المستشارة أنغيلا ميركل تحظى بشعبية كبيرة بين المهاجرينبعدما  أنتهجت "سياسة الأبواب المفتوحة" وقالت جملتها المشهورة "سننجح في ذلك"".
 المستشارة أنغيلا ميركل تحظى بشعبية كبيرة بين المهاجرينبعدما أنتهجت "سياسة الأبواب المفتوحة" وقالت جملتها المشهورة "سننجح في ذلك"".

برز العديد من ذوي الأصول المهاجرة في الوسط السياسي في ألمانيا، وجاء ذلك بعد عمل دؤوب من داخل أحزاب سياسية لها حضورها الوازن. فهل المشاركة السياسية والانتماء الحزبي مفتاح لتحقيق مزيد من المكاسب؟ وهل يغير دفاع المهاجرين بأنفسهم عن حقوقهم، الكثير في المشهد السياسي الألماني؟

منال الجندي من الوافدين الجدد إلى ألمانيا، فقد قدمت سنة 2010 مهاجرة من سوريا للالتحاق بزوجها في إطار لم الشمل. استقرت أولافي ببرلين، وبعدها في مدينة غوتيرسلو، وهي صيدلانية وأم لطفلين. اختارت في سن الـ 45 عاماً، وبعد ما يزيد عن عشر سنوات الانتساب إلى الحزب الاشتراكي SPD، وممارسة السياسة من خلاله وإيصال رسائل مهمة للمجتمع الألماني.

تقول المهاجرة السورية "منذ قدومي أتابع الشأن السياسي الألماني، والعمل على تطوير لغتي ومعرفتي السياسية. كما أنني أنهيت شوطا مهما في تربية أبنائي الذين كانوا صغاراً في السابق وكانوا يأخذون حيزاً أكبر من وقتي".

وضعية المرأة والمهاجرين.. على رأس قائمة الاهتمامات!

تقول الجندي إنها وجدت تقبلا كبيراً من أعضاء الحزب، "صحيح كان الاندهاش من قرار امرأة عربية محجبة بالانتماء للحزب واضحاً، لكنه لا يمنع أنهم أتاحوا لي الفرصة لإيصال رسالة مفادها أن المرأة المهاجرة والعربية المسلمة خاصة ليست أقل شأناً، وأنها قادرة على الكفاح من أجل الدفاع عن آرائها وأفكارها"، وهو أكثر الأسباب التي دفعت منال الجندي لاتخاذ هذه الخطوة.

"قبل اختيار الحزب قرأت كثيراً عن مرجعيات وأفكار مختلف الأحزاب الألمانية وخلفياتها، فوجدته حزبا يولي اهتماماً كبيراً لقضايا المجتمع ومن أولوياته مجتمع المهاجرين، طبعا مثله مثل أحزاب أخرى كالخضر، لكن برامجه وأفكاره استمالتني أكثر"، تقول منال.

الحزب الذي يجعل أوضاع المهاجرين ضمن اهتماماته بالإضافة لاهتمامه بالعائلة الألمانية وأهم مشاغلها، هي الأفكار التي شجعت الجندي على الاختيار. "أنا أم مهاجرة، أفكر أولا في وضعيتي كامرأة وفي مستقبل واحتياجات أسرتي، ومن المواضيع التي أرهقتني بعد القدوم إلى هنا، موضوع إيجاد مكان في روضة الأطفال، مثل هذه النقاط التي قد تسهم في تحسين جودة حياة الأسر المهاجرة أكيد على رأس اهتماماتي".

منال الجندي، صيدلانية سورية اختارت الانتماء لحزب سياسي ألماني للدفاع عن حقوق المرأة المهاجرة وحقوق المهاجرين عامة
منال الجندي، صيدلانية سورية اختارت الانتماء لحزب سياسي ألماني للدفاع عن حقوق المرأة المهاجرة وحقوق المهاجرين عامة

الحرية.. عامل أساسي في النشاط السياسي للمهاجرين

مناخ الحرية المتوفر في ألمانيا، كان من بين العوامل التي جعلت منال تفكر في ممارسة السياسية في إطار حزبي. "الأمان المتوفر إن عبرت عن رأي أو طالبت بحق، كان أمراً أساسيا من أجل اتخاذ القرار، فلن أتعرض لأذى بعد رفع صوتي والتعبير عن أفكاري، كما أن اقتناص فرصة للدفاع عن المرأة المسلمة كان محفزا".

النمطية التي يقابل بها المهاجرون وأيضا البيروقراطية التي يعانون منها، كلها أمور تحرك الرغية في تغيير الأوضاع نحو الأحسن بالنسبة للجندي. "لكي يبدأوا بدراسة اللغة أو تحقيق إنجاز لابد من الانتظار كثيراً، الأمر سببه عدم استعداد ألمانيا المسبق لاستقبال أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين خلال فترة قصيرة. الكثير من القوانين البيروقراطية يجب أن تتغير، حتى لا تستمر في تعثر مجتمع المهاجرين والأجانب المتواجدين هنا في الاندماج. فأبناؤنا الذين ولدوا هنا ألمان، يجب ألا يجدوا أنفسهم منعزلين أو منبوذين بسبب خلفيتهم المهاجرة". 

المشاركة.. أملا في التغيير!

في حوار لمهاجر نيوز مع لمياء قدور، المرشحة للانتخابات البرلمانية عن حزب الخضر، اعتبرت أنه "من المهم أن يبحث الأشخاص ذوو الخلفية المهاجرة عن منصب سياسي حتى يتم تصوير الواقع الاجتماعي لبلد مثل ألمانيا ويصبح التنوع أكثر وضوحًا. يجب أن يكون الهدف السياسي لجميع الأحزاب الديمقراطية هو عكس هذا التنوع".

