الطفل الأفغاني علي وأخوه على جزيرة ليسبوس اليونانية. الصورة: دانا البوز
الطفل الأفغاني علي وأخوه على جزيرة ليسبوس اليونانية. الصورة: دانا البوز

عدم اليقين حيال المستقبل يشكّل أكبر مخاوف الأطفال وأهاليهم المجبرين على تحمل ظروف العيش المتدهورة على جزيرة ليسبوس اليونانية، في مخيم كان من المفترض أن يكون "لفترة مؤقتة". قلق وخوف وتوتر، كلمات ترددت كثيرا على ألسنة طالبي اللجوء والعاملين في المنظمات الإنسانية أثناء حديثهم لمهاجر نيوز عن الشعور بفقدان الأمان وعدم قدرة الأطفال على تلقي تعليم مناسب، لفترة قد تطول لأعوام.

لا تزال ذكرى حريق مخيم موريا عالقة في ذهن علي بعد مرور عام على الحدث، وبينما يسير مع شقيقه الأصغر وأصدقائه الثلاثة، يشير إلى بقعة في شارع عام قائلا "في هذا المكان نمنا لأيام عدة أنا ووالداي وأختي، بعد أن فقدنا أغراضنا وخيمتنا في المخيم القديم".

12 شهرا مروا منذ حريق مخيم موريا، الأكبر في أوروبا والذي كان يؤوي أكثر من 12 ألف شخص. وعلي، كغيره من مئات الأطفال الآخرين، عاش تلك اللحظات المرعبة وتشرد في الشوارع المحيطة بالمخيم ريثما نقلتهم السلطات اليونانية إلى مخيم جديد كان من المفترض أن يكون "مؤقتا" بانتظار إنشاء آخر على جزيرة ليسبوس.

علي وأخوه يشيران إلى مكان خيمتهم بعد حريق موريا. الصورة: دانا البوز
علي وأخوه يشيران إلى مكان خيمتهم بعد حريق موريا. الصورة: دانا البوز


بكلمات إنكليزية قليلة يقول الطفل الأفغاني ذو الـ13 عاما لمهاجرنيوز "نعيش في المخيم الجديد. ليس جيدا". لكنه يبدو متأقلما على حياة الجزيرة، فهو يعرف الطرقات الفرعية المحيطة بالمخيم، ووجد برفقة أصدقائه مخرجا خلفيا يجنّبهم المرور عبر البوابة الرئيسية، ويختصر عليهم الطريق للوصول إلى المكان الوحيد خارج المخيم الذي يوفر لهم أنشطة منظمة.

بابتسامة عريضة وحماس واضح على وجوه هذه المجموعة من الأصدقاء، قالوا "ذاهبون للعب رياضة الكونغ فو القتالية". فعلى بعد حوالي 10 دقائق عن المخيم، تستأجر جمعية "يوغا ورياضة مع اللاجئين" صالة واحدة اكتست جدرانها بالمرايا، ويقدم فيها المتطوعون دورات رياضية لقاطني المخيم.

في ذلك اليوم، لم يتمكن هؤلاء الأطفال من الدخول إلى الصالة الرياضية، لأن الدولة فرضت على هذه الجمعية أن يُظهر كل من يريد الدخول نتيجة سلبية لفحص كورونا. إلا أن مجموعة الأصدقاء لم تكن على علم بهذه القاعدة الجديد. "سنعود إلى المخيم"، قالها الأصدقاء ببعض من الحزن، فهم لا يمتلكون خيارات أخرى لتمضية وقتهم خارج المخيم.

للمزيد>>> عام على حريق موريا.. ظروف استقبال مريعة تنهك طالبي اللجوء نفسيا وجسديا (1/3)

أعوام على الجزيرة دون تعليم

هذه ليست خيبة الأمل الوحيدة التي يعيشها هؤلاء الأطفال، لاسيما وأن لا أحد منهم تمكن من ارتياد المدارس اليونانية العامة. فالتعليم الوحيد المتوفر لهم يقتصر على دورس اللغة (إنكليزية ويونانية) لمدة ساعتين يوميا فقط، بتنظيم من جمعيات غير حكومية. ومنذ وصول علي وأخيه إلى جزيرة ليسبوس منذ أكثر من عامين، لم تتسن لهما أي فرصة للدخول إلى المدرسة العامة.

