ANSA / أسرة أفغانية مشردة داخلياً بسبب النزاع المسلح والكوارث، تعيش في ملجأ مؤقت وفرته المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة في ضواحي مدينة هيران، أفغانستان. المصدر / إي بي إيه / جلال رضائي.
ANSA / أسرة أفغانية مشردة داخلياً بسبب النزاع المسلح والكوارث، تعيش في ملجأ مؤقت وفرته المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة في ضواحي مدينة هيران، أفغانستان. المصدر / إي بي إيه / جلال رضائي.

بعد سيطرة حركة طالبان على أفغانستان وسقوط العاصمة تحت رحمتها وهرب رئيس الدولة وانسحاب القوات الدولية، أصبح مشهد فرار آلاف الأشخاص بكل الطرق الممكنة أكثر المشاهد إيلاماً على وسائل التواصل الاجتماعي وأكثرها انتشاراً. مهاجر نيوز ينقل الصورة على لسان الأفغان مباشرة، من وصل منهم إلى ألمانيا، ومن مازال يبحث عن طريقة للهروب من جحيم طالبان!


"ب. أ" يعتبر نفسه من أكثر الأفغان حظاً، فقد تمكن من الخروج من بلده والوصول إلى ألمانيا يوماً واحداً قبل سقوط العاصمة كابول تحت سيطرة حركة طالبان. يقول في حديثه لمهاجر نيوز "كنت أتابع تقدم عناصر الحركة في البلاد، ولأني أملك تأشيرة دراسية لبلد أوروبي درست فيه الماجستير، قررت المغادرة فوراً". لكن هذا لم يعف الشاب البالغ 26 عاماً، من ألم ترك زوجة وأم وأشقاء وشقيقات على رأس المطلوبين في المنطقة، والمختبئين حالياً بعيدا عن منزلهم من عناصر طالبان.

يتواجد "ب. أ" حاليا في مخيم للاجئين في مدينة زول الواقعة غرب ولاية تورينغن الألمانية. طلب اللجوء لنفسه ويسأل الجميع عن كيفية إخراج عائلته المهددة بالموت على يد طالبان من أفغانستان في أسرع وقت. يقول "كانت حياتي أنا وباقي أفراد أسرتي في خطر، مواقفنا ونشاطنا السياسي داخل البلد جعلنا على قائمة المطلوبين، لذلك أسرعت بالخروج، لكن تفكيري الآن في أسرتي التي تختبئ بعد وصول طالبان لمنزلنا، ما نعيشه الآن مرعب".

أمه سياسية معروفة بمواقفها الداعمة للحكومة، وشقيقاته وزوجته حقوقيات بارزات مدافعات عن حقوق المرأة الأفغانية، وهو وشقيقه درسا العلوم السياسية خارج البلد وعادا للإسهام في تنميته، وكانا يجهران بمواقفهما التحررية هناك. كل هذه تعد "تهما" بالنسبة للحركة، يحاسب "مرتكبيها" علانية.

الأفغان الذين نزحوا من ولايتي قندوز وتخار بسبب القتال بين طالبان والقوات الأفغانية يتجمعون لجمع الغذاء،يعيشون في ملاجئ مؤقتة في معسكر في كابول ، أفغانستان ، 10 أغسطس 2021
الأفغان الذين نزحوا من ولايتي قندوز وتخار بسبب القتال بين طالبان والقوات الأفغانية يتجمعون لجمع الغذاء،يعيشون في ملاجئ مؤقتة في معسكر في كابول ، أفغانستان ، 10 أغسطس 2021

"دعم بلدان الجوار".. هل تتخلى ألمانيا عن الأفغان؟

"الوضع هنا خطير للغاية"، هكذا يلخص "جيمي" (اسم مستعار)، الوضعية في كابول. جيمي شقيق "ب.أ" الأكبر الذي مازال عالقا في باكستان رفقة باقي أفراد الأسرة. يحكي لمهاجر نيوز المعاناة التي يمرون بها. ينقطع بيننا وبينه الاتصال فجأة لمرات عديدة، والسبب قدوم عناصر طالبان للمنطقة حيث يختبئون هو وباقي أفراد الأسرة المطلوبين.

نستعيد الاتصال بـ "جيمي"، ويخبرنا بصوت منخفض أنهم "لا يكفون عن تفتيش المنازل، ويلاحقون النساء العاملات لإرغامهن على تغيير مظهرهن ثم يتوعدنهن بالحساب". ويستمر في وصف المدينة "اختفت النساء من الشوارع، وصارت جميعهن تبحثن عن لباس البرقع للتمكن من الخروج، أما الرجال فالجميع عاد لارتداء اللباس الأفغاني التقليدي خوفاً من عناصر الحركة المنتشرين في كل مكان، حولوا البلد إلى سجن كبير مجدداً".

