الصورة: مهدي شبيل
الصورة: مهدي شبيل

نوبات القلق، أوجاع الرأس، الكوابيس... عوارض غالبا ما تكون رفيقة درب المهاجرين خلال رحلاتهم الشاقة، وهي أعراض قد تشكل أمراضا نفسية تؤدي إلى الانهيار النفسي أو العصبي، ولا يخفف من وقعها الوصول إلى بلدان الهجرة.

العذابات النفسية التي يعاني منها المهاجرون على طرقات الهجرة، موضوع لا يشكل الحديث عنه حدثا جديدا، لكن الملاحظ أن القليل من الناس يتكلمون عنه. ولا يخفف من وقع تلك العذابات وصول المهاجرين إلى بلدان الهجرة.

الواقع أن هذه الأعراض النفسية هي عديدة وغالبا ما يكون وقعها صعبا على الشخص الذي يعاني منها. وأكثر تلك الأعراض انتشارا هي أوجاع الرأس، الرهاب الليلي، عدم القدرة على تحديد الوقت والموقع الجغرافي، الكوابيس، الانهيار النفسي، نوبات القلق، والميول الانتحارية...

في كانون الثاني/يناير انتحر شاب من مالي بالقفز من الطابق الثامن من مقر إقامته. ويمكن القول بكل أسف، أن حالة الانتحار هذه ليست منعزلة أو فريدة.

ويجمع أطباء النفس على التأكيد أن ضرورة علاج المشاكل النفسية، "الكلام والإفساح عن المتاعب النفسية يسمح بتخفيف المعاناة"، كما تؤكد صوفي موتيرون الطبيبة المتخصصة في علم النفس السريري وتعدد الثقافات في جمعية "بالابر" في مدينة تولوز الفرنسية.

عدم دراية بوظيفة الطبيب النفسي

تدخل أسباب عديدة في شرح تردد المهاجرين في الخضوع للعلاج النفسي، منها عدم تحملهم كلفة العلاج وعدم اعتبار الاستشارات النفسية ضرورية. وتقول موتيرون "هناك بلدان لا توجد فيها طبابة نفسية، وبلدان أخرى تعتبر فيها مهنة الطبيب النفسي مجهولة"، كما أن هناك بلدان يعتبر فيها العلاج النفسي عار على المريض. وطبعا هناك من يعتبر أن الطبيب النفسي هو طبيب عادي، وبالتالي يقتصر عمله على الإرشادات العامة ووصف الأدوية المناسبة لكل حالة.

لذلك خلافا للطبيب العادي، غالبا ما يبدأ الطبيب النفسي عمله مع المهاجرين بالتعريف عن مهنته، لطمأنة المريض والتأكيد له أنه ليس جزءا من مكتب حماية اللاجئين وعديمي الجنسية، كما يؤكد للمريض التزامه الأخلاقي والقانوني بسرية الممارسة المهنية والطبية.

"جاءني مرة شابا كان يعاني من صداع شديد"، تقول الطبيبة النفسية صوفي موتيرون، "وطلب مني أن أصف له دواء لعلاجه من الصداع وتخفيف آلامه، ولم يفهم أن العلاج سوف يأخذ وقتا معينا وأن علاجه يمر أولا عبر الحوار والكلام مع الطبيب النفسي".

انقطاع المهاجرين عن الجلسات العلاجية

إضافة إلى عنصر الجهل بعمل الطبيب النفسي، يشكل عامل ضيق الوقت سببا لتعقيد العملية العلاجية، بسبب تقطعه أو بسبب الانقطاع عنه بشكل نهائي. فالمهاجرون غالبا ما يكونون في حراك مستمر، كما أنهم يبقون فترات قد تكون طويلة في مركز للاستقبال والتوجيه، أو في مركز لاستقبال طالبي اللجوء. ووفقا للأخصائية النفسية "لهذه الأسباب تنقطع جلسات العلاج مع الطبيب النفسي أو الأخصائي في التحليل النفسي، وغالبا ما يحتاج المرضى إلى أكثر من جلسة لإتمام العلاج".

إضافة إلى العذابات في بلدانهم الأصلية أو على دروب الهجرة، يفرز يسبب انعزال المهاجرين في البلاد الأوروبية حالات من الانهيار النفسي تسبب انطواء على الذات وتغذي ميول الانتحار.

"يعتبر الكثير من المهاجرين فرنسا بلد حقوق الإنسان. لكنهم يصابون بالخيبة لعدم لمس هذه الأفكار حسيا عند استقبالهم هنا في بلادنا، بل على العكس، نحن نضعهم في حالة انتظار"، كما يحلل جان بيير مارتان، الأخصائي بالتحليل النفسي الذي يتعاون مع منظمة أطباء بلا حدود.

هذا الانتظار والترقب هو عنف إضافي يعيد إظهار المعاناة السابقة لدى المهاجرين -وهو ما يعرف بعارض ما بعد المرض- وفي هذه الحالة يحتاج العلاج لوقت إضافي. وهنا مكمن المشكلة، لأن الوقت غير متاح ومحدود. ويقول جان بيير مارتان "إذا لم يتوفر الوقت لنا لا نستطيع القيام باللازم للتحليل النفسي أو العلاج النفسي، ونكتفي بالاستماع".

تجهيزات غير مناسبة

زيادة على ما سبق، هناك نقص في الإنشاءات والتجهيزات لهذا النوع من الاستشارات النفسية. وينصح المحلل النفسي العامل مع منظمة أطباء بلا حدود، والذي يستقبل كل خميس أربعة أو خمسة مهاجرين، بإنشاء أماكن للاستقبال تكون مناسبة ويوجد فيها أطباء نفسيون أو محللون نفسيون بشكل دائم ومستمر. "حتى أولئك الذين لا أعراض مرضية لديهم -وهم قليلون- يحتاجون للمتابعة المطولة".

ولا تخالفه الرأي صوفي موتيرون، وهي تطالب بتطوير الأجهزة الموجودة لتصبح مناسبة لأوضاع المهاجرين، خاصة وأن الطواقم الطبية -أطباء عاديين أو نفسيين- هم غير معدين مسبقا للتعامل مع المهاجرين.

"يجب إعادة النظر بكل سياسات الاستقبال"، كما يقول جان بيير مارتان، الذي يضيف "إن الأزمة ليست أزمة هجرة، بل هي أزمة استقبال المهاجرين".

للمزيد من المعطيات، الرجاء زيارة موقع منظمة "أطباء العالم"   http://www.medecinsdumonde.org/fr/ville/paris 


ترجمة: جيل واكيم

 

للمزيد