ينزح ملايين الناس سنوياً نتيجة الكوارث الناتجة عن التغير المناخي. أرشيف \ رويترز
ينزح ملايين الناس سنوياً نتيجة الكوارث الناتجة عن التغير المناخي. أرشيف \ رويترز

صورة قاتمة يرسمها تقرير البنك الدولي حيال التغيرات المناخية التي يشهدها العالم حاليا. جفاف وارتفاع منسوب مياه البحار وشح الموارد الغذائية، جميعها عناصر ستساهم في ارتفاع مستويات الهجرة إلى أرقام غير مسبوقة. التقرير تحدث عن هجرة 216 مليونا خلال السنوات الثلاثين القادمة، ما لم تقم الدول الأكثر تقدما بخطوات ملموسة حاليا للتخفيف من انبعاثات غازات الدفيئة ودعم مشاريع تنموية مستدامة في الدول الأكثر عرضة لتلك المتغيرات.

لم يعد خافيا أثر التغير المناخي الطارئ على حياتنا اليومية. فموسم الأمطار بات غير متوقع، وموسم الصيف والحرارة والشمس بات متقلبا إلى درجات كبيرة. التغير المناخي قضية كانت ومازالت موضع بحث العلماء ومراكز الدراسات المتخصصة، التي لطالما حذرت من الآثار "غير المعكوسة" التي طرأت على جو الكرة الأرضية، وآثارها التي بدأت بالتكشف مؤخرا.

البنك الدولي، المنظمة المالية الأكبر في العالم والذي يتخذ من واشنطن مقرا له، سبق وأن حذر من تداعيات الكوارث البيئية المتكررة. ففي عام 2018، أصدر البنك تقريرا تحدث فيه عن الآثار المباشرة التي ستمس حياة ملايين البشر، خصوصا في دول أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا. التقرير حذر حينها من ارتفاع حاد في أعداد النازحين واللاجئين بسبب تلك التغيرات ونتائجها التي لا تبدأ بشح المياه ولن تنته بالنزاعات المسلحة على الموارد الطبيعية.

30 عاما

وأمس الإثنين 13 أيلول\سبتمبر، عاد البنك الدولي وأصدر تقريرا آخر، هو تتمة لتقريره الأول، رسم صورة أكثر قتامة وسوداوية لما يمكن أن نتوقعه خلال العقود القليلة القادمة. التقرير الجديد تكهن بحركة هجرة غير مسبوقة في تاريخ البشرية، 216 مليون شخص سيغادرون مدنهم وبلدانهم بحثا عن أماكن أخرى توفر لهم سبل العيش والرفاهية. ولا يتوقف التقرير عند العدد فقط، بل يحذر من أن موجة النزوح البشرية الهائلة هذه ستحدث بحلول العام 2050، أي بعد حوالي 30 عاما من الآن.


ما الصورة التي يجب علينا رسمها لذلك الواقع، وما الذي علينا توقعه إلى ذلك الحين؟

في تقريره الأول، تحدث تقرير المنظمة الدولية عن هجرة 143 مليونا من أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية، إلى دول تحظى بمناخ أكثر استقرارا وبفرص معيشية أفضل. لكنه عاد في تقريره الجديد وأضاف إلى تلك المناطق شرق آسيا والمحيط الهادئ وشمال أفريقيا، وبعض أجزاء أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، لترتفع أعداد الهجرة المتوقعة إلى 216 مليونا، بحلول العام 2050.

للمزيد>>> أكثر مما تسببه الحروب - أرقام قياسية في أعداد النازحين بسبب المناخ

ومن النتائج الأولية التي سيشهدها العالم نتيجة التغيرات المناخية، انخفاض الإنتاج الزراعي وندرة المياه وارتفاع منسوب مياه البحر، التي ستخلق بدورها مناخات من التوتر بين الجماعات والبلدان قد تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات مسلحة، ما سيضيف إلى أسباب الهجرة.

توقعات يمكن عكسها

يورغن فيغل، نائب رئيس البنك الدولي لشؤون التنمية المستدامة، علق على التقرير قائلا "من المهم إدراك أن تلك التوقعات ليست مؤكدة"، في محاولة للتخفيف من وطأة صدمة الأرقام، ليعود ويؤكد أن على البلدان المتقدمة مسؤوليات أساسية تتمثل بـ"الحد من غازات الدفيئة (الاحتباس لحراري) وخفض الهوة في المجال التنموي وتصحيح النظم البيئية الحيوية ومساعدة الناس على التأقلم". وأورد المسؤول في المنظمة الدولية أنه لو تمكنت الدول من الالتزام بتلك الشروط "فيمكن تقليص الهجرة المناخية بنحو 80%، أي إلى 44 مليون شخص بحلول عام 2050".

وحذر فيغل أنه من دون اتخاذ إجراءات حاسمة، ستتشكل "بؤر ساخنة" للهجرة المناخية "خلال العقد القادم، وتتفاقم بحلول عام 2050، حيث سيغادر الناس الأماكن التي باتت غير قابلة للحياة ويذهبون إلى المناطق التي توفر الفرص"، أي إلى البلدان الأكبر والأغنى. وحذر من تداعيات تلك الهجرات على البلدان المضيفة، التي في الأغلب لن تكون مستعدة لاستقبال كل تلك الأعداد.


وتابع "إن مسار الهجرة المناخية خلال نصف القرن المقبل رهن بعملنا الجماعي بشأن تغير المناخ والتنمية على مدى السنوات القليلة المقبلة" داعيًا إلى التحرك "الآن".

شح المياه الخطر الأكبر

وحاليا، يتوقع البنك الدولي أنه بحلول العام 2050، يمكن أن تشهد أفريقيا جنوب الصحراء ما يصل إلى 86 مليون مهاجر، وشرق آسيا والمحيط الهادئ 49 مليونا، وجنوب آسيا 40 مليونا، وشمال أفريقيا 19 مليونا، وأميركا اللاتينية 17 مليونا، وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى خمسة ملايين.

وسبق للأمم المتحدة أن حذرت من تداعيات الاحتباس الحراري على بعض الدول، وما سينتج عنه من شح في الموارد الطبيعية والغذائية، قد ينعكس على حياة تلك المجتمعات ورفاهيتها. مفوضية اللاجئين أعلنت مرارا أن الهجرات التي ستنجم عن التغيرات المناخية سيكون لها آثارا مدمرة على الفئات المتضررة، وستزيد من أوضاع النازحين أو المهاجرين هشاشة وضعفا.

وبالعودة إلى التقرير، هناك مخاوف كبيرة من شح المياه في شمال أفريقيا، التي يأتي على تسميتها بـ "المحرك الرئيسي للهجرة المناخية الداخلية". إضافة إلى تباطؤ النمو السكاني في كل من المناطق الساحلية والداخلية التي تواجه نقصا في المياه، بما في ذلك الساحل الشمالي الغربي للجزائر وغرب وجنوب المغرب وسفوح جبال الأطلس.

وقال التقرير إن مدينة الإسكندرية في مصر والأجزاء الشرقية والغربية من دلتا نهر النيل "يمكن أن تصبح بؤر هجرة خارجية بسبب تراجع منسوب المياه وارتفاع مستوى سطح البحر".

 

للمزيد