اعتبر "جيمي أن أخاه الأصغر كان محظوظا بالمغادرة، وأنه الآن يسعى لمساعدة باقي أفراد الأسرة للحاق بأخيه، لأن بقاءهم في أفغانستان ولو مختبئين، فيه خطر كبير على حياتهم. "صحيح أن عناصر الحركة حذرون جدا بخصوص تعاملهم مع الناس في الشوارع حيث يمكن أن تفضح الكاميرات أفعالهم، خصوصا أن بعض عناصر القوات الدولية مازالت متواجدة بأفغانستان، إنهم يتحينون الفرصة المناسبة للتكشير على أنيابهم فعلياً".

لاجئ في المجر يحمل صورة المستشارة ميركل
لاجئ في المجر يحمل صورة المستشارة ميركل

مع تدهور الوضع في أفغانستان، عاد ملف اللجوء ليتصدر النقاش السياسي في ألمانيا. وزير الداخلية زيهوفر توقع أن ينزح 5 ملايين أفغاني من بلادهم. ميركل والمرشح لخلافتها يراهنان على "بقاء آمن في محيط أفغانستان".

خلال مؤتمر صحفي عقدته حول تطورات الوضع في أفغانستان بداية هذا الأسبوع، بادرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى طرح تقديم مساعدات سريعة للجوار الأفغاني لصد حركة اللجوء صوب أوروبا. وقالت إنه من "المهم بالدرجة الأولى مساعدة الدول المجاورة التي قد يأتي إليها اللاجئون الأفغان". وذكرت أن الأولية تكمن في التعاون مع باكستان إلى جانب مشاورات فورية مع المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة.

وتراهن ميركل على "بقاء آمن في محيط أفغانستان" بالنسبة للناس العديدين الذين عملوا بشكل غير مباشر مع مؤسسات ألمانية ولصالح ألمانيا، وحذرت "من تكرار خطأ الماضي عندما لم نعط أموالا كافية لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين وبرامج مساعدات أخرى، وغادر الناس الأردن ولبنان باتجاه أوروبا".

من جهته، رفض مرشح حزب ميركل لمنصب المستشار، أرمين لاشيت، إعطاء تعهد من ألمانيا بإيواء لاجئين أفغان. وفي أعقاب مشاورات لقيادة الحزب المسيحي الديمقراطي ورئاسته التنفيذية، قال لاشيت الذي يتولى رئاسة الحزب المسيحي، إنه "لا ينبغي أن نبعث الآن بإشارة مفادها بأن ألمانيا يمكنها إيواء كل من يواجه أزمة". وأضاف لاشيت أن "التركيز يجب أن ينصب على تقديم مساعدات إنسانية ميدانيا في الوقت المناسب هذه المرة على عكس ما حدث في عام 2015".

نبیله کریمی الکوزی، إعلامية خبيرة بالشأن الأفغاني، أكدت أن الأفغان صدموا من هذا القول، فالسياسيون الألمان وعلى رأسهم المستشارة ميركل يعرفون ما تعانيه دول الجوار خاصة أفغانستان، ويعلمون جيدا أن هذه الفكرة لا يمكن أن تتحقق خاصة بمساعدة دول كباكستان أو إيران، أولا لأن الأفغان لن يتجهوا إلى هناك، وثانيا لأن ما سيتم تقديمه لهذه الدول من أموال خاصة باكستان لا يمكن التأكد أبدا أنه سيتم استعماله لمساعدة الأفغان اللاجئين.

وترى الخبيرة أن هذا التصريح المراد منه بعث رسالة للناخبين في ألمانيا أنها لن تعيد فتح الأبواب أمام اللاجئين الأفغان كما فعلت سابقا مع السوريين، كما أنها توجه رسالة للأفغان بأن حل أوروبا لن يكون متوفراً كما السابق.

قرار المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل باستقبال طالبي اللجوء وما يعكسه من ترحيب كبير بهم، يعني خلو ألمانيا من مظاهر التمييز والعنصرية؟
قرار المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل باستقبال طالبي اللجوء وما يعكسه من ترحيب كبير بهم، يعني خلو ألمانيا من مظاهر التمييز والعنصرية؟

هل يثق الأفغان في "ديموقراطية" طالبان؟

"ب. أ" اعتبر أن كل ما تتحدث عنه حركة طالبان حاليا من وعود بالديمقراطية وتحقيق العدل غير صحيح، معتبرا كل رسائلها "وعوداً كاذبة" من أجل كسب الوقت للسيطرة، وأن ما يجري في البلد حالياً خير دليل.

من جهته، يرى "جيمي" أنه من المستحيل أن تحقق طالبان نظاما ديمقراطيا يحترم الأفراد وحرياتهم، خاصة النساء. "إنهم يتبنون تفكيراً منغلقا وقاسيا، قانون الشريعة وما يعتقد به عناصر حركة طالبان لا يمت للديموراطية والحريات الأساسية بصلة. كل وعودهم كذب ومسرحية من أجل كسب الوقت".