مخيم "كاراتيبي 2" أو "موريا 2" على جزيرة ليسبوس اليونانية. الصورة: دانا البوز
مخيم "كاراتيبي 2" أو "موريا 2" على جزيرة ليسبوس اليونانية. الصورة: دانا البوز


انقطاع الأطفال عن العملية التعليمية لفترة طويلة وفي عمر صغير "أمر خطير لا يمكن تجاهله ونتيجة مباشرة لسياسة الدولة"، بحسب تعبير الناشط بابيس بيستكوس في جمعية "تضامن ليسبوس"، وأضاف "الحكومة لا تريد دمج اللاجئين. يندرج ذلك تحت خطتها بعزل اللاجئين عن باقي المجتمع".

بحسب تقرير "هيومن رايتس ووتش"، تمكن طفل واحد فقط من بين كل سبعة أطفال يعيشون في مختلف المخيمات اليونانية، من الذهاب إلى المدرسة خلال العام الدراسي الماضي. "إخفاق اليونان في احترام حقوق الأطفال طالبي اللجوء في التعليم ينتهك توجيهات الاتحاد الأوروبي، التي تطالب جميع الدول الأعضاء بدمج الأطفال طالبي اللجوء في نظام المدارس الوطنية في غضون ثلاثة أشهر من التعرف عليهم".

خلال لقاء مهاجر نيوز مع منظمة "أطباء بلا حدود" التي تقدم الدعم الطبي للاجئين على جزيرة ليسبوس، لاحظت الطبيبة النفسية ارتيميس كريستودولو، خلال تقديمها الاستشارات النفسية للأطفال اللاجئين، "قلق وخوف" الأطفال والمراهقين من المستقبل. "تراودهم شكوك ممّا إذا كانوا سيتمكنون من الحصول على تعليم جيد وإيجاد عمل وأن يساهموا في المجتمع... البعض أمضى ثلاثة أعوام على الجزيرة، ذلك يعني ثلاثة أعوام دون الحصول على تعليم".

للمزيد>>> عام على حريق مخيم موريا.. قرارات رفض سريعة وإجراءات إدارية معقدة (2/3)

كلما كان الأطفال أصغر سنا كلما زاد تأثير التوتر على دماغهم

القلق الذي ينتاب الأطفال المقيمين في مخيم موريا لا يقتصر فقط على التعليم، وإنما مجرد العيش في "بيئة غير آمنة"، بحسب تعبير الطبيبة النفسية، ما يجعلهم معرضين للتوتر المستمر، "بعض الأطفال يخافون من النوم في خيمة ومن أن يدخل أحد ما عليهم ويسرق أغراضهم، ويزداد هذا الخوف في حال تعرضوا سابقا للسرقة".

"كلما كان الأطفال أصغر سنا كلما زاد تأثير التوتر على دماغهم، وبالتالي، عيش الأطفال والمراهقين في حالة دائمة من التوتر سيؤثر على نموهم. وإذا لم نوفر للأطفال مساحة آمنة سيكبرون وهم في حالة ضغط مستمر"، بحسب كريستودولو.

ومن المشاكل الشائعة التي تواجه الأطفال، الكوابيس وحالات سلس البول وصعوبة التعامل مع مشاعرهم والسيطرة على غضبهم مثلا. "الأفكار الانتحارية تراود الكثير من المراهقين، وحتى صغار السن. في إحدى المرات قال طفل يبلغ سبعة أعوام إنه يريد أن يغرق في البحر".

