ويرى غونتر الحل بضرورة فتح آفاق للاجئين في أوطانهم، وقال ألمانيا وأوروبا استقبلت أعدادا كبيرة من اللاجئين، ولكن هذا ليس حلا دائما، لأنه من المعروف أنه توجد قدرات استيعاب معينة للدول الأوروبية، لذلك من الضروري أن تعلن أوروبا عن خطط لإعادة اعمار هذه البلاد التي تعاني من مشاكل سياسية واقتصادية، من أجل إتاحة فرصة حياة كريمة لهؤلاء اللاجئين في أوطانهم. بيد أن سونيا كلاس وهي زوجة غونتر رأت أن أوروبا لن يكون بمقدورها فعل الكثير لحكومة مينسك، خاصة أن لوكاشينكو هو صديق لبوتين، ويستمد منه دعما وغطاء سياسيا كبيرا، وقالت سونيا وهي أيضا متقاعدة، الدول الأوروبية لا تريد أن تتورط مع بوتين وروسيا حاليا، والرئيس البيلاروسي يعلم ذلك، لذلك اعتقد أن أوروبا ستستقبل اللاجئين وسيتم إيجاد آلية توزيع عاجلة وستكتفي بالإدانة.

انتقادات لبولندا وليتوانيا

من جهته يرى هولغر نايلين، أستاذ علم الفلسفة ومقارنة الأديان في جامعة بون إن ما تفعله بولندا وليتوانيا "يعد أمرا مضحكا. اعداد القادمين لا يستدعي كل الضجة وطلب المساعدة من أوروبا"، بحسب رأيه. وقال نايلين لمهاجر نيوز" بولندا قبلت لجوء الرياضية الأولمبية  لكريستينا تسيمانوسكايا وهي تعلم أنه هذا قد يجر عليها بعض المشاكل، لكنها فعلت ذلك نكاية بحكومة مينسك، فلماذا لا تقبل أيضا باللاجئين القادمين، وتوفر لهم الحماية، فأعدادهم قليلة ولا يمثل مشكلة لبولندا ولا للتوانيا. ورأى المحاضر الجامعي أن ما يحدث هو تضخيم للمشاكل فقط، كي لا تدفع هاتان الدولتان الثمن بمفردهما. وبحسب نايلين فإن حكومة مينسك لن يكون ولأسباب كثيرة بإمكانها حاليا إرسال أعداد كبيرة من اللاجئين لإغراق أوروبا كما هددت تركيا بالسابق، مؤكدا أن أوروبا قادرة على ضمان أمن الحدود.

حتى الآن سجلت ليتوانيا وصول أكثر من 4000 مهاجر غير نظامي من بيلاروسيا. ويتوقع مسؤلون في ليتوانيا أن يصل أعداد المهاجرين في آب/آغسطس وسبتمبر/أيلول إلى 18 ألف. بينما أعلنت بولندا أنها احتجزت 349 مهاجرا أثناء عبور الحدود مع روسيا البيضاء منذ يوم الجمعة (05 آب/أغسطس). وأضاف أن هؤلاء المهاجرين من العراق وأفغانستان على الأرجح.

مشكلة التواصل مع مينسك

من جهته يرى بين فينتر، وهو أخصائي في العلاج الطبيعي أن أوروبا، تفتقد لآلية حوار جيدة مع لوكاشينكو، فالإعلام الأوروبي يهاجمه ويصفه بأنه دكتاتور، فمن الطبيعي أن يكون هناك أجواء عدائية تسيطر على السياسية بين بيلاروسيا وأوروبا. وبحسب فينتر فإن أوروبا تفاوضت مع بوتين ونجحت في عقد صفقات اقتصادية ضخمة معه، بالرغم على تحفظاتها على سياسته، "فلماذا لا توظف هذه الآلية أيضا من أجل استقطاب لوكاشينكو؟" ويرى أخصائي العلاج الطبيعي أن أوروبا تمتلك آليات كبيرة للتأثير على قرارات مينسك، منها ما هو اقتصادي ويتمثل بمساعدات مالية أو مشاريع ومنها ما هو سياسي ويتمثل باجراء حوار مع لوكاشينكو خاصة أنه يبحث عن اعتراف دولي به، بعد بقائه 27 عاما في السلطة. ولا يعتقد فينتر أن اللاجئين يمثلون مشكلة لأوروبا لاستيعابهم، فكما استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ تستطيع أوروبا استقبال هؤلاء المئات من اللاجئين دون مشاكل، ودعا فينتر الحكومات الأوروبية بعدم استخدام اللاجئين أوراق ضغط بديلة على حكومة مينسك، خاصة وأنه زج بهم في هذه المشكلة دون الأخذ برأيهم.

علاء جمعة

 

 

للمزيد