حسب الخبيرة نبیله کریمی الکوزی، ما تتوعد به طالبان حاليا "ورقة لكسب الوقت، والأفغان يعلمون أن كل ذلك غير قابل للتحقق".وتضيف نبيلة "هم يتوعدون بمنح النساء حقوقا لكن في ظل حكم الشريعة، الأفغان عاشوا في ظل حكم طالبان سابقاً ويعلمون ما ينتظرهم، والعالم أجمع شاهد على تلك الفترة وما ارتكب فيها من ظلم في حق الشعب الأفغاني". و اعتبرت المتحدثة أن "ما يقوم به حاليا أعضاء الحركة في شوارع أفغانستان عكس ما يروجون له تماما في خطابهم الإعلامي".

عدم الوثوق بما تروج له طالبان من تغيير في أفكارها، لا تناقضه فقط مرجعياتها وتاريخها في أفغانستان، بل أيضا ما يتم تناقله من أخبار عن تعاملهم مع النساء العاملات. ومن أمثلة ذلك، منع صحفية من ولوج مقر عملها لعدم ارتدائها الأزياء الشرعية المناسبة.

ويضاف إلى ذلك ما ينقله الناشطون عن الأوضاع داخل أفغانستان في مختلف مناطق سيطرة الحركة، على مواقع التواصل الاجتماعي.

مطالب حقوقية بالمساعدة.. ووعود سياسية!

"الطريقة الوحيدة للخروج اليوم من أفغانستان هي الهروب"، يقول "جيمي" في حديثه لمهاجر نيوز "كل الطرق نحو المطارات سيطرت عليها طالبان، يقومون بتفتيش الجميع ويمنعون الكل من المغادرة ويتوعدونهم بالعقاب". "أما من دخلوا منزله في غياب كاميرات فينزعون منه جواز سفره وأي وثيقة يمكن أن تساعده على مغادرة البلاد". لم يعد أمام الأفغان من طريقة شرعية للخروج من البلد في ظل هذا الحصار ومن وجد طريقة خاصة النساء "عليه الهرب بأسرع وقت"،يقول جيمي. وهو ما يظهر بالفعل على أرض الواقع، فالجميع يريد فرصة للنجاة!

في ظل هذه الظروف، نظمت مبادرات إغاثة عدة مظاهرات في برلين ومدن أخرى من أجل سرعة إنقاذ الأشخاص المهددين في أفغانستان. وناشدت مبادرة "زيه بروكه"، الحكومة الألمانية بـ"إجلاء أكبر عدد ممكن من الأشخاص من أفغانستان على الفور"، و"ألا يقتصر الإجلاء على عدد محدود". كما شددت المبادرة على ضرورة "إغاثة الأفغان الذين تعاونوا مع القوات الألمانية في أفغانستان، وشركاء الحكومة الاتحادية هناك، ونشطاء حقوق المرأة، وصحفيين".

تفاعلا مع ذلك، أكدت المستشارة أنغيلا ميركل على أنّ حكومتها تعمل على إجلاء عشرة آلاف شخص من أفغانستان، واصفة الوضع في أفغانستان بعد سيطرة طالبان بـ "مؤلم وفظيع".

ونُقل عن المستشارة قولها "نقوم الآن بإجلاء الأشخاص بالتعاون مع الولايات المتحدة. لولا مساعدة الأمريكيين لما استطعنا القيام بمثل هذه المهمة". وذكرت أن هذه "أحداث مريرة" بالنسبة للكثيرين الذين راهنوا على التقدم والحرية، وخاصة النساء، في أفغانستان.

كما تصاعدت أصوات ألمانية مطالبة بمد يد المساعدة، مثلما فعل عمدة مدينة لايبزيغ، حيث طالب الحكومة الإتحادية بوضع استراتيجية وطنية فورية لاستقبال اللاجئين، واصفا خطط جلب 10 آلاف شخص من أفغانستان بمساعدة القوات الألمانية بأنها "عمل إنساني ومساعدة فعّالة" ستشارك فيها المدن أيضا.

مجهودات تجدها نبیله کریمی الکوزی، الخبيرة بالأزمة الأفغانية، جيدة، لكنها في الوقت ذاته "ليست ذا فعالية كبيرة، وتشرح ذلك بالقول "حاليا الأوضاع لا تساعد على إجلاء الكثير من الأشخاص خاصة الذين عملو لحساب الدول الغربية والمهددين بالملاحقة بشكل أكبر، لكن إخراج المئات أو الآلاف ليس حلاً للمشكل في البلد، فليست هذه الفئة فقط مهددة بل كل أفغاني وأفغانية عمل شيئا جيدا داخل أفغانستان في العشرين عاماً الماضية أو كان مناضلا حقوقيا أو سياسيا، هو اليوم في خطر، وإجلاء الجميع ليس حلا".

ماجدة بوعزة

 

للمزيد