مخيم موريا القديم بعد عام على حريق دمره بالكامل. الصورة: دانا البوز
مخيم موريا القديم بعد عام على حريق دمره بالكامل. الصورة: دانا البوز

مضى عام على حريق مخيم موريا وبناء السلطات اليونانية مخيما جديدا لاستقبال آلاف المهاجرين المشردين الذين كانت أحوالهم متدهورة أساسا. رغم الوعود الكثيرة على المستويين الأوروبي واليوناني بتحسين ظروف الاستقبال، يبدو أن الوضع المعيشي يتحول "من سيء إلى أسوأ"، وباتت تُرفض ملفات طالبي اللجوء بشكل "أوتوماتيكي"، بينما تصدر السلطات اليونانية تشريعات هجرة جديدة مشددة تتغير باستمرار.

"أصبح رفض ملفات طالبي اللجوء القاعدة العامة في جزيرة ليسبوس"، فأيام قليلة قد لا تتجاوز العشرة باتت تكفي السلطات اليونانية لتقييم ملف طالب اللجوء وعدم قبوله، بحسب تعبير المحامية لور بوشيتيل في "مركز ليسبوس القانوني"، المعني بتقديم الدعم القانوني لطالبي اللجوء أثناء الإجراءات الإدارية.

كغيره من الكثيرين، تحدث الشاب الصومالي خالد لمهاجرنيوز أمام المخيم "المؤقت" حيث يقيم منذ حوالي الشهرين، عن إجراءات إدارية لم يستطع فهمها تماما، ويشرح أنه "بعد حوالي أسبوع على تقديمي طلب اللجوء، حصلت على رفض أولي. أخبروني عن إمكانية استئناف القرار لكن كل شيء يحدث بسرعة هنا. موعد ومقابلة ورفض واستئناف... كل هذا خلال بضعة أسابيع".

بالنسبة للمحامية لور، حالات مثل الشاب الصومالي وغيره من جنسيات سورية وأفغانية وأفريقية، تأتي بشكل يومي إلى المنظمة غير الحكومية في مدينة ميتيليني.


للمزيد>>> عام على حريق موريا.. ظروف استقبال مريعة تنهك طالبي اللجوء نفسيا وجسديا (1/3)

إجراءات مسّرعة ورفض "أوتوماتيكي"

خلال الأشهر الماضية بعد حريق "موريا" وإنشاء "المخيم المؤقت"، حرصت السلطات اليونانية على رفض ملفات طالبي اللجوء "بأسرع وقت ممكن"، وبالتالي باتت تطبق على طالبي اللجوء الإجراءات المسرّعة التي غالبا ما تكون نتيجتها سلبية. وتنبه المحامية من أن طالب اللجوء يحصل على موعد المقابلة الأولى بعد بضعة أيام على وصوله، دون أن يكون قادرا على التحضير بشكل كاف لهذه المقابلة، "بعد صدمة عبور البحر والتجارب القاسية وصولا إلى هنا، لا يعلم هؤلاء الأشخاص ما الذي ينتظرهم ولا يكون لديهم الوقت الكافي لجمع ما لديهم من أدلة تدعم ملفهم".

ومن أجل استئناف قرار الرفض، يجب البدء بالإجراءات خلال فترة لا تتجاوز الأسبوعين، وبالتالي لا يتسنى لغالب الأشخاص الحصول على دعم مناسب قبل تقديم ملف الاستئناف. ووفقا للقانون اليوناني، يجب على الدولة تخصيص محامي لمساعدة طالب اللجوء بعد حصوله على الرفض الأول، لكن في الكثير من الأحيان لا يستطيع طالب اللجوء حتى رؤية هذا المحامي الذي غالبا ما يكون في أثينا أو مدن أخرى.

خلال حديثه مع مهاجرنيوز، أوضح الشاب الأفغاني أحمد أنه حصل على رفض لطلب لجوئه منذ حوالي ستة أشهر، لكنه لا يعلق الكثير من الآمال على طلب الاستئناف قائلا "المحامي لم يقدم لي مساعدة حقيقية. تحدثنا عبر الهاتف سريعا... لا أثق به كثيرا".

تقول المحامية "حالات الرفض في ليسبوس مستمرة وتلقائية".

المحامية ماريون بوشتيل من مركز ليسبوس القانوني. الصورة: دانا البوز
المحامية ماريون بوشتيل من مركز ليسبوس القانوني. الصورة: دانا البوز


"تركيا بلد ثالث آمن" ورفض أغلب طالبي اللجوء السوريين

تماشيا مع تشديد اليونان سياستها حيال الهجرة ورغبتها في خفض أعداد اللاجئين، أعلنت وزارة الهجرة اليونانية منذ ثلاثة أشهر تصنيف تركيا "دولة ثالثة آمنة" لطالبي اللجوء المتحدرين من سوريا وأفغانستان وباكستان وبنغلاديش والصومال، ما يعني أنه بإمكان اليونان قانونيا عدم منح طالبي اللجوء الحماية وإعادتهم إلى تركيا، طالما أن تواجدهم هناك لا يمثل خطرا عليهم. ووفقا للبيانات الرسمية، مثّل طالبو اللجوء من هذه البلدان الخمسة نسبة 65.8% من مجمل المتقدمين في عام 2020.

أثناء مقابلة اللجوء، لا سيما مع الأفغان والسوريين، تركز السلطات أسئلتها حول وضعهم في تركيا دون طرح أسئلة عن بلدهم الأم. "المقابلة سريعة وتستغرق 15 دقيقة"، بحسب ما لاحظت المحامية ماريون، مضيفة "يتم تطبيق هذا القانون بشكل مسيء، والاتحاد الأوروبي لا يراقب بشكل كاف مدى شرعية تطبيق هذه القوانين حسب حالة كل شخص".