فكرة لا تتنافى مع دعوة الصحافي والخبير بالشأن الألماني، حسن حسين، التي يوجهها لمجتمع المهاجرين في ألمانيا، من أجل تكثيف المشاركة السياسية عبر الانتماء لأحزاب تعرف مواقفها بالدفاع عن حقوق اللاجئين والمهاجرين، والعمل على الاندماج في المجتمع الألماني عبر العمل السياسي، معتبراً أن "ترك الفراغ في المشهد السياسي لا يلعب دوراً إيجابيا، بل يترك القرار في يد غير المهاجرين لتدبير أمور تعنيهم بالدرجة الأولى".

الإعلامي والخبير في شؤون السياسة الألمانية حسن حسين
الإعلامي والخبير في شؤون السياسة الألمانية حسن حسين

"التأثير في المشهد السياسي بعد التفاني في الدفاع عن قضيتك كمهاجر ممكن وسيخلق تأثيراً أكيد"، حسب حسن حسين. كما أن نماذج المهاجرين والألمان من خلفيات مهاجرة شاهدة على ذلك، فبعد مسيرة سياسية بصموا بها داخل الحزب، صار العديد من المهاجرين وجوها معروفة وناجحة اليوم في المشهد السياسي الألماني، وانتخبوا أكثر من مرة، ويدخلون الانتخابات بقوة.

وترى منال الجندي "أنه لابد للمهاجرين واللاجئين أن يساهموا في نشر الوعي بقضاياهم عبر الحديث والدفاع عنها سياسيا، خاصة من خلال إسماع صوتهم من داخل أحزاب مدافعة عن المهاجرين. فهي تعتقد أنه بإمكان المهاجرين واللاجئين تغيير الكثير".

كما تشدد لمياء قدور في حوارها مع مهاجر نيوز، على أن المشاركة السياسية داخل الأحزاب هي الطريقة الوحيدة الممكنة أمام المهاجرين واللاجئين ليحققوا ما يصبون إليه من تغيير داخل مجتمعهم الجديد. "فلا يمكن للمهاجر أن ينتظر أن يأتي أحد ليقدم له ما يريده، بل عليه الكفاح من أجل الوصول إلى ما يريده".

واعتبرت مرشحة حزب الخضر أن "الديمقراطية تتقوى بأشخاص يرفعون أصواتهم". مؤكدة أن اللاجئين على سبيل المثال، قد يكون لديهم اهتمام خاص بتوعية المجتمع بمسألة الهروب من مناطق الصراع والهجرة. "الأمر ينجح إذا نظمت نفسك، وأشركت المجتمع المدني ثم أنشأت لوبيًا، وقويت حظوظك بالعمل على الإنترنت وعلى أرض الواقع، أو من خلال المظاهرات في الشارع. لكن قبل كل شيء من خلال الانضمام إلى الأحزاب. على المهاجرين تمثيل أنفسهم، وأنا مقتنعة بأن شعور المهاجرين واللاجئين بالانتماء إلى ألمانيا ومشاركتهم السياسية هو بوابة لكسب المزيد من الحقوق".

تحديات وعقبات لابد من تجاوزها!

ترى لمياء قدور أنه لابد من تجاوز حواجز اللغة أولا فهي التحدي الأكبر، ليكون المهاجري قادرًا على تقديم أفكاره السياسية للآخرين باللغة التي يفهمها معظم الناس، وللوصول لأكبر عدد ممكن.

لمياء قدور، من مرشحي حزب الخضر للانتخابات التشريعية المقبلة في ألمانيا، تنحدر من أصول سورية
لمياء قدور، من مرشحي حزب الخضر للانتخابات التشريعية المقبلة في ألمانيا، تنحدر من أصول سورية

"عندما تنضم إلى حزب جديد كأجنبي، عليك أن تتوقع أن تكون هناك مقاومة لك، ويمكن أن تواجه أيضًا كراهية وحسدًا وخوفًا من المنافسة. لكن لا ينبغي أن تستسلم بسهولة، عليك التحمل والتغلب على الحواجز"، تقول قدور. البحث عن داعمين، وبناء شبكة معهم - سواء بين الأشخاص ذوي الخلفية المهاجرة أو الألمان أنفسهم عوامل ستساعد على النجاح وتحقيق هدفين، أولا: النهوض بقضاياك السياسية والدفاع عنها، وثانياً: المنافسة في الانتخابات".

وفي حوار لها مع زميلتنا ماريون ماكغريغور في القسم الإنجليزي، قالت السياسية الألمانية جيورجينا كازونجو هاس، وهي أول عضو أسمر البشرة في برلمان ولايتها، راينلاند بفالتس، "في ألمانيا، لم يفهم الكثيرون بعد أهمية الأشخاص الذين يصلون كمهاجرين، إنهم قيمة مضافة والبلد في حاجة إليهم. للأسف يضطرون (المهاجرون) إلى شكرنا طوال الوقت لمنحهم فرصة التواجد في ألمانيا، بينما في الواقع، نحن من يجب أن نشكرهم، لأنه بدونهم لن تتحرك البلاد".

 جيورجينا المنحدرة من أب كيني وأم ألمانية، تطالب بتقبل المجتمع الألماني أكثر للمهاجرين، مذكرة أن هناك دولًا أخرى تدير موضوع ادماج المهاجرين بشكل أفضل. وأعطت أمثلة لذلك إيرلندا حيث نائب رئيس الوزراء (ليو فارادكار) ذو أصول مهاجرة، ورئيس بلدية لندن (صادق خان) أيضا ذو أصول مهاجرة، وغيرها من النماذج التي لا تزال غائبة في ألمانيا.

ماجدة بوعزة

 

للمزيد