الطبيبة لور جوحكيم مديرة العمليات في "أطباء بلا حدود"، لاحظت أن الأطفال الصغار الذين ولدوا في المخيم لديهم صعوبة واضحة في التحكم برغبتهم في التبول، "نرى أطفالا لا يتعلمون التبول في الحمامات أو يعيدون تبليل فراشهم في سن أكبر، ورأينا حالات من التبول اللاإرادي عند مراهقين يبلغون من العمر 16 عاما. هذه نتيجة معروفة للتوتر عند الأطفال".

وبما أن الخصوصية هي "رفاهية" لا يمكن الحصول عليها في هذا المخيم، حيث تتلاصق الخيام ببعضها وتتشارك أكثر من عائلة خيمة واحدة، ينتقل القلق الذي يراود الأهالي إلى أبنائهم بسبب الضغوطات الهائلة المتعلقة بالإجراءات الإدارية أثناء طلب اللجوء. وبما أن الأهالي يتحدثون بشكل مستمر عن الأوراق، فإن الأطفال يتأثرون بهذا الحديث ويشاركون أهلهم القلق على أمور ليس من الطبيعي أن تأخذ حيزا من تفكيرهم.

أمام المخيم المؤقت المجاور للبحر، تمشي ديلروبا مع ابنها إراد ذو الخمسة أعوام، وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها لإكمال طريقها نحو مستشفى مدينة ميتيليني لتلقي جرعات تساعدها على إكمال حملها، "أنا في الشهر التاسع من الحمل، لكن الطعام سيء في المخيم وأشعر بالتوتر. لا أستطيع تحمل نفقات شراء طعام من خارج المخيم. لذلك أنا أتلقى أدوية تساعد طفلي على النمو. الأطباء قالوا لي إنه صغير جدا".

أمام المخيم المؤقت على جزيرة ليسبوس تقف طالبة اللجوء الحامل في شهرها التاسع مع ابنها. الصورة: دانا البوز
أمام المخيم المؤقت على جزيرة ليسبوس تقف طالبة اللجوء الحامل في شهرها التاسع مع ابنها. الصورة: دانا البوز


"قوانين غير إنسانية"

المرأة التي تبلغ من العمر 25 عاما متحدرة من طاجكستان، حصلت مرتين على رفض لطلب اللجوء منذ وصولها إلى ليسبوس في العام 2019، وبالتالي لم تعد تتلق مساعدات مادية ولا تزال بانتظار إجراءات استئناف قرار الرفض.

فشل السياسة الأوروبية واليونانية في التعامل مع ملف الهجرة، بحسب تعبير المنظمات الإنسانية، يتجلى بشكل واضح في هذه الظروف المعيشية المتدهورة التي تؤثر على جميع الوافدين إلى جزيرة ليسبوس. حتى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة يتواجدون جميعهم في المخيم نفسه، لاسيما بعد قرار السلطات إغلاق منشآت "كاراتيبي" التي كانت مخصصة للفئات الهشة والنساء الحوامل.

مخيم موريا بعد عام على حريق عام 2020. الصورة: دانا البوز
مخيم موريا بعد عام على حريق عام 2020. الصورة: دانا البوز


برنامج "إيكتيدا" البديل كان يستقبل 800 شخص العام الماضي، سيغلق بشكل نهائي بحلول تشرين الثاني/نوفمبر القادم بأمر من الحكومة. "يوجد أشخاص مقعدين يتنقلون على كرسي متحرك، وفي هذا المخيم المؤقت لا توجد لديهم المنشآت المناسبة، كالحمامات مثلا... الدولة تسن قوانين غير إنسانية تهدف من خلالها إلى زيادة معاناة الناس".

الخيام المتلاصقة والحمامات المتسخة والطعام السيء والظروف المناخية الصعبة، كلها تفاصيل يومية ستكون أول ما يتعرف إليه طفل ديلروبا عند قدومه إلى هذا العالم.


دانا البوز / موفدة مهاجرنيوز إلى جزيرة ليسبوس اليونانية

 

للمزيد