وتصر المنظمات غير الحكومية على أن تركيا لا يمكن تصنيفها "دولة ثالثة آمنة" لأنها لا تحقق جميع معايير الحماية الدولية. كما انتشرت تقارير عدة حول ترحيل تركيا بعض السوريين قسرا إلى مناطق في شمال سوريا ليست آمنة تماما.

"حتى بالنسبة للسوريين، بات الرفض أوتوماتيكي. نتلقى رسائل بشكل يومي من سوريين عالقين في مراكز احتجاز منذ أشهر غير قادرين على إيجاد حل".

منذ حوالي شهرين، نشرت منظمة "المساواة في الحقوق خارج الحدود" تقريرا أكدت فيه أنه منذ بداية العام 2020 وحتى نهاية حزيران/يونيو الماضي، وصلت نسبة رفض السلطات اليونانية على جزر بحر إيجة لطالبي اللجوء السوريين إلى ما يقارب الـ100%، على أساس أن تركيا بلد ثالث آمن بالنسبة لهم، بغض النظر عن الظروف الفردية لكل شخص. ويستنتج التقرير أن هذه الممارسة تنتهك قانون الاتحاد الأوروبي واليوناني وقانون حقوق الإنسان، وتعيق الحق في الاستئناف.

والتقى مهاجرنيوز باللاجئة السورية نداء، التي مضى على وجودها في ليسبوس عامين، "حصلنا على رفض ثلاث مرات وأرادوا ترحيلنا إلى تركيا، لكن بعد أشهر طويلة من المعاناة والإجراءات الإدارية وافقت أخيرا السلطات على طلبنا بسبب وضعي الصحي. نريد أنا وزوجي إنجاب أطفال، ولكن في كل مرة لا ينجح الأمر. تعرضت للإجهاض خمس مرات".

الظروف المعيشية التي يضطر المهاجرون لمواجهتها، إضافة إلى الضغوطات النفسية المستمرة، تؤدي إلى تدهور حالة العالقين منهم لفترات طويلة، دون تمكنهم من الحصول على دعم طبي مناسب. "هذه الظروف تزيد من هشاشة وضعهم"، بحسب الطبيبة لور جوحكيم العاملة في منظمة "أطباء بلا حدود".

المخيم المؤقت على جزيرة ليسبوس اليونانية. الصورة: دانا البوز
المخيم المؤقت على جزيرة ليسبوس اليونانية. الصورة: دانا البوز


تشريعات متغيرة باستمرار

تصنيف تركيا دولة آمنة ثالثة لم يكن آخر القرارات التي اتخذتها اليونان من أجل خفض أعداد المهاجرين. وتشير المحامية ماريون إلى أن الحكومة تسعى من خلال سن تشريعات جديدة إلى زيادة تعقيد الأمور ليس فقط بالنسبة لطالبي اللجوء، وإنما أيضا للقانونيين والمحاميين عبر إدخال تغييرات مستمرة على تطبيق القانون.

ومنحت الدولة في الأشهر الأخيرة صلاحيات أوسع للشرطة تسمح لهم بترحيل المهاجرين الذين تعترضهم أثناء محاولتهم دخول الأراضي اليونانية بشكل غير شرعي، في حال لم يعبروا عن رغبتهم بتقديم اللجوء. كما قلّصت الدولة المدة التي يمكن لطالبي اللجوء استئناف قرارات الرفض خلالها.

وأشارت المحامية ماريون إلى أن فترة تقديم ملف الاستئناف بعد الحصول على قرار الرفض تختلف حسب إذا كان ذلك للمرة الأولى أو الثانية. "القوانين تتغير باستمرار. بحسب القوانين الجديدة، في حال الرفض الأول، يحق للاجئ استئناف القرار خلال 10 أيام فقط، و30 يوما للرفض الثاني".

وبحسب القانون، بعد أن يحصل طالب اللجوء على رفض للمرة الثانية، فإنه يصبح خارج عملية طلب اللجوء التقليدية، أي أن المساعدات المادية والطبية تنقطع تماما عن الأشخاص الذين حصلوا على رفض لمرتين.

إلا أن الحصول على رفض مرتين ليس أمرا مستبعدا بالنظر إلى الإجراءات الإدارية، إذ أن طالب اللجوء الوافد إلى ليسبوس عبر تركيا يحصل بشكل شبه تلقائي على رفض أولي في غضون أيام، ويجب عليه إرسال ملف الاستئناف خلال فترة قصيرة لا تتجاوز 10 أيام. لكن المهاجرين لا يمتلكون المعلومات الكافية ولا توفر لهم الدولة الدعم القانوني، وبالتالي على الأرجح أنه بعد أشهر من الانتظار يحصل طالب اللجوء على رفض ثان.

وبالنسبة للأشخاص الذين حصلوا على رفض مرتين، تدرس اليونان حاليا مشروع قانون يجعل طلب اللجوء "مقابل مبلغ مادي". بحسب المحامية، "لا يوجد أي منطق في قانون اللجوء اليوناني".

الطبيبة لور في منظمة أطباء بلا حدود تنبه من خطورة نتائج التعقيدات الإدارية على صحة اللاجئين، "في حال استمرار هذه الظروف المعيشية السيئة، ستكون هناك عواقب وخيمة بالنسبة للأشخاص، لا يمكن التعويض عنها".

تقول اللاجئة السورية نداء "لا أزال أنا وزوجي بانتظار أوراقنا بعد أن حصلنا على حق اللجوء. لن نبقى في اليونان، بل أريد الذهاب إلى دولة تحترمني وتقدم لي العلاج لإنجاب الأطفال".

 

للمزيد